في الأساطير اليونانية القديمة أراد سفتوس وكان حارساً لمعبد أحد الآلهة الأربعة الكبار (زوس، هيرا، مارس، أثينا) أن يتدرّب على كلمة "لا". كانت الكلمة ذات الحروف القليلة (بالنظر إلى أنها كانت لاتينية وتعنى الرفض) تمثّل "المحرم" المطلق. حاولت الآلهة بشتى الوسائل أن تثنيه عن الأمر، حاولت بالترغيب تارةً وبالترهيب تارةً أخرى. لم يثنِ ضغط الآلهة والذين انضم إليهم لاحقاً مئاتٌ من مريديهم ومؤيديهم عزم سفتوس، بل صمم على قول الكلمة المقلقة لأصحاب السلطة. وفي لحظة مصيرية، نطق الرجل الكلمة التي باتت جزءاً أساسياً من اختيارات الإنسان الحر: لا؛ لايهم ما جرى بعد ذلك، أو ماذا حل بسفتوس، ما يهم هو أنّه غير تاريخ الشعب الإغريقي بأكمله، ومهد للحرية -كما للفكر الحر- بحسب الأساطير الإغريقية. اليوم، يخوض الأسرى الفلسطينيون إضرابهم عن الطعام بوجه نظامٍ عسكري عنصريٍ قاتل يسمّي -ظلماً وبهتاناً- نفسه بدولة. الجيش القابع احتلالاً أرضاً لايملكها إلا بالقوة والعنف، يدّعي أنه يمتلك الحق، كما القانون الذي يجعله مسوغاً بالولاية على هذه الأرض، كما على هذا الشعب. أضرب الأسرى عن الطعام والشراب (ما عدا الماء والملح لظروفٍ تتعلق بالصمود، ذلك أن الملح يمنع الأعضاء الداخلية من التعفن). هؤلاء الأسرى، الذين هم لربما الوحيدون (مع استثناءاتٍ قليلةٍ للغاية يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة) الذين يقبعون في زنزانات "محتليهم" إذ ليس هناك من دولٍ محتلةٍ (أيضاً مع استثناء بعض الجزر هنا وهناك والتي تخضع لاتفاقات دولية كثيرة)، أي أنه عملياً تبقى فلسطين وحدها الدولة الوحيدة التي تمتلك شعباً ومحتلةً بشكلٍ كاملٍ ورسمي على مرأى من العالم أجمع. هذا الأمر الذي لا يتنبّه إليه كثيرون هو أشبه بأحجيةٍ قانونية فضلاً عن كونه أقرب إلى اللغز الذي لا تفسير علمي له. كيف يمكن لأرضٍ عليه شعبٌ بأوراق رسمية(مثلاً: هناك حجج أراضٍ فلسطينية/بريطانية تثبت ملكية فلسطينين لأراضٍ محتلةٍ ترفض محاكم الإحتلال "الرسمية" –كما العالمية- الإعتراف بها)، أن يتم احتلاله بهذا الشكل وفي عصرنا الحالي(ولسنا نتحدث هنا عن مئات السنوات، بل إن الأمر لم يتعدى الثمانين عاماً). باختصار، ليس هناك من قضيةٍ –في عصرنا- شبيهةٌ بالقضية الفلسطينية، لا من ناحية الحق، ولا من ناحية المنطق، ولا حتى من ناحية كمية الظلم المفرغ عليها. يخوض الأسرى إذاً إضرابهم عن الطعام، وهم مصممون على انتزاع حقوقٍ هي "بديهيةٌ" إذا ما نظرنا إليها في أي سجنٍ موجود في العالم. لا يطلب الأسرى حقوقاً كتلك المعطاة للسجناء في السويد أو في أيٍ من الدول الإسكندنافية، بل إن حتى ما يطلبونه يعتبر أقل من ذلك الموجود في دول العالم الثالث، إذ يريدون مثلاً أن يقابلوا عائلاتهم