اليوم هو الأخير في جولة جنيف السابعة، دون إحراز أي تقدم يذكر، خاصة بعد فشل مساعي توحيد وفود منصات المعارضة السورية الثلاث في وفد واحد، تمهيدًا للحوار المباشر في الجولة المقبلة. لماذا فشل مؤتمر جنيف؟ كعادة مؤتمرات جنيف السابقة، وتكرارًا للكلام ذاته لا جدول أعمال محددًا بيد المبعوث الأممي، استيفان دي ميستورا، ليعرضه على الأطراف السورية. حوار الأيام الأربعة من جنيف 7 دار في دائرة مفرغة، فمع وفد الحكومة السورية ناقش الفريق الأممي ملف مكافحة الإرهاب، وهو الملف ذو الأولوية بالنسبة لهذا الوفد، ومع وفد الهيئة العليا للمفاوضات المعارض، والمعروف بمنصة الرياض، تمت مناقشة ملف الانتقال السياسي، وخليط من السلات الأربعة مع منصتي موسكو والقاهرة المعارضتين. ويرجع فشل دي ميستورا في جمع الوفود المعارضة لاختلاف وجهة نظره مع روسيا، حيث ترى أن الجولة المقبلة في حال التوافق عليها يجب أن تكون مباشرة، وهذا ما أبلغه الجانب الروسي لمجموعة العمل الدولية الراعية للحل في سوريا. أما المبعوث الأممي فيرى أن الحوار المباشر نتيجة لإرادة الجميع، ولا يأتي فردًا، حيث قال "لم أدفع باتجاه المفاوضات المباشرة، لأننا عندما نصل إليها، يجب أن تكون عن قناعة الأطراف المشاركين في كل الحالات. لم أتوقع أن يحصل الحوار في هذه الجولة، ونحن الآن نركز على القواسم المشتركة بين الأطراف". المفاوضات المباشرة في الجولة المقبلة أصبحت حديث الجميع في جنيف، ولكن كل طرف يرى هذه المفاوضات من ضمن رؤيته الخاصة للحل السياسي. ويقول أحمد رمضان، عضو الهيئة العليا للمفاوضات "تجري الآن مشاورات من أجل أن تتحول الجولة القادمة إلى مفاوضات مباشرة، وأن يكون هناك جدول أعمال مسبق، ويتعلق بالمفاوضات السياسية تحديدًا، وسيكون التفرغ في الجولة القادمة بشكل مباشر لملف الانتقال السياسي بكل تفاصيله". فيما قال محمد دليقان، رئيس وفد منصة موسكو "الإشارات السياسية الواضحة جدًّا مع بداية الجولة هي فكرة اقتراب المعارضة من التوافق ببرامجها، للوصول لطريقة لتفسير 2254، تسمح بمفاوضات مباشرة لحل الأزمة السورية". الأوساط الأممية أصيبت بخيبة أمل من هذه الجولة، وأوساط المشاركين من الوفود المختلفة تقول صراحة إن جنيف 7 كان مضيعة للوقت، والبعض يتهم دي ميستورا بأنه أخطأ في التحضير لهذه الجولة. عمليًّا انتهت الجولة وكأنها لم تكن، فلا جديد في النقاش السياسي، ولا في مساعي تشكيل وفد واحد للمعارضة، ولا في الحديث عن حوار مباشر في جنيف 8، والذي سيبقى رهن ما ستخرج به لقاءات آستانة المقبلة. الفشل المتلاحق لجنيف بدأ يطرح تساؤلات حقيقية عن قدرة الأممالمتحدة على حل الأزمة السورية، فالأممالمتحدة لم تستطع حل القضية الفلسطينية ولا الأزمة في ليبيا والعراق وحتى قبرص، ويبدو أن جنيف 7 خفضت كثيرًا من سقف التوقعات العالية في الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيرس، ولكي تثبت الأيام أن جوتيرس لا يختلف عن سلفه بان كي مون في إدارة ملفات الأزمة السورية، وأن الأممالمتحدة عاجزة عن تقديم أي حلول للأزمات العالمية، في ظل تحكم دول عظمى في مساراتها وقرارتها، فالأممالمتحدة ما زالت تنتظر اتفاقًا بين روسيا والولايات المتحدةالأمريكية حول الأزمة في سوريا. ويرى مراقبون أن الطريقة التي تسير وفقها مفاوضات جنيف لا يمكن في الأساس أن تصل إلى نتائج، فجنيف عاجزة حتى الآن عن توحيد المنصات الثلاثة المعارضة السورية، وبالتالي كيف ستستطيع إقناع أطراف المعارضة السورية بقبول تسوية، تجبر من خلالها هذه المعارضة على العمل مستقبلًا في حكومة واحدة، تضم عناصر من النظام السوري والجيش السوري والأنظمة الأمنية والاستخبارية السورية، فالمعارضة غير متعاونة فيما بينها، فكيف ستتعاون مع الحكومة السورية لتشكيل حكومة تدير أزمات سوريا؟ وأرجع مراقبون حالة التيه في جنيف 7 إلى ثلاثة أسباب، وهي: الأزمة المحيطة بقطر، والتي لم تكن تخطر على بال المعارضين السوريين، وأدت وفقًا لما يصدر من تصريحات عن أقطاب الهيئة العليا للمفاوضات إلى تصدع صفها، لاختلاف ولائها بين تيار مؤيد لقطر، وآخر يدعم فريق المقاطعة، بدليل تخلي بعض أقطاب الهيئة عن الرفض المطلق لأي دور لمنصتي موسكو والقاهرة في التسوية، بحجة "انحيازهما المبطن للنظام". السبب الثاني لقاء الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب على هامش قمة ال"20″ الأخيرة في هامبورغ، واتفاقهما المفاجئ على وقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا، وقبول واشنطن بالواقع، وموافقتها في سوريا على شروط موسكو الماضية في استراتيجيتها مع أنقرة وطهران. والثالث هو الهزيمة المدوية ل"داعش" في الموصل، وتضييق الخناق عليه في الرقة، ما يستعجل السوريين وأصدقاءهم في التسوية، فبسقوط "داعش" ستزول عقبة دون وقف إطلاق النار النهائي، ما سيسهم في غربلة الزمر المسلحة التي ترعرعت في كنفه، وغازلت في آن واحد المعارضة السورية وحلفاءها، إذ صارت هذه الزمر تسعى هي الأخرى إلى النأي بنفسها عن "داعش"، بل تجاهر بقتاله لحاقًا بركب التسوية.