فى مقال سابق تحدثنا عن نقابة الصحفيين المصريين والجمعية العمومية لها ، فى محاولة متواضعة لتفسير أسباب تراجع نسبة استجابة أعضاء الجمعية العمومية لدعوات المجلس ، وقلنا إن ثمة علاقة تربط ما بين المجلس والجمعية كانت سببا فى تراجع تلك النسبة الى حدود لم يسبق لها مثيل فى تاريخ الجمعيات العمومية للنقابة. غير أن أمورا أخرى تبدو من الأهمية بمكان الإشارة إليها وهى جانب حقوق الصحفيين ، وهو الجانب المسئول عنه الدولة بالدرجة الأولى وبكل مؤسساتها ، حتى وان كانت النقابة طرفا غير أنها طرف لا ينفصل عن الدولة رغم أنها نقابة مستقلة. وفى محاولة سريعة لتسيط الضوء على تلك الأزمة ، نجد أن كثيرا من الصحفيين فى بلادى مصر يتعرضون خلال السنوات الأخيرة، لمشاكل خطيرة خطيرة فرضت نفسها على مهنة الصحافة، وعلى الواقع الذى يواجهه الصحفيون ، الأمر الذى جعلهم لا يستطيعون الحصول على ضروياتهم اللازمة فى وقت تمارس عليهم الحكومات المتعاقبة ضغوطا شديدة اثرت جميعها بالسلب على الجماعة الصحفية بشكل عام. ففي الوقت الذى يعانى فيه الصحفيون غياب ضروريات البقاء سواء المادية أو المهنية ، فإنهم يواجهون فى ذات الوقت بمطالب دعم خطط الحكومة والتركيز على ما تراه جوانب إيجابية فى أدائها ، الأمر الذى أفقد المهنة أصولها وحول كثيرا من الصحفيين إما الى أبواق للسلطة أو معاونين لرجال الأعمال ومدافعين عن أصحاب رؤوس الأموال الخاصة التى سيطرت وبشكل واضح على عالم الصحافة ، سواء كانت رؤوس أموال اقتصادية أو حزبية. فالواقع الذى يعيشه الصحفيون يتسم بالمرارة ، خاصة وأن كثيرا منهم وأغلبهم من المنتمين إلى الصحف الحزبية والخاصة ، يعانون تاريخا من إهدار الحقوق ، فقد لحقت بهم ويعانون البطالة وعدم صرف رواتبهم منذ سنوات طوال ودخلت أزمتهم عامها السابع ، فضلا عن قيام أصحاب الصحف الخاصة بتسريح العديد منهم بحجج الخسارة المادية، الأمر الذى انعكس فى النهاية بالسلب على أوضاع الصحفيين عموما ، بعد أن فقد أغلبهم مورد رزقه الأساسى نتيجة إغلاق الصحف وتشريد الصحفيين بها من ناحية ، وبسبب عدم قدرة الدولة على تسوية ملفاتهم التأمينية من ناحية أخرى ، مما يهدد مستقبل أسرهم نظرا لارتباط ذلك الأمر بمعاش الضمان الاجتماعى المفروض على الدولة. وإذا كان هذا هو واقع الصحفيين فى الصحف الخاصة والحزبية ، فإن نظراءهم في الصحف المملوكة للدولة ، أو ما يطلق عليها الصحف القومية ، أحسن حالا نظرا لتكفل الدولة بسداد مرتباتهم وأقساط التأمين عليهم ، وهو ما يعنى تأمين أوضاعهم ومستقبلهم إلى حد كبير مقارنة بالآخرين فى الصحف الحزبية والمستقلة. بجانب الأزمات المالية التى تواجه الصحفيين ، فإن هناك تحديات أخرى تتمثل فى قوانين وتشريعات صحفية وإعلامية مرتقبة ، كان من بينها إقرار مشروع مكافحة الإرهاب ، وهو القانون الذى ناضلت معه الجماعة الصحفية بعد أن لاقى اعتراضات شديدة بسبب الحبس فى قضايا النشر ، والذى كان من نتيجته استبدال الحبس بالغرامة المالية غير أن هذا التعديل لم يلب مطالب الجماعة الصحفية كاملة. ومن المنتظر أن تكون هناك تشريعات أخرى تتمثل فى مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام ، الذى تم تقديمه للحكومة المقالة برئاسة ابراهيم محلب وهو القانون الذى يمثل - حال إقراره - عبئا جديدا على الصحفيين ويحمل تحديات أخرى تتمثل فى عدم وجود ضمانة لحقوق الصحفيين ماديا ومهنيا ، وتركيزه وبشكل أساسى على الصحفيين فى المؤسسات المملوكة للدولة وإغفاله وبشكل كبير فى معظم مواد مشروع القانون للصحفيين فى المؤسسات الخاصة والحزبية ، وهو ما طالبنا فى لجنة الدفاع عن استقلال الصحافة بضرورة تعديله بما يضمن تأمين الصحفيين جميعهم دون تمييز فيما بينهم على أساس المؤسسة التى ينتمون إليها كونها مملوكة للدولة أو خاصة أو حزبية. ومع تلك التحديات وخاصة المادية تأثر أداء الصحفيين مما دفع بالكثيرين منهم إلى تحويل دفة الأداء المهنى والحياد عن المصداقية ، وذلك إما لخدمة الحكومة والتسبيح بحمدها، وهو ما تطالب به الحكومات دائما، وإما الدفاع عن رجال الأعمال سواء فى الصحف الخاصة أو الفضائيات التى يملكونها لتكون المهنة والصحفيون هم الخاسر الأكبر فى عملية التحول السلبى فى الأداء المهني ، ليكون وضعهم فى النهاية مابين مطرقة مطالب وضروريات المهنة وسندان الحكومة الذى ينزل عليهم. تبقى المسؤولية عن هذا التراجع فى الأداء والتحديات التى تواجه الصحفيين والمهنة عموما على كاهل الدولة بالدرجة الأولى ، التى تملك زمام القدرة على تقنين الأوضاع ، بعد أن تغافلتها الحكومات المتعاقبة وصمت آذانها عنها حتى تفاقمت الى حدود خطيرة تتطلب من القيادة السياسية أن يكون الحل ضمن أولوياتها،حماية للصحفيين من تاريخ طويل من إهدار الحقوق. ومن المؤكد أن مع إنهاء الدولة للتاريخ الطويل من إهدار حقوق الصحفيين ، أو الحد من عملية امتداده لما هو أبعد ، وتعاون النقابة فى هذا الشأن ، تكون له تأثيراته الايجابية على الجمعية العمومية للنقابة ، وعلى نسبة المشاركة فيها ، ومن ثم تتحقق نتائج ايجابية تستفيد منها المهنة والدولة على حد سواء.