تجددت الاضطرابات الأمنية في ساحل العاج، بعدما تمرد الثلاثاء الماضي أعداد كبيرة من أفراد القوات المسلحة من معسكراتها، مطلقين أعيرة نارية في الهواء في مدينة أدياكي، وسيطروا على بلدة جنوب شرق البلاد، لعدم دفع الحكومة ما وعدت به من مستحقات ورواتب للجنود، فيما هو أشبه بالعصيان العسكري، ما استدعى إرسال السلطات تعزيزات أمنية. وأدياكي التي شهدت تمردًا مسلحًا منذ ما يقارب الشهر، وتجددت فيها الاضطرابات الأمنية، تقع على بعد نحو 95 كيلومترًا شرقي العاصمة التجارية أبيدجان، وتضم المدينة قاعدة بحرية لتدريب القوات الخاصة ومراقبة سواحل المنطقة التى لها حدود بحرية مع غانا، وخلت شوارع المدينة من المارة، بعد أن هرب السكان إلى منازلهم، وانتشر الجنود في أنحاء المدينة، وقطع الجنود المتمردون الطريق المؤدي للبلدة عن طريق إقامة حاجز، ومنعوا دخول السيارات. وهذا ليس التمرد الأول في البلاد الذي يحدث مؤخرًا، فقد أعلن جنود تمردهم في ال6 يناير الماضي، وسيطروا على "بواكي" ثاني أكبر مدينة في البلاد، قبل أن تنضم لهم قوات من معسكرات الجيش في مدن وبلدات من مختلف أنحاء سال العاج، لكن الحكومة وافقت على تلبية عدد من مطالبهم، حيث اتفقوا مع وزير الدفاع آلين ريتشارد دونواهي على دفع حوالي 20 ألف دولار كعلاوة لحوالي 8500 جندي. ويعد هذا التمرد الذي بدأ في أول يناير من أوائل التحركات العسكرية المناهضة للسلطات داخل ساحل العاج، بعد الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في القرن الماضي، والتي جاءت في أعقاب انقلاب عسكري في تسعينيات القرن الماضي، حيث تعرف ساحل العاج منذ ذلك الوقت باستقرارها النسبي عن باقي الدول الإفريقية المحيطة، لاسيما وأنها تشهد اقتصادًا واعدًا بحسب التقارير الاقتصادية العالمية. وساحل العاج من الدول الاستراتيجية الواقعة في منطقة غرب إفريقيا، وتحدها من الشرق غانا، ومن الغرب غينيا وليبيريا، ومن الشمال مالي وبوركينافاسو، وتشرف من الجنوب على خليج غينيا والمحيط الأطلسي. وتتميز العلاقات السياسية والاقتصادية في ساحل العاج بالتعاون مع جيرانها في غرب إفريقيا، وفي نفس الوقت تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الدول الغربية، وخاصة فرنسا، وعلى الرغم من تحولها إلى أحد الاقتصادات الواعدة في غرب إفريقيا، بعد الأزمة السياسية التي امتدت من 2002 إلى 2011، إلا أن أعوام النزاع والفشل في إصلاح الجيش الذي يضم مزيجًا من مقاتلين متمردين سابقين وجنود حكوميين أسفرا عن قوة يصعب السيطرة عليها تمزقها انشقاقات داخلية، خاصة في ظل عدد من المحاولات الانقلابية التي لم تنجح سوى في انقلاب وحيد عام 1999. وكان إعلان فوز الرئيس الحسن واتارا زعيم حزب التجمع من أجل الجمهوريين بنسبة 54.1%، عام 2010، وعدم اعتراف غريمه الرئيس المنتهية ولايته في ذلك الوقت لوران جباجبو بالنتيجة وتمسكه بالسلطة، الأزمة التي وضعت البلاد على حافة الهاوية، خاصة بعد أن ظل الصراع بينهما مغلفًا بعوامل دينية وعرقية تقوم على تغذيته، ورغم أن السلطات الإيفوارية اعتقلت جباجبو وزوجته سيمون في 2011، إلا أن الصراع بقي مستمرًّا، حيث شهدت البلاد انقسامات داخلية بين مؤيدي وتارا والرئيس السابق. وأطلقت ساحل العاج في 2016 قانونًا طموحًا لإعادة تنظيم الجيش، يستمر حتى 2020، يقضي بتحديث وشراء تجهيزات تبلغ قيمتها 1.2 مليار يورو. ويقول المتمردون إنهم اتفقوا على الحصول على المكافآت الأخيرة مقابل القتال ضد المليشيات التابعة للرئيس السابق لوران جباجبو، مؤكدين: «الحكومة مدينة للمجموعة بالأموال».