مبررات التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط منتهية الصلاحية وحان الوقت للانسحاب انشغال العرب بصراعاتهم مع بعضهم بدلا من مواجهة إسرائيل أو معالجة القضية الفلسطينية أكبر ضمان لأمن إسرائيل الإرهاب في أمريكا.. عواقب ارتدادية لتورطها الخاطئ في صراعات الشرق الأوسط إطلاق النار في مدينة اورلاندو بولاية فلوريدا ومدينة سان بيرناردينو بولاية كاليفورنيا قاد شخصيات بارزة لطرح عدة اقتراحات تراوحت بين منع دخول المهاجرين المسلمين إلى الولاياتالمتحدة إلى تشديد السيطرة على السلاح. ومع ذلك، لا يبدو هناك أي شخص طرح السؤال الأساسي: لماذا بعض السكان من أصل شرق أوسطي تطورت لديهم هذه الكراهية تجاه أمريكا لدرجة أنهم على استعداد ليس فقط لإلحاق معاناة كبيرة بالمدنيين الأبرياء، ولكن أيضا وضع حياتهم هم شخصيا في معاناة مماثلة؟! الجواب يكمن في التاريخ ومدى التدخل الأميركي في الشرق الأوسط الواسع بدءا من تركيا إلى باكستان. كانت الولاياتالمتحدة متورطة كثيرا على الجانب الخطأ من الصراعات الداخلية والإقليمية في هذه المنطقة، حيث دعمت الأنظمة الاستبدادية. والأهم من ذلك حدود انخراطها – خاصة في فترة ما بعد الحرب الباردة – تجاوزت بكثير مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية في تلك المنطقة. هناك أسباب متعددة لهذه الدرجة العالية من التدخل الأميركي في الشرق الأوسط ولكن معظمها الآن منتهية الصلاحية. أولا، الأمر أصبح على سبيل العادة – عادة مستمرة من أيام الحرب الباردة عندما قادت المنافسة مع الاتحاد السوفيتي السياسة الخارجية الأميركية. ومع ذلك أيا كان مبرر هذا النهج الأمريكي، فإنه فقد الكثير من المنطق بمجرد اختفاء الاتحاد السوفيتي 1991 من المشهد. السبب الثاني الذي تم استخدامه لتبرير التدخل الأميركي لاسيما في منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط كان الاعتماد على البترول المستورد من المنطقة. مرة أخرى مهما كانت قوة هذه الحجة ربما كانت قبل عقد أو عقدين لكنها زائدة عن الحاجة تماما تقريبا اليوم. وفقا للأرقام التي قدمتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، في عام 2015 استوردت الولاياتالمتحدة ما يقرب من 9.4 مليون برميل يوميا من النفط من 82 دولة. شكلت دول الخليج العربي 16% فقط من هذا المجموع مع المملكة العربية السعودية تمثل 11٪ فقط. بالتالي لا مجال للشعور بالقلق حيال متطلبات الطاقة الأمريكية، حيث ليس من الصعب على الولاياتالمتحدة استبدال إمدادات الخليج – لاسيما السعودية – من مصادر أخرى في السوق اليوم. في الواقع، نتيجة لتحركات السياسة الخارجية السعودية المتهورة على نحو متزايد في السنوات الأخيرة، دخلت الرياض مع واشنطن في صراعات غير ضرورية كما هو الحال في اليمن. وعلاوة على ذلك، أدى انتشار النفوذ السعودي في الشرق الأوسط إلى ظهور شكل أكثر تطرفا للإسلام يهدد ليس فقط المنطقة ولكن أمريكا أيضا. وعلاوة على ذلك، هناك إدراك مكتشف حديثا في واشنطن أن طهران لا تشكل خطرا كبيرا على المصالح الأمريكية في المنطقة في أعقاب الاتفاق النووي، لذلك أمن السعودية وموازين القوى في الخليج لم تعد مخاوف أميركية حيوية والسعودية ينبغي أن يتم نصحها بعدم الاعتماد على الدعم الأمريكي في تنافسها مع إيران وتتقبل توازن القوى الجديد في المنطقة. السبب الثالث المقدم لتبرير تلك الدرجة العالية من التدخل الأميركي في الشرق الأوسط مرتبط بالقلق على أمن إسرائيل. وهذه حجة عفا عليها الزمن بالنظر إلى التفوق العسكري الإسرائيلي على جميع جيرانها العرب وانشغال العرب بصراعاتهم مع بعضهم البعض بدلا من معالجة القضية الفلسطينية أو مواجهة إسرائيل. غزو العراق في عام 2003 كان فكرة سيئة للغاية يتم دفع ثمنها حتى اليوم. والأمر ذاته يحدث بالتورط الجاري، من دون الكثير من التدبر، في الحرب في سوريا. الأمر نفسه ينطبق على تورط الولاياتالمتحدة في أفغانستان. غزو أفغانستان عام 2001 ربما كان له ما يبرره في ضوء هجمات 11 سبتمبر ولكن ليس هناك سبب لمشاركة أمريكا في الحرب الأهلية المستمرة في ذلك البلد والذي من المرجح أن تستمر لعقود. الدولة الوحيدة في هذا القوس يمكن القول بشكل معقول أن المصالح الإستراتيجية الأميركية معها على المحك هي تركيا بسبب عضويتها في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). ولكن، هذا لا يعني أن الولاياتالمتحدة يجب أن تنزلق في مغامرات تركيا الإقليمية كما هو الحال في سوريا أو مشاجراتها الداخلية مع سكانها الأكراد. سياسات أردوغان قصيرة النظر على هاتين الجبهتين وضعت تركيا في موقف لا تحسد عليه، وحتى أثارت شبح الدولة التركية والكردية المنفصلة. في الواقع، ينبغي تقديم النصيحة لأنقرة بتقليص مشاركتها في سوريا والتوصل إلى تفاهم مع سكانها الأكراد المضطربين على شروط مقبولة لهذا الأخير لمنع وقوع كارثة كبرى لنفسها وللمنطقة. يجب على الولاياتالمتحدة أن توضح للحكومة التركية أنها لا تعتبر الدفاع عن تركيا مسألة تخص الناتو إذا لم تكن مستعدة لإتباع نصائح واشنطن بشأن هاتين المسألتين. لقد حان الوقت للولايات المتحدة لبدء الانسحاب من الشرق الأوسط. بعد الهجمات الإرهابية في اورلاندو وسان بيرناردينو، أصبح مثل هذا الانسحاب مسألة أمن وطن. كلتا الحادثتين أوضحت، حتى أكثر من هجمات 9/11، أنه كلما زاد التدخل الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، كلما كانت الفرصة أكبر لمواجهة عواقب الارتداد التي تلحق ضررا كبيرا بأمن الشعب الأمريكي. ورغم أن هذا الانسحاب قد لا يضع حدا فوريا للهجمات الإرهابية داخل الأراضي الأمريكية، إلا أنه سيحد بصورة كبيرة من فرص تكرار مثل هذه الهجمات في المستقبل. محمد أيوب ناشيونال انترست