بعد أن بات استنساخ المضامين آليَّة جديدة من آليات الامبرياليَّة؛ اعتدنا أن تُصدِّر لنا هذه الامبرياليَّة مضامين جديدة هي في مجملها ثانويَّة، وليست بالأهميَّة التي تُزيَّن بها، لاستقطاب انتباهنا ووعينا، لتمويهنا عن قضايانا الرئيسيَّة المُلحة. ومن الطبيعي أن تضع الامبرياليَّة هذه المضامين داخل أُطر؛ ألا وهي المصطلحات، والقضايا الفكرية المفاجئة. من هذه المضامين، ومصطلحاتها الواهية، مصطلح "العدالة الانتقاليَّة"؛ التي تم فيها دمج مصطلح مقبول معنويًا لدى الشعوب العربيَّة. لو تطرَّقنا إلى المعنى اللغوي للفظ "عدالة"؛ لوجدنا فحواه نقيض للفظ "الجور"؛ وهو في الأصل مصدر "عدْل"، و"عدول"؛ وجمع "عدل"؛ والفِعل منه "عُدل"، كما في "عُدل الرجل بالضم عدالة". كما أن تعديل الشيء أي تقويمه؛ حيث يُقال: عدلته فاعتدل؛ أي: قومته فاستقام. أما لفظ "انتقاليَّة"، فإنما يدل على مرحلة تفصل بين الاستقرار، واستعادة الاستقرار، والانتقاليَّة التي تفصلهما، هي مرحلة من التغيير، وتقويم المعطيات، واسترجاع، وإقامة الوضع الصحيح. وحين دُسَّ لنا مصطلح "العدالة الانتقاليَّة"؛ وهو المصطلح الذي لم يظهر قبل عام 2011؛ أي العام الذي هبَّت على الوطن العربي الرياح التي أسموها برياح "الربيع"؛ هنا تم الدمج ما بين تقويم الأداء، المرحلة المحدَّدة للتغيير. هنا قد تم تحديد مدَّة زمنيَّة للعدالة المَرجُوَّة؛ ألا وهي الفترة الانتقاليَّة للتغيير؛ وهل يُمكن حصر مدَّة لتحقيق العدالة بشكل عام؟! وكأن هنا المقصود حيد نظر المعنيّين، والوطنيّين الحقيقيّين القائمين على العمل في هذه المرحلة - وطبعًا من خلفهم الناشطين والشعوب – عن إطار وطريقة وآليات مسارنا، في هذه المرحلة الانتقاليَّة؛ وحيد النظر هذا سيوجَّه بطريقة إنسانيَّة فطريَّة، لتعويض الفجوة في العدالة التي عانينا منه طيلة أربعة عقود بائدة. فيما ستتلخَّص هذه العدالة في القصاص، ومجرَّد الانتقام من الشخصيات البارزة التي مثَّلت الأنظمة السابقة؛ دون وعي بأن العدل والعدالة هنا تعني العمل للمستقبل قبل الاهتمام بتصفية حسابات الماضي. وحسب التعريف الذي صبغت الامبرياليَّة به المصطلح؛ فالعدالة الانتقاليَّة تعني "مجموعة التدابير القضائيَّة وغير القضائية، التي قامت بتطبيقها دول مختلفة، من أجل معالجة ما ورثته من إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائيَّة، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات". وحسب هذا التعريف؛ فإننا لن نولي نظرنا خلال المراحل الانتقاليَّة إلى الإصلاح الحقيقي في الأقطار المُتضرِّرة؛ وإنما سنكتفي بالمُلاحقة، والإصلاحات المؤسسيَّة، التي من الطبيعي أن أصحاب المصالح سيجدون البدائل لالتوائها تجاه مصالحهم. الآن؛ وبعد بداية تحرُّر إرادتنا من جديد؛ يجب على نخبتنا البائسة في غالبيتها، وناشطينا المشرذمين بين هذه النخبة، دراسة؛ بل وإعادة دراسة أي مصطلح طاريء على أدبياتنا وعقولنا؛ حماية لمستقبلنا من السلب الذي عانينا منه مرارًا.