شكَّل تنظيم هيئة تحرير الشام الإرهابي «جبهة النصرة» بمحافظة القنيطرة السورية غرفة عمليات أطلق عليها «جيش محمد» وضمت عددًا من الفصائل الإرهابية الأصغر؛ كجبهة ثوار سوريا والمجلس العسكري الثوري في القنيطرة والجولان وألوية سيف الشام وجبهة أنصار الإسلام وفصائل متفرقة من الجيش السوري الحر وتحالف قوات الجنوب الجبهة الجنوبية، وشنت القوات المشتركة للإرهابيين هجومًا عنيفًا استهدف من حيث المبتدأ السيطرة على مدينة البعث ثم الوصول إلى الريف الغربي للعاصمة دمشق المحازي لمحافظة القنيطرة، التي يتقاسم السيطرة عليها قوى ثلاث؛ الدولة السورية والجيش العربي السوري والفصائل الإرهابية والكيان الصهيوني وجيش عدوانه المحتل مرتفعات الجولان السورية، تقع مساحة سيطرة الفصائل بالمحافظة بين مساحتي الطرفين الآخرين الجيش السوري والجيش الصهيوني، وأطلقت تلك الفصائل للمعركة عنوان وشعار هو "ما لنا غيرك يا الله". وشهدت وقائع المعركة الطاحنة دعمًا أساسيًّا على الأرض لتلك الفصائل، يختلف تمامًا عن الدعم الإلهي، فبعد أن شنت الفصائل هجومًا من محاور ثلاثة على مدينة البعث بدا كاسحًا للوهلة الأولى واستطاع الجيش العربي السوري صده، شن طيران جيش الاحتلال الصهيوني غارات على مواقع للجيش السوري في منطقة الاشتباك، أي مدينة البعث، استهدفت نقاطًا للمدفعية والمدرعات وشحنات للذخائر، بزعم سقوط قذائف سورية على الجزء المحتل صهيونيًّا من هضبة الجولان السورية، وهي الذريعة الواهية التي طالما يستند جيش الاحتلال إليها في عدوانه المتكرر على مواقع الجيش السوري في مواجهات الأخير مع الفصائل الإرهابية، فضلًا عن علاج دولة الاحتلال مصابي الفصائل الإرهابية من ريف القنيطرة في مستشفياتها بالداخل الفلسطيني المحتل بشكل مُعلن. ليست تلك هي الغارة الأولى التي تُشَن صهيونيًّا على الجيش السوري أثناء مواجهته للفصائل الإرهابية المسلحة في ريف القنيطرة إذن، ولم يبذل الطرف الصهيوني جهدًا لادعاء حجة جديدة غير سقوط «مقذوف» على الجولان من الجانب السوري، الذي تنتشر على طوله الفصائل الإرهابية بكامل السلاح والعتاد أمام أعين جيش الاحتلال الذي يعالج جرحاها، ويوفر لها الإمدادات علانية، ولم تكد الغارات الصهيونية المتوالية تنتهي حتى شرعت الفصائل في القيام بموجة ثانية من الهجوم على مدينة البعث، مستغلة ما حدث من ارتباك في صفوف دفاعات وتحصينات الجيش السوري تحت وقْع الغارات الجوية التي أدت إلى استشهاد عدد من العناصر السورية، وكما فشلت الموجة الأولى في تحقيق أي تقدم لها أو كسر لدفاعات الجيش السوري فشلت الموجة الهجومية الثانية للفصائل، وتكرر فشل الموجات المتتالية مع تكرار القصف الصهيوني لثلاثة أيام بنفس الذريعة الواهنة المُعلنة، وبنفس التوازي المألوف مع تحركات وهجمات الفصائل الإرهابية على الأرض. ولم يُخفِ قادة دولة الاحتلال وجيشها قلقهم طوال العامين الماضيين من الانتصارات السورية المتوالية على الأرض، وحملت تصريحات بعضهم تعبيرًا مباشرًا عن خطورة صمود الجيش السوري أو تعاظم قوته على الأرض على مصالح الكيان الصهيوني، ومن هنا يوفر الطيران الحربي الصهيوني ما تفتقده الفصائل الإرهابية المسلحة في الجنوب السوري من سلاح للطيران، افتقادًا يعطي للسوريين عامل تفوق نسبي رغم محدودية استخدام الطيران الحربي السوري لدعم العمليات السورية على الأرض في تلك المنطقة بالغة الحساسية، والحقيقة أن الغطاء الجوي الصهيوني للفصائل الإرهابية