حل رئيس إقليم كردستان، ورجل تركيا الأول في العراق، مسعود بارزاني، ضيفًا على أنقرة، الأحد الماضي، في زيارة استمرت يومين، وتعد الثانية خلال أقل من ستة أشهر، وتأتي في إطار جولة كردستانية بدأها زعيم الإقليم في 16 فبراير الجاري، شملت المشاركة في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن، قبل التوجه إلى قصر الإليزيه في باريس للقاء الرئيس فرنسوا هولاند، في جولة وصفها العديد من المراقبين بأنها "محاولة للبحث عن الدولة الكردستانية". بحث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس إقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني، العلاقات الاقتصادية بين تركيا والإقليم، وعملية تحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش، وذكر بيان صادر عن مكتب بارزاني في أربيل، أن أردوغان استقبله في قصر "مابين" باسطنبول، وأن الجانبين بحثا التطورات السياسية في المنطقة، وفي مقدمتها سوريا، وكذلك نتائج زيارة رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، الأخيرة للإقليم. وأوضح البيان أن الجانبين تناولا التطورات السياسية في سوريا، ومفاوضات جنيف المستمرة، وانعكاس تغيير الموازين الدولية على المنطقة والعلاقات بين تركيا والإقليم، وأشار إلى أن الجانبين بحثا أيضًا تحرير مدينة الموصل بمحافظة نينوى من تنظيم داعش الإرهابي، وخلال اللقاء جدد أردوغان دعمه للإقليم الكردستاني فيما يخص الحرب على "داعش"، كما حضر اللقاء وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، صهر أردوغان، براءات البيرق، ورئيس جهاز المخابرات التركية، حقان فيدان، ومساعد وزير الخارجية التركي، أحمد يلماز. حضور البيرق، المكلف بإجراء صفقات النفط مع حكومة إقليم كردستان، وفيدان، رئيس المخابرات المكلف بملف حزب العمال الكردستاني، اللقاءات مع بارزاني، رأى فيه مراقبون تأكيدا على مناقشة الأطراف المجتمعة لقضيتي محاربة تركيا لحزب العمال الكردستاني، وتبادل النفط بين الطرفين، وانفصال الإقليم عن العراق. من جانبه، وصف بارزاني، مباحثاته مع أردوغان، بأنها "جيدة جدًا، ونحن راضون جدًا"، مضيفًا أنه كان هناك تفاهم جيد خلال الاجتماعات، وبالطبع جرت مناقشة الأوضاع الأمنية والاقتصادية ومعركة الموصل والحرب على الإرهاب بشكل عام، ومرحلة ما بعد عملية الموصل. في الوقت الذي التزمت فيه الحكومة العراقية الصمت حيال الزيارة المثيرة للجدل، خرجت جبهة الإصلاح النيابية لتنتقدها، وتصفها بأنها تآمر على العراق، حيث قال عضو الجبهة، إسنكدر وتوت، إن أمور خطيرة دارت خلال اجتماع بارزاني مع أردوغان، واصفًا اللقاء بأنه "تنسيق التآمر على العراق"، وأضاف أن اللقاء دار فيه الكثير من الأمور الخطيرة أبرزها تقسيم نينوى، وأعرب وتوت عن تأييده لاستقلال إقليم كردستان شريطة الرجوع إلى حدود ما قبل التاسع من إبريل عام 2003. الزيارات المتكررة بين الطرفين "الكردستاني والتركي"، تأتي في إطار محاولات أنقرة الضغط على العراق واستفزازها في الوقت الذي تتوتر فيه العلاقات بين الطرفين منذ أشهر، على خلفية نشر قوات عسكرية تركية في معسكر بعشيقة الواقع قرب الموصل في مطلع ديسمبر الماضي، الأمر الذي سبب خلافا دبلوماسيا بين بغدادوأنقرة، حيث ادعت الأخيرة أن مهام قواتها هناك تدريبية وليست قتالية، فيما تقدمت العراق بشكوى إلى مجلس الأمن، طالبت فيها بسحب فوري وغير مشروط للقوات التركية من أراضيها، واصفة التدخل العسكري التركي بالانتهاك الفاضح للقانون الدولي. ورأى مراقبون في تعزيز أنقرة لعلاقاتها مع رئيس إقليم كردستان العراق محاولة لاستغلاله في العديد من الأدوار التي يمكن أن يلعبها، أولها، توصيل رسالة سياسية للأكراد بأن تركيا تعمل ضد حزب العمال الكردستاني، وليست ضد الأكراد كلهم، ما ظهر في دعوة رئيس بارزاني، لأردوغان، إلى إطلاق سراح زعيم حزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين ديمرتاش، وبقية النواب الأكراد المعقتلين، الأمر الذي قد يفيد أردوغان كثيرًا في الساحة السياسية، خاصة أنه على أبواب استفتاء شعبي يحاول من خلاله تمرير مشروع قانون يحوّل النظام من برلماني إلى رئاسي، ويبحث عن حشد جميع القوى السياسية التركية بما فيهم الأكراد، وفي مقابل ذلك، تعمل تركيا على منح الزعيم الكردي، مسعود بارزاني، شعور الاعتراف التركي بالإقليم، ومعاملته كرئيس جمهورية. اللافت في الزيارة، سعي أنقرة إلى إيصال رسالة زعامة لبارزاني؛ من خلال رفع علم الإقليم لأول مرة إلى جانب علمي تركياوالعراق، لدى وصول الزعيم الكردي إلى قاعة التشريفات في مطار أتاتورك باسطنبول، كما قصد مصورو قصر "مابين" في اسطنبول، الذي شهد عشاء تاريخي بين الرئيس أردوغان وبارزاني، وضمّ وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، براءات البيرق، ورئيس جهاز المخابرات التركية، حقان فيدان، ومساعد وزير الخارجية التركي، أحمد يلماز، إظهار قائمة الطعام مكتوبة باللغتين التركية والكردية، ما أشعر بارزاني كأنه رئيسًا لدولة مستقلة عن بغداد في الدبلوماسية والسياسة الخارجية. ورغم الزيارات الودية والتصريحات الدافئة بين الطرفين، إلا أن العديد من السياسيين رأوا أن العلاقات بين الطرفين لاتزال تفتقد للثقة، فهي علاقات مصالح بحته، حيث تحتاج تركيا للإقليم وزعيمه وحزبه "الديمقراطي الكردستاني" في حربها على الحزب الكردي"العمال الكردستاني"، الذي تعتبره أنقرة تنظيمًا إرهابيًا، كما تحتاج إلى النفط الذي يتمتع به الإقليم الكردي في حربها ضد حزب العمال وعملياتها في سوريا المتمثلة في "درع الفرات"، فيما يحتاج الإقليم لأنقرة التي تعطي له شرعية واعتراف بالإقليم كجهة مستقلة عن بغداد، كما أن تركيا تعد البوابة الكردية على العالم الغربي، وتمثل ثروة الإقليم النفطية التي تحتاج إليها تركيا نقطة قوة بالنسبة له على مسار الاستقلال الاقتصادي، حيث يستطيع أن يبيع النفط لتركيا والدول الغربية دون الحاجة للجوء إلى الحكومة العراقية.