فى صباح يوم مشمس اصطحب بائع سمك بسيط ولده الشاب إلى عملهما المعتاد، اشترى الابن سمكا من السوق، فيما انتظر الأب على ظهر عربته الكارو ممسكا بلجام حصانه الهزيل. وبعد أن أتم الابن عملية الشراء، انطلقت العربة تجوب شوارع حي الزاوية الحمراء، أملا فى رزق يكفى متطلبات الأسرة الكبيرة. وفى آخر النهار طلب الأب من ولده أن يسبقه إلى المنزل، فيما توجه هو إلى الأميرية لإحضار غذاء لحصانه المنهك بعد يوم عمل طويل وشاق. قابل الأب اثنين من أصحابه، طلبا منه أن يوصلهما فى طريقه وركبا معه العربة وانطلق الجمع فى سلام. تأخر الأب فى العودة للمنزل، بدا الأمر غريبا، وظل الاختفاء مستمرا حتى صباح اليوم التالى، قبل أن يتصل أحد الأقارب بالابن القلق، يطلب منه المجئ سريعا لإحدى المستشفيات، وبمجرد وصوله إلى المستشفى علم الابن بموت والده قبل ساعات وانفجر فى البكاء. حاول العم تهدئته، وقبل أن يكتمل حضور العائلة، كانت التساؤلات تنهش عقل الابن المفجوع. فعندما رأى الابن جثة والده مكفنة بالقماش الأبيض، لاحظ تورما فى الوجه، الأمر الذى أثار الشك فى نفوس الجميع. أصر الابن على الكشف عن جسد والده، فوجد كدمات فى صدره، وجرح كبير فى مؤخرة رأسه، غير أن المنظر الذى أصاب الجميع بالهلع، كان عندما قلب أحدهم جثة الأب الهامدة على وجهها فوجد ظهره مشوها، وجزء من كيس الخصية مقطوع، ولحم الفخذ يبدو كما لو كان شخصا قد سلخه، وطعنة فى فتحة الشرج تشير إلى أن الرجل قد تعرض لهتك عرضه. وفى صباح اليوم التالى، وصلت النيابة العامة إلى المستشفى، وأمرت بتشريح الجثة. وفى مقر النيابة، قال صاحبا بائع السمك المتوفى إن سيارة ميكروباص صدمت عربته الكارو فأشاح الرجل بيده للسائق قائلا: "مش تفتح يا عم"، فشتمه السائق وتزاحم المارة، فى الوقت الذى مرت فيه سيارة شرطة. ترجل ضابط برتبة نقيب من السيارة وسب الاثنين، فقاطعه بائع السمك قائلا: "بتشتمنى ليه، أنا من سن أبوك، ترضى حد يشتم أبوك"، وهو ما أثار غضب الضابط فانهال عليه بالضرب وأمر بالتحفظ عليه، فى حين سمح لسائق الميكروباص بالانصراف. وفى قسم الشرطة، أخذ الضابط يضرب بائع السمك ضربا مبرحا، قبل أن يطرحه أرضا على وجهه، ويقيد يداه من الخلف، ويدوس على ظهره بالحذاء، واستمر يضربه بعنف حتى فاضت روحه. تلك كانت قصة مواطن مصرى يدعى مجدى مكين مات ضحية التعذيب منذ أيام معدودة، قصة مؤلمة تكررت كثيرا فى السنوات الماضية، مرة فى قضية خالد سعيد قبل الثورة بشهور وكانت سببا فى اندلاعها، ومرة فى قضية محمد الجندي منذ ثلاث سنوات، ومرة فى قضية أحمد مدحت منذ عدة شهور، وخطواتها أصبحت ثابتة ومحفوظة: اختفاء شخص، تسرب معلومة تفيد بوجوده فى أحد أقسام الشرطة، يخرج من القسم جثة هامدة، يذهب الأهل لاستلام الجثة فيجدوا آثار تعذيب عليها، يتهم الأهل الشرطة بالتعذيب، تصمت الداخلية، تنشر وسائل الإعلام أخبارا كاذبة عن سلوك الضحية، عادة ما يصفونه بتاجر مخدرات، ويصدر تقرير أولى من الطب الشرعى ينفي تعرض الضحية للتعذيب، عادة ما يكون سبب الوفاة هبوط حاد فى الدورة الدموية، فيثور الرأى العام، وتقوم الداخلية بإيقاف الضابط المتهم عن العمل لحين انتهاء التحقيق وذلك لتهدئة الرأي العام الغاضب. تكرار وقوع تلك الجرائم البشعة، يطرح أمامنا عدة تساؤلات: لماذا لا يتوقف مسلسل التعذيب داخل أقسام الشرطة فى مصر؟ لماذا تتعامل الشرطة بهذه القسوة مع المواطنين؟ ما الذى يجعل الشاب الذى تخرج من كلية الشرطة ليحافظ على القانون ويحمى أرواح الناس وأعراضهم وممتلكاتهم، يتحول بعد سنوات قليلة إلى ضابط شرس يعذب المواطنين ويقتلهم؟ التعميم خاطئ بالتأكيد، لأن هناك العشرات من ضباط الشرطة الذين يؤدون واجبهم بأفضل صورة ممكنة، لكن فى المقابل هناك ضباط كثيرين ارتكبوا جرائم بشعة تجعلنا نتساءل: كيف يتحول ضابط الشرطة إلى جلاد؟ أكدت دراسات علم النفس، كما جاء فى مقال للكاتب الروائي علاء الأسوانى، أن الجلاد ليس بالضرورة شخصا شريرا أو عنيفا بطبعه، بل قد يكون فى حياته العادية شخصا طبيعيا تماما (أظن أن معظمنا يذكر الدور الذى أداه الفنان محمود عبد العزيز ببراعة فى فيلم "البرىء" لعاطف الطيب)، لكنه يحتاج إلى توفر عدة شروط حتى يتحول إلى جلاد يعذب ويقتل: أولا: أن يعمل الجلاد داخل مؤسسة أمنية قمعية تبيح التعذيب كوسيلة مقبولة لانتزاع الاعترافات من المعتقلين أو عقابهم، فعندما يجد الجلاد أن هذا هو النظام السائد فى المؤسسة، فإنه سرعان ما يقنع نفسه بأنه يمارس التعذيب انصياعا لأوامر الرؤساء التى ليس بمقدوره أن يخالفها. ثانيا: أن يجد الجلاد نفسه وسط مجموعة من الزملاء يمارسون التعذيب كسلوك عادى وطبيعى، فعندما يرى الجلاد أن الجميع يمارس التعذيب، فإنه بحكم العادة يصبح مثلهم، ويكون على استعداد تام لتنفيذ أوامر التعذيب مهما بلغت وحشيتها، لأن الرفض عندئذ يجعل منه ضعيفا وشاذا بينهم. ثالثا: أن يبرر الجلاد لنفسه جريمة التعذيب بأنه يفعل ذلك من أجل حماية الوطن أو المجتمع، وحرصا على أمن المواطنين وسلامتهم. فيجب أن يصور الجلاد ضحاياه باعتبارهم مجرمين محترفين أو أعداء للوطن أو عملاء مأجورين لجهات أجنبية حتى يتحمل ضميره ارتكابه لجريمة التعذيب فى حقهم. فى قضية مجدى مكين قال المتهم إنه لم يكن يعلم أن الرجل مسيحيا، غالبا تصور إن القتيل إخوانيا لأنه كان ذا لحية قصيرة، وبالتالى يجوز تعذيبه بصفته عدوا للوطن. هنا اكتسب التعذيب مشروعية فى ذهن ضابط الشرطة، بل وأصبح التعذيب ليس فقط مقبولا وإنما محبذا أيضا، باعتباره واجبا ضروريا لحماية الوطن. مع ذلك، فإن هذه الشروط أو الخطوات لإعداد الجلاد كما أثبتها علم النفس، لا تكفي من وجهة نظري لتحويل ضابط الشرطة من حارس للقانون إلى خارج عن القانون، أظن أن هناك عامل رابع أكثر أهمية وأشد خطورة يساعد على تحقيق ذلك، هو إفلات القتلة فى معظم جرائم التعذيب والقتل السابقة من العقاب، وهو الأمر الذى خلق قناعة، استقرت فى العقل الباطن لضابط الشرطة، أنه يستطيع أن يعذب ويقتل من يشاء من المواطنين ولسوف تتحرك أجهزة الأمن فورا لتبرئته، ولسوف ينجو فى النهاية بفعلته بوسائل عديدة وفعالة، وفى ظل عدم استقلال القضاء. هذا العامل الأخير يجعلنا نقول باطمئنان أن المسئول الحقيقى عن مقتل بائع السمك مجدى مكين وشهداء التعذيب جميعا فى مصر، ليس الضابط الشاب الذى ضربه حتى الموت وإنما هو النظام الحاكم. فالنظام مسئول سياسيا عن جميع جرائم التعذيب التى تقع، لأنه لو أراد أن يمنع التعذيب لفعل ذلك فورا وبمنتهى الحزم، لكنه يسمح بتعذيب المصريين وقتلهم كأنهم حشرات أو فئران تجارب، بلا محاسبة ولا تحقيق عادل ولا حتى اعتذار رسمى. إن النظام لا يحترم المواطنين، يراهم جهلاء وكسالى، يعتبرهم كائنات محدودة الفهم والكفاءة، وبالتالى فإن قمعهم واجب وإذلالهم هو الطريقة المثلى للسيطرة عليهم، أما احترام إنسانيتهم فسوف يؤدى إلى إفسادهم وتمردهم. إن مقتل مجدى مكين يكشف عن مدى الإذلال والمهانة التى انحدر إليها المصريين، لقد أصبح الظلم والقهر عنوان حالهم، ولن يستعيد المصريون شعورهم بأنفسهم كبشر لهم حقوق، إلا إذا استعادوا إحساسهم بالعدالة، ولا يمكن للعدالة أن تتحقق فى ظل الاستبداد.