«ناركيسوس» إنها الأسطورة اليونانية القديمة التي حاولت الإجابة، بشكل ما، عن سر نمو زهرة النرجس بجوار شواطئ الأنهار وبصورة مائلة تجاه الماء في الغالب. «ناركيسوس» الذي ينطق اسمه بالعربية «نرجس» هو شاب فائق الجمال والوسامة حظى بإعجاب أغلب من حوله، كان يجري ويمرح في الغابات وبين الأشجار حتى أنه لم تكن هناك فتاة قد رأته إلا ووقعت في حبه، لكن تظل الفتاة التي تسميها الإسطورة «إكو» هي أكثرهم تعلقا به، حتى أنها تركت كل دنياها وعاشت فقط قريبة منه على التلال، تشاهده من بعيد وتملي عيونها بالنظر إليه على أمل أن يلتفت إليها. تقول الحكاية أن الآلهة سلبت من «إكو» صوتها وقدرتها على الكلام، وعاقبتها بأن لا تستطيع أن تنطق سوى نفس الكلام الذي تسمعه، إنها «صدى الصوت»، فقط صدى صوت! لم تستطع «إكو» لذلك أن تعبر ل«ناركيسوس» عن حبها بل كانت فقط تردد ما يقوله، فيعتقد أن هذا الصوت هو صوته نفسه يرتد إليه من التلال القريبة، لذا فلم يكن ينظر إليها نهائيا، ولم ينظر بعيدا حتى يرى من أين يأتيه صدى صوته على الأقل، فقد كان مشغولا بحبيبة أخرى يهواها، كان يراها في صفحة مياه النهر كلما نظر فيها، فينادي محبوبته ليرتد إليه صوته – أو ما يعتقد أنه صوته- ويقترب منها فيقع في الماء فتتلاشى صورتها من أمامه ويعود مهزوما. عانى «ناركيسوس» مرضا شديدا وأعياه حب تلك الفتاة التي يراها في المياه، لم يعد يأكل أو يشرب، ظل قائما باكيا أمام صفحة النهر، لا يرى سوى معشوقته ولا يسمع سوى صوت «إكو» الذي اعتقد أنه صوته! حتى جف وذبل وهو على حاله مائل بجسده على صفحة المياه ليموت على هذه الحال .. انتهت القصة! لم تعرف «إكو» أنها كانت سببا في تدمير «ناركيسوس»، ولم تدرك أنها بحبها له أضاعت حياتها ونفسها دون جدوى أو أمل، بل ربما اعتقدت أنها ضحية وهي ليست كذلك. لماذا يستمر الإنسان في خداع نفسه والاعتقاد بأمل واهم كاذب حتى يصبح كل معنى وجوده في الحياة أنه مجرد "صدى صوت" يزيد الآخر غرورا وتكبرا وتجبرا وعشقا لذاته؟. نعم تصبح الشعوب في حال غياب وعيها مجرد «صدى صوت» يزيد من عشق الحاكم لنفسه حتى يصبح «ناركيسوس جديد»، لا يرى أي شيء سوى نفسه، ولا يسمع صوتا سوى ما يقوله هو، حتى يذبل ويموت على صفحة نهر حبه لذاته. كان بوسع «ناركيسوس» أن يصبح أهم شخصية في تاريخ بلاده، كان من الممكن أن يمارس أرقى وأروع أنواع التأثير الإيجابي على المحيطين به بسبب ما منحته إياه الآلهة من ظروف وعوامل خاصة، لكنه أبى إلا أن يعشق نفسه ولا يسمع سوى صدى صوته الذي جاء عبر «إكو»، ليتحول في نهاية المطاف إلى قصة وعظة وعبرة يعتبر بها التالون، ويعلمونها لأبنائهم حتى لا يذبلوا حتى الموت. علماء النفس استخدموا هذه القصة لدراسة أمراض حب الذات، وسميت هذه الحالة النفسية ب«النرجسية»، ودائما ما نتحدث عنها في إطار فردي لوصف حالات فردية، لكنها أكبر ما تنطبق تنطبق على الحاكم المغرور، بفعل شعب سُلب وعيه، فلم يعد يستطيع سوى ترديد صوت الحاكم، ورغم أن «إكو» كان بداخلها كلام مختلف ورغبة مختلفة وأحلام مختلفة وتريد أن تقول ل«ناركيسوس» كفاك غرورا واعشقني أنا، إلا أنها عجزت عن ذلك، وأحبت الشخص الخطأ فأضاعت عمرها سدى ..