ليأخذوا معهم صوراً تذكارية مرة كل عام، بدل من مرة "طوال العمر"(كما يحدث حالياً). يطالبون بأن يلمسوا أطفالهم أكثر من خمس دقائق –كما يحدث الآن-، يطالبون بارتداء ثيابٍ مختلفة بدلاً من "الشاباص"(زي السجن الصهيوني الموحّد). كل هذه المطالب وغيرها ليست أمراً مستحيلاً أو من النوع الذي لا يستطيع السجان الصهيوني تطبيقه، إنه لا ينفذ هذه المطالب لأنه يريد "كسر" إرادة هؤلاء الأبطال، يعتقد أنه كلّما ضيّق عليهم الخناق، سهّل عليه كسرهم، مع أن التجربة خلال السنوات الطوال لربما أثبتت له أن هؤلاء الأسرى لطالما كانوا عماد الحركات المقاومة، إذ خرج الأسرى من سجون الإحتلال مقاومين أشداء، حتى إنه ليشار بأنَّ معظم قادة المقاومة على الأرض (المقاتلين وليس القاعدين) هم من الأسرى المحررين. يضاف إلى هذا العدد الهائل من الشهداء والجرحى من الأسرى؛ باختصار يخرّج المعتقل رجالاً يقاومون الصهيوني بشدةٍ وبأس أكثر. لا يعرف كثيرون عن عذابات هؤلاء الأسرى، لا قنوات تحكي قصصهم، لا برامج تلفزيونية تتناول قضاياهم وأحداثهم، باختصار: لا تقع قضية الأسرى والأسر ضمن دائرة اهتمام الإعلام اللهم إلا حينما يستشهد أحدهم، أو يحدث أمرٌ جلل كالإضراب الدائر اليوم، وما أن ينتهي حتى يعود التغييب والغياب إلى الواجهة من جديد. لايعرف كثيرون بأنَّ ال1500 أسير الصائمين عن الطعام اليوم(والسبعة آلاف كمجموع من ضمنهم 300 أسير قاصر/طفل والعشرات من الأسيرات) لايخوضون معركةً عادية، إذ مثلاً يكفي معرفة أنه بعد 15 يوماً من الإضراب تتوقف أمعائك عن العمل، بمعنى أنَّ كثيراً من هؤلاء المضربين قد يحتاجون لعملياتٍ جراحية لإعادة فتح أمعائهم كي يتمكنوا لاحقاً –بعد فكّهم للإضراب- للأكل بشكلٍ عادي. ليس معروفاً لكثيرين أنَّهم قد يقضون أشهراً طوالاً غير قادرين على أكل اللحوم –على أنواعها- لأن أجسادهم لا تستطيع تذويبها، أضف إلى ذلك إن عضلات الفك والمعدة وسائر عضلات الجهاز الهضمي تضمر، وضمور العضلات الداخلية أمرٌ "مخيف" بكل ما تحويه كلمة مخيفٍ من معنى. طبعاً كل هذا ناهيك عن الأثر المؤذي على المدى الأطول على الأعضاء الداخلية في الجسم كالكبد والكلى والقلب. إن ما يخوضه الأسرى اليوم هو أقرب إلى استشهادٍ على مراحل، مقاومةٌ من طرازٍ رفيع، هو تحد العين للمخرز. في الختام، ولا إطالة في المقال ههنا: إن الأسرى يقولون "لا" بوجه آلة حربٍ قاتلة؛ بأجسادهم العارية يقاتلون، ولاريب أنّهم سينتصرون، لأنه في النهاية لا بديل عن النصر. هم لايطلبون منّة من أحد، كما لايطلبون عوناً كذلك: لا جيوشاً تتحرك، لا معتصماً يجيب، لا صواريخ تضرب، لا مواقف رسمية تشجب/تندد وتستنكر حتّى. هم فقط يعملون بصمتهم كي ينتصروا، فالحكمة تقول لا يمكن لأحد أن يهزمك، طالما أن روحك سلاح.