الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة يعلن مسابقات وظائف جديدة بعدة جهات حكومية    بالصور.. مدارس جلوبال بارادايم تحتفي بالتميز الأكاديمي وتكرم طلابها المتفوقين في حفل إفطار تربوي    نقيب المحامين: ملتزمون بتوفير الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة    حكاية عبد الناصر والجندي الذي دمر دبابة للعدو!    وزير الإسكان يتفقد أعمال تطوير ورفع كفاءة الطرق بعدد من المناطق بحدائق أكتوبر    التمثيل التجارى المصرى ينسق شراكة جديدة فى مجال الصناعات الحرفية    محافظ الأقصر يستقبل رئيس هيئة المساحة لمتابعة منظومة التقنين والميكنة    رئيس الوزراء يتفقد التشغيل التجريبي لمصنع شركة القناة للسكر والاستعدادات لموسم بنجر السكر 2026 بالمنيا    نائب وزير المالية: الإصلاحات تسهم فى تحسين مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي    ارتفاع عدد شهداء قصف الاحتلال على حيي الشيخ رضوان والنصر بغزة ل14 فلسطينيا    مصر تتولى رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي    مقتل أكثر من 200 شخص في انهيار منجم شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية    مصر ترحب باتفاق وقف إطلاق النار في سوريا    السعودية تستضيف قرعة نهائيات كأس آسيا 2027    مدرب ليفربول: نعرف ما ينتظرنا أمام نيوكاسل يونايتد    أيمن أشرف يعلن اعتزال كرة القدم    انطلاق منافسات فردي الناشئين بكأس العالم لسيف المبارزة بالقاهرة    السجن 3 سنوات لعامل لاتهامه بالاتجار فى المخدرات بسوهاج    وفاة طفل إثر سقوط عارضة حديدية داخل نادٍ خاص بطنطا    الداخلية تكشف حقيقة فيديو صادم لدهس «توك توك» بلودر في كفر الشيخ    استخراج الرقم القومي ل 49 حالة إنسانية بالمستشفيات والمنازل| صور    الثلاثاء.. القومي للمسرح يحتفي بمسيرة "صاحب السعادة.. نجيب الريحاني"    «الاستشراق الجديد».. لقاء فكري موسع بمعرض الكتاب    لا تنسوا صيام الأيام البيض فى شهر شعبان.. اعرف الموعد والتفاصيل    جامعة المنوفية توقع بروتوكول تعاون مع الشركة المصرية لتجارة الأدوية    الرئيس الإيراني:يجب الاستماع لمطالب المحتجين لمنع محاولات إثارة الفتنة وتقسيم الوطن    ضبط 12 طن مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك بالشرقية    رئيس مدينة منوف يتفقد أعمال إزالة آثار حريق منافذ البيع بشارع بورسعيد    جامعة بنها تحصد 25 ميدالية في بطولة ألعاب القوى للجامعات    12 شهيدًا و49 مصابًا جراء هجمات الاحتلال على قطاع غزة منذ فجر اليوم    (راديو النيل شريك معرض الكتاب)    أستاذ علم نفس تربوي: تقمّص الطفل للسلوكيات مؤشر صحي    بالصور.. أول ظهور لمحي إسماعيل داخل دار رعاية كبار الفنانين    وزير الإسكان: طرح الأراضي غير المستغلة في حدائق أكتوبر على المستثمرين    افتتاح النسخة التاسعة من مسابقة بورسعيد الدولية لحفظ القرآن الكريم    استشهاد عدد من ضباط وأفراد شرطة غزة إثر قصف إسرائيلي في الشيخ رضوان    أكثر من 1,6 مليون خدمة طبية وعلاجية قدّمها مستشفى الرمد التخصصي ببورسعيد    ارتفاع حصيلة ضحايا الانهيارات الأرضية في إندونيسيا إلى 49 قتيلا    موعد مباراة برشلونة وإلتشي في الدوري الإسباني.. والقناة الناقلة    إخماد حريق بمنطقة خدمات بحي العريان في الفيوم    تجوز بشرط.. حكم تقسيط الزكاة طوال العام    مواقيت الصلاه اليوم السبت 31يناير 2026 بتوقيت المنيا    ضبط المتهمين بإدارة صفحة وهمية تبث أخبارًا كاذبة عن وفاة شخصيات عامة بالزقازيق    وزير الري ووزيرة البيئة الرواندية يشهدان توقيع خطة عمل لمذكرة تفاهم بين البلدين    أستاذ وباحثون بقصر العيني يشاركون بإصدار مرجعي عالمي في وسائل التهوية غير الجراحية    رئيس الوزراء يبدأ جولة تفقدية بعدد من المشروعات التنموية والخدمية بالمنيا    مرض السكري في العصر الرقمي.. كيف تُعيد تكنولوجيا الإنترنت تشكيل الوعي والعلاج؟    مواعيد مباريات اليوم السبت 31 يناير 2026 والقنوات الناقلة..