شاهدت منذ أسابيع مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي للرئيس السيسي وهو يوجه كلاما لشيخ الأزهر يطالب فيه بأن لا يقع الطلاق إلا أمام مأذون، وتحدث السيسي عن زيادة نسبة الطلاق في المجتمع، ثم قال لفضيلة الشيخ ضمن كلامه "تعبتني يا فضيلة الإمام"! وبالرغم من أنه لا اعتراض على دعوة السيسي في حد ذاتها، حيث أن فكرة توثيق الطلاق وتغيير إجراءاته الحالية تستهويني وأرى فيها منافع كثيرة، لكن مع ذلك لم أشعر سوى بالضيق الشديد وقتها من طريقة وأسلوب الكلام مع شيخ الأزهر من رأس السلطة التنفيذية. عبرت وقتها عن رأيي صراحةً، أنني أرى في هذه الطريقة تعمدا واضحا لتوصيل صورة مفادها وكأن الأزهر عائق أمام تطوير القوانين والأمر ليس كذلك في حقيقته، ولم يكن الرئيس في حاجة للأزهر من الأساس لتغيير القانون الخاص بإجراءات الطلاق، ولم يكن هناك داع في الأصل لتوجيه هكذا كلمات للإمام الأكبر؛ لأن الأمر يخص البرلمان في المقام الأول، حيث هو الجهة المخولة بعمل التشريعات والقوانين الجديدة وليس الأزهر، أما لو كان الأمر يحتاج دعما معنويا من الأزهر ورأيا استشاريا فليتم عبر نقاش وفق آلية محددة، وليس بهذه الطريقة التي أوحت أن مقام شيخ الأزهر يخضع (أو لابد أن يخضع) لرأي السلطة التنفيذية. المهم .. بعد هذا الحدث بأيام أعلن الأزهر بشكل واضح أن الطلاق اللفظي يقع وفق أغلب المذاهب التي يعتمدها الأزهر، واعتمدت هذا الرأي هيئة كبار العلماء ثم مجمع البحوث الإسلامية في إعلان صريح عن رفض إملاءات الرئيس، وهو موقف سُر به كل محب للأزهر. وبعد أن صرح الأزهر برأيه الذي لم يوافق رغبة السلطة وجدنا الإعلام "إياه" يشن هجوما شرسا على الأزهر بل وصل الأمر أن أحد المواقع الكبرى نشر تقريرا يصف فيه شيخ الأزهر ورجاله بأنهم "إخوان" اصطفوا مع "أعداء الوطن" ضد الرئيس!. كمواطن مصري وكأحد مؤيدي ثورة يناير وأحد المطالبين بالتغيير ربما أرى أن الأزهر كمؤسسة لم يقم بدوره على أتم وجه خلال تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر، ولست راضيا بشكل أو بآخر عن دور شيخ الأزهر السياسي في كثير من الأمور داخليا وخارجيا بالفترات الماضية، بل أرى أن ما حدث هو نتيجة حتمية لتلك المواءمات السياسية والتنازلات الكثيرة والتغاضي عن أمور جسام من جانب الأزهر في العقود الأخيرة، وغياب تاريخه وشخصيته وارتباطه بإرادة النظم السياسية، وأقول لكل محب للأزهر أن الخنوع لا يتبعه سوى الخنوع وأن الطامع دائما ما يطمع في المزيد.. وعندما نقرأ تاريخ مشيخة الأزهر منذ الشيخ الخراشي، وحتى عهد قريب، نرى كيف كان لمقام شيخ الأزهر رهبة وهيبة في عين السلطة، وكيف اصطدمت المشيخة عبر تاريخها مع الأنظمة السياسية، وكانت تتدخل في السياسة، ولم تر في ذلك عيبا ولا حراما، فطالبت الحكام بما رأته صحيحا نصرةً للمستضعفين، الشيخ الشرقاوي مثالا والشيخ الشبراوي وكذلك الشيخ العروسي رحمهم الله جميعا، وكيف كان الجامع الأزهر ملاذا للجائعين