وزارتين كانا مثارًا للجدل دومًا، الإعلام والثقافة، لما يمثلوهما من أهمية في تشكيل وعي ووجدان هذا الشعب، الأولى في طريقها للتخلص من شكل الوزارة الروتيني وتشكيل مؤسسات تتولى إدارتها، أما الثانية لا تزال قابعة في القاع لذا وجب علينا بين الحين والأخر، الوقوف عندها ومتابعة كل ما تقدمه للجمهور من "منتج ثقافي" ونقده، هل هو حقيقي أم وهمي؟ وهل لديها استراتيجية واضحة وسياسيات تعمل تحت مظلتها أم أن عقول المصريين ليست ذات أهمية ليضع القائمين على الوزارة سياسية واضحه لتوعيته وتوسيع آفاقها؟ بالوزارة قطاعات كثيرة وموظفون أكثر، يُخصص لهم ما يزيد عن90% من ميزانية "الثقافة"، الغالبية منهم إداريين، والمبدعين قلة قليلة أيضًا لعب الروتين دوره معهم فصاروا كالإداريين، إذن أين الثقافة والوعي الجماهيري الذي تقدمه هذه الوزارة؟، بعد أن اتخذتها العنكبوت بيتًا له. سياسات ثقافية كثيرة غائبة عن ذهن القائمين على وزارة الثقافة، كتفعيل دور المنسق الثقافي داخل المراكز والمؤسسات التابعة لها، والعمل وفق إدارة ثقافية واضحة، أكد هذا الغياب الشاعر والكاتب محمد عز الدين- المنسق الثقافي السابق لمركز طلعت حرب الثقافي، وصاحب تجربة حقيقية في العمل الثقافي، قائلًا: يوجد بكل مركز ثقافي تابع للوزارة "منسق ثقافي" لكن لا قيمة له، لأن هناك فرق كبير بين المنسق الثقافي المتعارف عليه، وبين الذي يوجد في وزارة الثقافة، ففي مصر ينتهي دور المنسق مع بداية كل شهر، فقط يحدد مواعيد الندوات التي سيتم إقامتها دون الوعي بأهمية الضيف أو الموضوع المثأر للنقاش، مشيرًا أن المنسق متواجد في الوزارة «مسمى» فقط، لا يعمل ولا يقدم إبداع ثقافي حقيقي. أعداد الموظفين الهائلة بالوزارة دون تقديم خدمة ثقافية، أثار استنكار العديد، ودفعهم للمطالبة بإلغاءها وتفكيكها لمؤسسات ما دام أنها لم تقدم أي تنوير أو تغير يذكر، وقد زاد هذا الطلب بإلحاح الكثير من المثقفين خاصة بعد ثورة يناير، واليوم يرددها «عز الدين»: الإبقاء على وزارة الثقافة حتى الآن خطأ فادح، لأن وجود وزارة للثقافة يجعلها تتبنى توجه الدولة -أيًا كان هو- وتسير عليه، وهو عكس ماهية الثقافة والوعي، لذا لا بد من تفكييها لمؤسسات تحظى ببعض الاستقلالية وتكون أيضًا تابعة للدولة، لأنه حتى الآن تفتقد الوزارة لألية التسويق، متسائلًا: من يسمع اليوم عن منتجات وإصدارت الوزارة؟ بالطبع فئة قليلة جدًا، لذا لابد من إعادة النظر في هذا الأمر مرة ثانية. يبدو أن المنشط الثقافي وفن الإدارة الثقافية، مهام خارج حسابات الوزارة التي لا تزال تتعامل مع الثقافة بمفهوم نخبوي، كما قال منير النجار- المنسق الثقافي لكل من مؤسستي ميمنتو وديارنا، موضحًا أن الوزارة لا تخاطب إلا فئة معينة من الجمهور من أهل المعرفة والثقافة، متجاهلة الشرائح البسيطة ذات المعرفة المحدودة، فمثلًا حفلات الأوبرا لا يمكن لشخص أن يحضرها إلا أن كان على قدر من الوعي والإدراك، وهو ما يختلف تمامًا مع مفهوم الثقافة التي لابد أن تنبع من احتياجات المجتمع ذاته، مما يؤكد أن سياسيات الوزارة منفصلة تمامًا عن الواقع والمجتمع. «النجار» رأى أيضًا أن التجارب الجديدة التي تطلقها الوزارة، "صورية" تخدم مصالح الحكومة وتنفذ تعليمها فقط، كاللجنة الشبابية بالمجلس الأعلى للثقافة، قائلًا: ليس هناك أي تجديد أو أي مساحة للإبداع بالوزارة، لذا كانت تجارب الفرق المستقلة والأندر جروند خلال ال10 سنوات الماضية الأكثر نجاحًا، لأنها نبعت من الشارع ولبت رغباته واحتياجاته عكس الوزارة المنعزلة تمامًا عن احتياجات الجمهور. تابع منير: علم الإدارة الثقافية منعدم تمامًا عن الوزارة، فحتى الآن لا تزال ترى أن الثقافة ليست مرتبطة بالربح المادي، وليس من يعمل في مجال إبداعي صاحب مهنة مستقلة، وفي ذلك يشترك المجتمع مع الوزارة في هذا الخطأ، فلا نزال غير معترفين أن الكتابة مهنة مستقلة تجني ربح لصاحبها، مثلًا تجربتي في "ميمنتو" استطعت أن أحقق فن الإدارة الثقافية، وتعاملت مع الثقافة على كونها مهنة مستقلة وبدأت أبحث عما يريده المجتمع وأوفره للمتلقي، وعلى أرض الواقع نجحت التجربة، لذا أكررها على الوزارة لا بد من تحقيق التفاعل الجاد مع الجمهور. تتفق مروة حلمي- نائب المدير التنفيذي لمؤسسة المورد الثقافي، مع عز الدين والنجار، بقولها: تفتقد الوزارة لسياسية ثقافية معلنة وواضحة، فليس هناك خريطة تسير وفقها، بل القائمون عليها يديرونها بشكل عشوائي، كما اننا في مصر نجهل فن الإدارة الثقافية ونتعامل معها بحالة من العبث، غير معترفين أن إدارة الثقافة علم كغيره من العلوم التي تحتاج ترتيب وتخطيط جيد من قبل خبراء ومتخصصين. إلى حد ما تحظى الوزارة بقدر من الاهتمام الإعلامي لبعض فعاليتها، لكن لا تزال هناك فعاليات كثيرة مجهولة لجمهورها المستهدف، إذ تفتقد الوزارة التسويق الجيد عن منتجاتها، وذلك يرجع إلى ضعف الجودة المقدمة وسوء التخطيط وعدم الاعتماد على الكفاءات، علاووة على أن غالبية ميزانية الوزارة تذهب للموظفين ولا يتبقى سوى الفتات للأنشطة الثقافة، أي أن ليس هناك نسبة وتناسب بين أعداد الموظفين والأنشطة، فكم الموظفيين هذا ماذا يقدم إن كان لا هناك أنشطة تقدم من الأساس. سؤال استنكاري مهم طرحته «حلمي»، فماذا يفعل حقًا كل هذا الكم من الموظفين بوزارة الثقافة إن كانت الأنشطة محدودة وبائسة، إلى متى سنظل نعمل كآلة دون تفكير أو إبداع؟، أسئلة كثيرة إجابتها فقط في جعبة الدكتور جابر عصفور، الذي وافق على توليه الوزارة وهو على علم بهذا الكم الهائل من الموظفين، لتكون النتيجة بعد 6 شهور من توليه جمود وتحجر في الإدارة الثقافية دون أي جديد يذكر.