«الأهلي وليفربول وبرشلونة»    الشركة المتحدة تحتفل بإطلاق مسلسلات رمضان في أوبرا العاصمة    السيسي: أطمئنكم أن الوضع الداخلي في تحسن على الصعيد الاقتصادي والسلع متوافرة    حركة القطارات| 90 دقيقة متوسط تأخيرات «بنها وبورسعيد».. السبت 31 يناير 2026    نادر هلال يقدم رؤية إنسانية جديدة في معرض «كاريزما»    حكم حضور «الحائض» عقد قران في المسجد    بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر إفريقيا يزور رئيس جمهورية بنما    هادي رياض: حققت حلم الطفولة بالانضمام للأهلي.. ورفضت التفكير في أي عروض أخرى    الخارجية الأمريكية توافق على صفقة محتملة لبيع طائرات أباتشي لإسرائيل مقابل 3.8 مليار دولار    أطباء مؤسسة مجدي يعقوب يكشفون أسرار التميز: ابتكارات جراحية عالمية تنطلق من أسوان    جراح القلب العالمي مجدي يعقوب: الابتكار روح المستشفيات وأسوان نموذج عالمي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هاني عياد: «قانون الحرابة».. هروب من أزمات الوطن إلى تقنين «جرائم ضد الإنسانية»
نشر في البديل يوم 16 - 03 - 2012

لو كانت قد قدر لوقائع فضيحة النائب السلفي أنور البلكيمى أن تأخذ منحى أخر، وتبقى طي الكتمان، محفوظة وراء ستائر السرية، أو بالأحرى ستائر الخداع، لربما كان النائب ذاته هو بطل معركة «تطبيق الشريعة» و«الحكم بما أنزل الله» الدائرة الآن تحت قبة البرلمان.
لكن قدر الله وما شاء فعل، وخرج النائب السلفي من البرلمان بفضيحة مدوية، دون أن يكون بوسع أحد أن يعرف كم « بلكيمى » مازال هناك تحت القبة، مستترا بلحية، صارخا في وجوهنا «الحكم بما أنزل الله».
وعندما تبدأ وقائع «معركة» تطبيق الشريعة، فالسؤال الأول الذي يتعين على النواب الإسلاميين مواجهته (ومعهم أحزابهم وجماعاتهم الخارجة على القانون) هو هل يجوز إخضاع «شريعة الله» لإرادة الناس؟ قانون الحرابة، باكورة قوانين الشريعة، معروض الآن للمناقشة فى البرلمان، الذي من حقه أن يوافق عليه أو يرفضه، فهل هذا يليق باسم الله وشريعته؟ هل يليق أن نجعل ما ندعى أنه «حكم الله» رهنا بإرادة الناس؟
هنا على وجه الدقة يتجلى مأزق المتأسلمين، الذين يصرون على الهبوط بالمقدس الثابت إلى مستوى النسبى المتغير، فيجعلون من كلمة الله موضوعا للمناقشة، ومحلا للقبول أو الرفض، بصرف النظر عما إذا كان بمقدور أغلبيتهم البرلمانية، بمن فيها من «بلاكمة» مستترين، أن تحسم المناقشات فى اتجاه معين.
السؤال ذاته، هل يليق أن نجعل ما يدعى هؤلاء أنه «حكم الله» رهنا بحكم الناس، يكشف –أيضا- بعض معالم انتهازية هؤلاء، حيث اعتمدوا مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، فأخذوا من «الديمقراطية والانتخابات» وسيلة للوصول إلى السلطة، وعدما تستقر الأمور لهم، لن يعود هناك مكان لا للديمقراطية ولا للانتخابات، فشرع الله (كما يراه أخوة وزملاء البلكيمى) لا يحتمل ولا يقبل أن يكون رهنا لإرادة الناس، بل يجب تطبيقه بالقوة والفرض، عندها لن يكون هناك مكان لديمقراطية ولا انتخابات، فالحاكم (الذي جاء بالانتخاب) سوف يصبح ظل الله على الأرض، والخروج عليه محض فتنة، وطاعة الحاكم من طاعة الله، حتى لو كان أشد استبدادا وأكثر فسادا من الرئيس المخلوع.
لكن طالما أخذنا المتأسلمون إلى هذه النقطة، فلا مفر من مواجهتها، والتعامل معها.
كل الأديان، التى عرفها البشر، والقيم والمبادئ الإنسانية، وحقوق الإنسان، التى كرستها الأديان وأضفت عليها درجة ما من القداسة، تحرم تماما التمثيل بالموتى، وتصل إلى حد تجريم هذا الفعل الشائن باعتباره جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، فإذا بالمتأسلمين فى مطلع الألفية الثالثة، يقدمون لنا تشريعا يقنن التمثيل بالأحياء!! بحجة تغليظ العقوبة، رغم أن تشويه البشر والتمثيل بهم، ليس تغليظا للعقوبة بل تنكيل بالناس.
ولئن امتد الخط على استقامته، فربما يفاجئنا المتأسلمون بقانون إعادة الرق، ليس فقط لأن النصوص واضحة وقاطعة فيما يتعلق بالجوارى «ما ملكت إيمانكم»، لكن أيضا لأن الله منح الإنسان حق الاختيار في التكفير عن أثم ما ارتكبه، ومن بين تلك الخيارات «إعتاق (كذا) رقبة»، وعندها سوف تظهر لنا فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان تتحدث عن «الرق الشرعى» و«الرق غير الشرعى».