والمظلومين وصوتهم في وجه السلطة عبر الأزمنة، فإذا ما انتقلنا لدور المشيخة خلال العقود الأخيرة نرى الفارق واضحا، والنتيجة التي نعيشها اليوم حتمية، وربما يكون القادم أسوأ، لكن الحق يقال أيضا أن شيخ الأزهر الحالي له مواقف مشرفة، ليس هنا مقام ذكرها، وحتى لو لم يكن له هذه المواقف أو اختلفنا حول تقييمها فليس أمامنا أيضا سوى أن نصطف دفاعا عن مقام شيخ الأزهر، وعن هذا المنصب بغض النظر من صاحبه. لماذا؟ لأن الأزهر بكل ما له وما عليه هو عمود من أعمدة هوية هذا الوطن، إن لم يكن هو العمود الرئيس، ولأن الأزهر هو المؤسسة التي يعلم أي نظام حكم مر على هذه البلاد عبر التاريخ أنها القادرة على التصدي لأي خطر يداهم البلاد أو ظلم يصيب أهلها، ورغم أي خلل في بنيته أو فكره قد يراه البعض إلا أنه استطاع في مراحل تاريخية حساسة ودقيقة أن يتصدى للشأن العام ويدافع عن مصالح الناس لينجح في ذلك في أحيان كثيرة. ولأن الخطورة لا تكمن في كون هل موقف الأزهر صحيح في قضية الطلاق أم لا أو ما هو رأينا في هذا القضية؟ إنما القضية أكبر من قضية الطلاق بكثير، هي قضية هوية وطن يحاول البعض تغييرها منذ 3 سنوات واستبدالها بهوية جديدة، هذه الهوية الجديدة غير واضحة المعالم حتى الآن، لكن المؤكد هو أنها هوية بلا "إسلام" وبلا "مرجعية دينية". العجيب أن الأزهر لم يتحدى السلطة أبدا في الفترة الأخيرة وحافظ – ربما بصورة استفزت الكثير منا – على علاقة طيبة بالنظام، فهل وصلنا للحد الذي لم يعد حتى هكذا وضع كافيا لنظام الحكم؟ وأصبح المطلوب هو خضوع تام وذلة كاملة!. إذا كان البعض ولمدة 6 سنوات يحدثنا عن عدم المخاطرة بهدم أو خلخلة مؤسسات الدولة مهما كانت عيوبها أفليس الأزهر أحد مؤسسات هذه الدولة إن لم يكن أهمها على الإطلاق؟، أم أن قاعدة الحفاظ على المؤسسات تنطبق فقط على مؤسسة واحدة دون غيرها؟ وإذا كان المطلوب تصحيح مسار المؤسسات الرئيسة والعمل على إصلاحها، أليس من باب أولى أن نطبق القاعدة على كافة مؤسسات الدولة الرئيسة أم سنطبقها فقط على تلك المؤسسات التي لا تريد الانصياع "بشكل كامل" للسلطة؟ اصطفافنا خلف مقام الأزهر هو اصطفاف للحفاظ على هوية هذا الوطن الإسلامية الأزهرية، واصطفافنا خلف أزهرنا هو من أجل الدفاع عن بقايا دولة المؤسسات التي يراد الإتيان على البقية الباقية منها، واصطفافنا خلف أزهرنا؛ لأنه ليس مطلوبا منه أن يلائم السلطة بل على السلطة هي أن تلائمه بوصفه مرجعية الغالبية العظمى من الشعب المصري والغالبية العظمى من مسلمي العالم أيضا.. ليس مطلوبا منه أن يصبح أداة طيعة في يد أي سلطة بل المطلوب أن يتطور وأن يعدل ويجدد من فقهه وفكره بإرادته التامة المستقلة والمستنيرة دون أي توجيه أو فرض رؤية من النظام، واصطفافنا خلف الازهر هو رسالة ضمنية لشيخ الأزهر تخبره أن اللحظة التاريخية الفارقة قد حان وقتها، وأن الأزهر يحتاج منك حراكا كبيرا ليعود مستقلا كمرجعية مشرفة لمسلمين في أنحاء الأرض، كما نتمناه وأفضل.