بوجه عام لم يقتصر على منطقة ريف القنيطرة المحاذي للجولان السوري المحتل، بل قصف سلاح الجو الصهيوني في مارس الماضي مواقع للجيش السوري في محيط تدمر بريف حمص الشرقي، في العمق السوري البعيد عن الجولان المحتل، بالتوازي مع عمليات موسّعة كان يقيمها الجيش لطرد داعش من المنطقة، أسفرت وقتها عن إسقاط طائرة صهيونية في الأردن، طاردتها الصواريخ السورية خلال عودتها من الغارة. من ناحيتها، تستهدف الفصائل بغرفة العمليات الجديدة التي أقامها «جيش محمد» وبالهجوم المنكسر حتى الآن، تخفيف الضغط على الفصائل الأخرى العاملة في محافظة درعا المجاورة، والتي تتعرض لضغط عسكري سوري كبير في الآونة الأخيرة، يستهدف سيطرة الدولة السورية على كامل المنفذ الحدودي مع الأردن ومحيطه، كما يبدو واضحًا اتجاه مختلف الفصائل الصغيرة في القنيطرة والشريط الحدودي السوري المحاذي لهضبة الجولان نحو الانضواء تحت جبهة النصرة، التي رغم تصنيفها غربيًّا منظمة إرهابية لم تزل تتمتع بتنسيق على أعلى مستوى مع الكيان الصهيوني وعلاقات جيدة مع النظام القطري، الذي كان لسنوات خلال الحرب السورية أحد أبرز داعميها، يشير اتجاه الفصائل الصغيرة نحو التكتل مع النصرة إلى خطر حقيقي يهدد وجود جميع الفصائل في الجنوب السوري بصفة عامة، بعد أن كفلت الانتصارات السورية في الوسط والشمال «حمص وريف دمشق وجنوب شرق حلب وجنوب الرقة» تركيز القدرات العسكرية السورية على التركيز في جبهة الجنوب، التي تُعد أحد المعاني الأكثر تعقيدًا من باقي الجبهات نظرًا لمحاذاتها على الأرض للدولة الأردنية، وما يتمركز في شمالها من قوات أمريكية وغرفة عمليات مجهزة وقديمة للفصائل الإرهابية في الجنوب السوري «غرفة عمليات الموك» بقيادة المخابرات الأمريكية علنًا، ومحاذاتها للقطاع المحتل صهيونيًّا من الجولان السوري، وما ينتج عن ذلك من دعم للفصائل لا تنكره القيادة الصهيونية بل يوثقها إعلامها بالصوت والصورة. في هذا السياق لا يمكن فصل تلك الغارات الصهيونية عن سقوط مشروع البادية السورية الأمريكي الذي استهدف السيطرة على القطاع الشرقي الجنوبي من سوريا، فإذا بالقوات الأمريكيةوالأردنية والبريطانية والمَحَلية السورية القائمة به تنحصر في مساحة محدودة من الصحراء، دون قدرة منها على مواجهة حاسمة مع الجيش السوري، ولا على إيقاف تقدمه ضد داعش وضدها في الوقت ذاته، فلم تثمر التدريبات الأمريكية لبعض الفصائل الجديدة وتسليحها عن فائدة أو مردود عملي سوى تمركزات متناثرة في صحراء ملتهبة الحرارة، لم تمتلك القدرة على تحرك عسكري جاد يهدد السيطرة السورية على محافظة ريف دمشق أو السويداء، أو يكبح التقدم السوري في حمص المتجه إلى دير الزور لتحريرها واستكمال السيطرة على الحدود مع العراق، من ناحية أخرى. ومن الواضح أن الفصائل العاملة في محافظة درعا أقصى الجنوب، والمجاورة للقنيطرة والسويداء، لم تعد تستطيع الحفاظ على مواقعها في البوابة الجنوبية الرئيسية لسوريا، تحت ضربات الجيش السوري وعمليته الواسعة الأخيرة في المحافظة، إلى حد سمح لبعض قادة الفصائل بفتح قناة اتصال مع القيادة العسكرية السورية للدخو ل في مشروع للمصالحة وإلقاء السلاح، عملًا بنموذج المصالحات والانسحاب الذي توفره الدولة السورية لمن يرغب فيه من الفصائل التي تنخفض معنوياتها بشكل حاد مؤخرًا، ولا ينجح الدعم الإقليمي والدولي لها في تحسين موقفها العسكري على الأرض تحت ضربات مدروسة ومتوالية للجيش السوري وحلفائه.