الْقَمْحْ مِشْ زَىّْ الدَّهَبْ الْقَمْحْ زَىّْ الْفَلاَّحِيْنْ عِيْدَانْ نَحِيْلَهْ جَدْرَهَا بْيَاكُلْ فِى طِيْنْ زَىّْ اسْمَاعِينْ وِمْحَمَّدِينْ وِحْسِين أَبُو عْوِيْضَهْ اللِّى قَاسَى وِانْضَرَبْ عَلشَانْ طَلَبْ حِفْنِةْ سَنَابِلْ رَيَّهَا كَانْ بِالْعَرَقْ عَرَقْ الْجِبِيْنْ.. الْقَمْحْ زَىّْ حْسِينْ يِعِيْشْ يَاكُلْ فِى طِيْنْ.. أَمَّا اللِّى فِى الْقَصْرْ الْكِبِيْرْ يِلْبِسْ حَرِيْرْ وِالسُّنْبُلَهْ يِبْعَتْ رِجَالُهْ يِحْصُدُوهَا مِنْ عَلى عُوْدْ الْفَقِيْرْ.. نقف، كذات خبيرة بالزمان، مجروحة ومتضخمة، متعالية على الجرح وهشة، نقف جميعنا، لنفتح نافذة جديدة، على الحاضر والتاريخ، ربما على العالم، أو بالأحرى، ما يخصنا في هذا العالم، لنسمي تلك النافذة صلاح جاهين، الذي يعد واحدًا ممن يطلق عليهم بحق «ضمير الأمة»، أو نسميها «القمح مش زي الدهب»، حيث نبدأ قراءة واقعنا، مجتمعاتنا، ومستقبلنا، في اللحظة نفسها، التي نبدأ في قراءتها.. نقرأ، ويتجلى السؤال بتجلى الأزمة التي فجرتها الذكرى الأخيرة لثورة يوليو، حيث تنكر الكثيرون للثورة، واختصروا ما حدث آنذاك في حركة الجيش، بل وذهب أكثرهم –وأكثرهم من أبناء الطبقات الشعبية- إلى امتداح الملك والملكية، وكيف أن مصر التي تبدو في صور الخواجات القديمة، أفضل من مصر المشوهة بفعل الثورة، هكذا يظنون، أما نحن فنسأل: هل تناسى ثوار الأمس ما عاناه الأجداد الثائرون، حتى منتصف القرن الماضي؟ هل تناسينا أسباب المعاناة وسبب الثورة وأصحابها؟ إذن لنقرأ قصيدة «جاهين»، لتتكشف لنا بوادر الثورة وتتجلى، بمجرد أن يتجرأ الفلاحون والغلابة، منذ سطر القصيدة الأول، على موروث ثقافي واجتماعي وسياسي ضخم، حفظته أمثال وأقوال مثل «القمح زي الدهب»، واضعين أنفسهم وواقعهم بل وتاريخهم أمام المساءلة، فالذهب رمز الثروة، زينة الحكام والأغنياء ومعيار القيمة عندهم، ولكنهم: الغلابة/ الشعب، لا يعرفونه، بل يعرفون سنابل القمح التي تشبههم تمامًا فهي كما يصورها جاهين "عِيْدَانْ نَحِيْلَهْ/ جَدْرَهَا بْيَاكُلْ فِى طِيْنْ/ زَىّْ اسْمَاعِينْ وِمْحَمَّدِينْ". هنا تعلن المفارقة عن نفسها، ويتجلى مفهوم القطيعة المعرفية، الذي أوضحه لنا الناقد الكبير الدكتور سيد البحراوي في كتابه المهم «محتوى الشكل»، إذ اعتمد على إجابة الشعب وموقفه، والحل الشعري للأزمات على لسان «جاهين» في لحظة تاريخية فارقة: «القمح زي الفلاحين». «القمح زي الفلاحين» هنا قامت الثورة، ثورة على مفاهيم رسخها الإقطاعيون وقننتها الملكية، ثورة على "اللِّى فِى الْقَصْرْ الْكِبِيْر يلْبِسْ حَرِيْرْ"، ثورة على استعباده وذله "السُّنْبُلَهْ يِبْعَتْ رِجَالُهْ يِحْصُدُوهَا مِنْ عَلى عُوْدْ الْفَقِيْرْ". "الْقَمْحْ زَىّْ حْسِينْ/ يِعِيْشْ يَاكُلْ فِى طِيْنْ".. صورة لن تجد أبطالها/ أجدادنا، في فوتوغرافيا الخواجات، أبطالها الذين أدركوا أن في الدنيا ذاتها، باشا يلبس الحذاء ويُنعِم بفضلات ما أكله مما زرع الفلاحون، على الخدم والحاشية، بينما يعاقبون هم، على طلب حقهم القليل في السنابل المروية بالعرق.. عرق الجبين". مثل "حْسِين أَبُو عْوِيْضَهْ اللِّى قَاسَى وِانْضَرَبْ عَلشَانْ طَلَبْ، حِفْنِةْ سَنَابِلْ رَيَّهَا كَانْ بِالْعَرَقْ".. الثورة هنا كما يرسخها صلاح جاهين في ضمير الأمة، ليست مجرد حركة عسكرية نجحت، وإنما إرادة شعبية، تتجلى في القطيعة المعرفية، مع الماضي، والتصميم على كتابة عقد المستقبل، مع المستقبل، وهو ما يشهد به الحراك الاجتماعي الذي قاده شباب الطبقات الاجتماعية الفقيرة التي تمثل غالبية الشعب، بداية 1952، حتى تحرك الجيش في يوليو.