كنت أفكر فى مناشدة السادة أعضاء «برلمان ما بعد الثورة» لتشريع قوانين تحرم الاتجار فى التعليم والصحة، فلا يجوز لكل من «معه قرشين» أن يستثمر أمواله فى بيع العلم، ولا يحق لكل من استيقظ ذات صباح ليجد لديه ثروة، يعلم الله وحده من أين جاءت له وكيف حصل عليها، أن يبحث عن المجال الأكثر ربحا، وما إذا كان الأجدى له أن يفتح محلا فى وكالة البلح، أم أن يبنى مستشفى استثماريا بخدمة فندقية «خمس نجوم»، لكن برلمان «البلاكمة» يعيدنا إلى الوراء قرونا وقرون، لتصبح الأولوية هى الحيلولة دون تحويل مصر إلى مجزر كل مهماته تقطيع الأيدى والأرجل وصلب البشر، والتصدى للاتجار فى البشر بالمعنى المباشر والصادم للكلمة.
يعرف فقهاء الدين (الذين تخرجوا فى كليات دينية علمية، وليس هؤلاء الذين تخرجوا من بلاد الجاز) أن تفسير النص يرتبط حتما بالسياق التاريخى وأسباب التنزيل والظروف التاريخية، وأن هناك أحكاما نزلت لأهل شبه الجزيرة العربية وحدهم، مثل تحريم وأد البنات، الذى لم يكن معروفا إلا بين بعض قبائل شبه الجزيرة، بينما كانت هناك ملكات نساء يحكمن بلدان الجوار (ملكة سبأ فى اليمن، وملكات يحكمن فى مصر)، كما يعرف الجميع أن الدين حمَّال أوجه (حسب على بن أبى طالب)، وهو يسر لا عسر (حسب نصوص دينية كثيرة)، لكن لا أحد يعرف لماذا ينحى المتأسلمون المصريون منحى التشدد، فلا يأخذون من الدين إلا الصلب وقطع الأيدى والأرجل؟ (الأدهى أنهم يتهمون الآخرين بالإساءة للإسلام!!!)، إلا إذا كان ذلك سبيلهم للهروب من مواجهة المشاكل والأزمات الحقيقية التي تعانى منها مصر.
الحكم بما «أنزل الله» هو الحكم بالعدل والمساواة، فالله ينصر الدولة العادلة حتى ولو كانت كافرة، ولا يقبل بالدولة الظالمة حتى ولو وكانت مسلمة (تشرع من القوانين ما يؤدى إلى التمثيل بالأحياء، وتترك «رجال الأعمال» ينهبون ملايين الدولارات من التجارة فى العلم والصحة، ويرفع نواب الشعب الآذان فى قاعة البرلمان)، وشرع الله حيثما كانت مصلحة الناس، وليس العكس.
أما فقهاء العصر الوهابى العائدون إلينا بدولارات النفط وثقافة الصحراء، فلا يستطيع أيا منهم أن يدلنا على نموذج واحد من بين بلدان «الحكم بما أنزل الله» قضت على الجريمة بقطع الأيدى والأرجل، وجلد المرأة التى ترتدى البنطلون وتحريم قيادة السيارات على النساء، فكل تلك النماذج مازالت تعانى من انتشار الجريمة، ومازالت غارقة فى التخلف.
«بلاكمة» هذا الزمان يهربون من مواجهة أزمات ومشاكل الوطن الحقيقية بالبحث عن «تشديد العقوبات»، ولا تشديد إلا التمثيل بالبشر الأحياء، وتقنين «جرائم ضد الإنسانية»، وإلا فليقل لنا أي منهم، ماذا سيفعل «قانون الحرابة» مع واقع التعليم المتردى، وكيف سيواجه مشكلة «الدروس الخصوصية»؟ وما هى العلاقة بين «قانون الحرابة» وانهيار الخدمات الصحية، وهل يمكن أن يضمن علاجا أدميا لملايين المرضى، على الأقل وحتى يكف «فرسان العصر» عن الذهاب إلى أوربا وأمريكا لتلقى العلاج هناك؟؟. وأين يقع الآلاف من أطفال الشوارع المشردين فى القانون المذكور؟ ثم ليقل لنا «بلاكمة» هذا الزمان ما هى «القوانين الشرعية» الكفيلة بإصلاح أوضاع البحث العلمى، حتى نكف عن استيراد كل احتياجاتنا، من الإبرة حتى الصاروخ، بما فى ذلك السجادة التى يصلون عليها، من «فسطاط الكفر»؟
ويا أيها «البلاكمة»، كفوا عن هذا العبث، فليس ثمة متسع للهروب من مواجهة المشاكل والأزمات الحقيقية، وتذكروا أن الله لا ينصر الدولة الظالمة، حتى لو رفع نوابها الآذان فى قاعة البرلمان.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.