«مشتاقين يا ناس للبيت/ لنبع الحبايب/ لبلاد النخيل والغيط/ هيعود اللى غايب/ مشتاقين يا ناس لبلاد الدهب »، تظل كلمات تلك الأغنية التي كتبها الشاعر النوبي محي الدين شريف، وغناها ابن النوبة البار أحمد منيب، وغيرها الكثير مما تجاهلته الميديا المصرية، مستودع للحلم الذي لم يتخل عنه أبناء النوبة، ومع الوقت صارت الأغاني وطنًا بديلًا عن الوطن المفقود، في ظل عزلة ثقافية وحصار ثقافي مفروض على أبناء النوبة. تفخر الثقافة المصرية بثرائها وخصوصيتها القائمة على تنوع مشاربها، إلا أن الأمر اختلف كثيرًا في السنوات الأخيرة، إذ صار ذكر النوبة المصرية، مقرونًا بمؤامرات تقسيم مصر إلى أقاليم، وبدلًا من تكليل تضحيات أبناء النوبة الذين تحملوا مرارة التهجير القسري، حاملين موروثهم الثقافي على أكتافهم من أجل مستقبل مصر، لم تعمل الدولة على صيانة التراث النوبي، بل أصرت السياسات الثقافية للأنظمة المتعاقبة، على عزل النوبة ثقافيًا وكأنها عضو غريب على جسد الثقافة المصرية، وصار الكثيرون يتهمون أبناء النوبة بالدعوة إلى تقسيم البلاد.. ولأن النوبة جزءًا أصيلًا من مصر، عانى مرارة التهميش، قرر «البديل» أن يواجه هذا التهميش، للحفاظ على ما تبقى من التراث المصري، ومحاولة لإعادة النظر في مستقبل التنوع الثقافي المصري. وفي هذا أوضح الشاعر النوبي «محي الدين صالح»، أن هناك أسباب أخرى دفعت إلى تدهور المورث الثقافي للنوبيين، أوجزها في: الحروب التي خاطتها بلاد النوبة مع الفرس والأتراك قديمًا، والتهجير الذي تعرضوا له 4 مرات بدءً من عام 1902، من أجل بناء خزان أسوان، وكان أخرهم عام 1964 من أجل بناء السد العالي، علاوة على انتشار وسائل الإعلام الحديثة، حيث أثر كل ذلك بالسلب على تمسك النوبيين بتراثهم الثقافي، فمثلاً هناك ألعاب كثيرة للأطفال اختفت بفضل التليفزيون، فقديمًا كان الأطفال يحرصون على ممارسة الألعاب النوبية، أما الآن استبدلوها بمشاهدة المسلسلات والأفلام. ورأى «صناجة النوبة»، أن الأهمال الذي تعرض له المورث الثقافي النوبي يقع على عاتق النوبين أنفسهم، عندما اندمجوا في العاصمة بحثًا عن لقمة العيش بدلًا من التعريف بحضارتهم وثقافتهم، وإن كان بعضهم مؤخرًا يحاول على استحياء إنشاء مؤسسات مستقلة بالقاهرة للتعريف بالتراث النوبي. وأضاف «صالح»، أن الدولة المصرية أسرت أحلام النوبين، فلم تقدم لهم ما يساعدهم على رفع الوعي الثقافي الذي يكفل بدوره الحفاظ على الحضارة النوبية، و أوضح قائلا: «إذا كنت نوبيًا فعليك أن تدرك أنك لن تعمل الإ في ثلاثة وظائف فقط هم: "مزراع، موظف حكومي، مدرس"، و من أراد أن يطلق خياله ويتمنى المزيد عليه الترحال إلى العاصمة، فحتى الآن لم تملك قرى النوبة معهد عالي واحد للتعليم». وأشار «صالح» أن القاهرة تتعامل مع النوبة بمبدأ "البعيد عن العين، بعيد عن القلب"، حتى أصبح تهميش الأطرف سمه من سماتها، مما أصاب النوبيين بعزلة ثقافية، والتي نتج عنها غياب كل وسائل الترفيهه والتثقفيف والمعرفة، لتخلد النوبة في سبات عميق وتتسع الفجوة بينها وبين العاصمة. وأكد شاعر النوبة،أنها تعاني من معوقات داخلية، تسببت في عُزلة النوبين الثقافية، فلا توجد وسائل موصلات عامة بالنوبة لتنقل الفرد من قرية لأخرى لتلبية الضرورات، فماذا عن حضور ندوة أو احتفالية ثقافية، إلا إذا استلقى سيارة خاصة يدفع لها 20 جنية، وهذا لم يحدث نظرًا لضعف الحالة الاقتصادية لأهالي النوبة ويتابع صالح: إن فصل السودان عن مصر كاد أن يصيب النوبه بالانهيار الثقافي، فالنوبيون يقع ربع تعدادهم في جنوب مصر في حين يقع الباقي بالسودان؛ كما أن التهجير الرابع عام 1964 كان عامل أساسي في إضعاف الفنون النوبية، وذلك بسبب تغير البيئة التي اعتاد عليها الفنان النوبي والتي كانت مصدر إلهام له، فبعد الطبيعة الملهمة على ضفاف النيل، يجد نفسه محاط بكتل اسمنتيه في موطنه الجديد بالجبل. ويتفق «حسام عبد اللطيف بشير»، عضو إئتلاف عائدون، مع «صناجة النوبة»، أن السلطة المصرية السابقة أهملت التراث الثقافي النوبي؛ حيث كانت تهتم دائمًا بالمركزية ولا تلتفت إلى ثقافة المحليات، مما تسبب في اندثار العديد من العادات الاجتماعية النوبية. وأضاف «بشير» أن إهمال الدولة المصرية للثقافة النوبية، لم يقف عند اندثار بعض العادات الاجتماعية، بل وصل إلى أن دولة كالسودان تجرأت وقامت بسرقة التراث الثقافي للنوبة ونسبته إلى تاريخها، فمؤخرًا ظهرت العديد من الكتب والمراجع التاريخية بدولة السودان التي تنسب انجازت النوبة المصرية إليها في المعارك الحربية، كل ذلك بسبب غياب السلطات المصرية عن دورها في حماية المورث الثقافي النوبي. ويثبت «بشير» إهمال الدولة المصرية للتراث الثقافي النوبي، بتجربته في نشر كتاب بعنوان «النوبيون في مصر 115 عامًا من الاقصاء والتهميش.. 1898- 2013»؛ حيث نشر طبعة متواضعة، على نفقته الشخصية دون اللجوء إلى دار نشر خاصة أو أخرى حكومية، خوفًا من أن تهمل تلك الهئيات الكتاب خاصة أنه عن النوبه وهو مجال غير مثار للاهتمام بالنسبة لهم، فقرر أن يطبعه بنفسه ليساهم في رفع الوعي عند المصريين بالتراث النوبي وقضية العودة. وقال «بشير»، أنه قام بطبع 200 نسخة، وقام بتوزيعها على أعضاء لجنة الخمسين، المكلفة بكتابة دستور 2013، لرفع الوعي لديهم حول قضية النوبة، وصياغة مادة تكفل حق العودة إلى ضفاف النيل، وبالفعل تم صياغة المادة 236 ضمن مواد الأحكام الانتقالية. طالما حلم النوبيين بالعودة إلى وطنهم على ضفاف النيل وها هم حتى الآن يعافرون، ولكن متى سيعود المواطن النوبي في نظر المصريين إنسانًا له الحق في الحياة التي تسمح له أن يخرج من عباءه الخادم والبواب التي سجنته فيها السينما المصرية؟، فقد استنكر الشاعر النوبي «رامي يحيى» عضو لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة، الصورة التي ظهر بها المواطن النوبي بالسينما، قائلاً: « لقد شوهت صورة النوبيين بالسينما المصرية، وذلك بسبب نمطية التفكير السينمائي في مصر، الذي يحتم أن يكرر الممثل الدور إذا نجح فيه أول مرة، وبذلك تنطبع الصورة الذهنية للمصريين عن المواطن النوبي، والتي نعاني منها حتى اليوم». ويرصد «يحيى» أولى مراحل التهميش والاقصاء للنوبة، والتي بدأت بعهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما أنشا وزارة «الإرشاد القومي»، وزارة الثقافة حاليًا؛ حيث كانت تهدف إلى تثقيف المواطنين في إطار واحد لا تنوع فيه، لتبدأ أولى مراحل الإقصاء للتتحول إلى إهمال متعمد في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ليستكمل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك مسيرة إهمال الثقافة النوبية. وأشار «يحيي» أن الأديب حجاج أدول قدم مقترح للجنة الخمسين، بصفته ممثلًا عن النوبة، أن تُدرس اللغة النوبية بالتعليم الأساسي كمادة اختياريه بالمدارس، كمحاولة لتكوين جيل مرتبط بحضارته النوبية، لكن قوبل بالرفض. بعدما قمنا برصد اخفاقات الدولة المصرية في حق النوبيين وتراثهم الفكري والثقافي، اقترح أبناء النوبة بعض الطرق التي ربما قد تساهم في ربط المصريين بالنوبة والتعرف عليها، يرى الشاعر محي الدين الصالح أن أفضل الطرق للحفاظ على التراث النوبي من الإندثار هو الاهتمام بالفنون النوبية وتقديمها في صورة "فيديو كليب" مصحوب بالترجمة العربية، فيما أتفق «صالح» مع «عبد اللطيف» أن على وزارة الإعلام والثقافة إنتاج مسلسلات وأعمال درامية عن النوبة وتقاليدها الاجتماعية ومورثها الثقافي. كما أقترح «يحيى» أن تُكتب نبذات تثقفية عن حضارة النوبة وثقافتها، مع فاتورة الكهرباء الشهرية التي تصل إلى كل بيت في مصر، ليذكرهم بتضحية أهل النوبة لبناء السد العالي الذي يمدهم بالكهرباء، كذلك إنتاج برامج تثقفية عن النوبة، وإعادة نشر الأعمال الأدبية النوبية.