لاقت الزيارة التي قام بها رئيس حكومة الوفاق الليبية لفرنسا الأسبوع الماضي تفاعلا من جانب الحكومة الفرنسية، فبعد لقائه بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في قصر الإليزيه خرجت التصريحات الفرنسية معلنة دعمها لحكومة السراج وذلك بعد إعلانه عن تشكيل حكومة جديدة موسعة تشمل جبهة المشير خليفة حفتر من جهة، ومن جهة أخرى دعم فرنسا للسراج لمكافحة الإرهاب، والحد من الهجرة إلى أوربا عبر المتوسط. ويأتي هذا التوافق بعد مرور أكثر من شهرين على مصرع جنديين فرنسيين في ليبيا والذي اتضح على اثره مشاركة فرنسا بقوات عسكرية في ليبيا دون علم حكومة السراج المعترف بها دوليا، مما أدى إلى استدعاء حكومة السراج للسفير الفرنسي وتقديم احتجاج شديد اللهجة وحدوث مظاهرات منددة في ليبيا وتصاعد الأصوات التي اتهمت فرنسا في حينه بقيامها بلعبة مزدوجة، الأولى منها تأييدها الدبلوماسي لحكومة الوفاق، والثانية دعمها العسكري للمشير حفتر وهو ما رفضته فرنسا التي بررت تدخلها لمكافحة الإرهاب، صحيح أن السراج زار نيويورك على هامش اجتماعات الأممالمتحدة وقام بالعديد من اللقاءات مع الكثير من القيادات الدولية لتحسين صورته وشعبيته أمام سيطرة المشير خليفة حفتر على المناطق البترولية الهامة في ليبيا إلا أن زيارته تلك لباريس تعتبر الأولى لبلد غربي تمكن خلالها من الحصول على دعم الرئيس الفرنسي هولاند بعد إعلانه تشكيل حكومة موسعة تشمل الكثير من الفرقاء وعلى رأسهم قوات المشير حفتر، يحدث ذلك في الوقت الذي تتواجد في ليبيا قوات أمريكية وبريطانية وإيطالية تعمل لجانب القوات المقاتلة في مسراطة وهو التكتل المعارض للمشير حفتر، وإذا كانت هذه القوات ساعدت الميليشيات الليبية في الانتصار على تنظيم داعش في سرت فإنه وعلى الجانب الآخر يظل الدعم الفرنسي لحكومة الوفاق التي يرأسها السراج في طرابلس دعما دبلوماسيا في الوقت الذي تزامن فيه الوجود العسكري الفرنسي تمكن المشير حفتر وسيطرته على بنغازي، الأمر الذي يدفع بفرنسا الآن لتحسين صورتها في ليبيا لضمان مواطئ قدم لها بعد استقرارها، ولهذا تأتي هذه الوساطة الآن والتي اتخذت خطى هامة منها اللقاء الذي قام به وزير الدفاع الفرنسي جان ايف لودريان مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالقاهرة الأسبوع الماضي لمزيد من التنسيق والمشاورات باعتبار مصر الراعي الأول والحريص على مصلحة واستقرار الشعب الليبي وتأييدها القوي وتقاربها مع المشير خليفة حفتر الذي يمثل الجيش الليبي، كما برر الرئيس هولاند لفايز السراج أسباب تدخل فرنسا في ليبيا الذي يعود إلى إصرار فرنسا على مكافحة الإرهاب وهو ما اقتنع به مؤخرا السراج من أجل تحسين صورته ورغبته في نفس الوقت من ضمان دعم فرنسا له لتسهيل مهمته الحالية لتشكيل حكومة جديدة تضمن حصول حفتر وقواته على حقائب وزارية هامة. ويأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه وزير خارجية فرنسا جان مارك إرو عن نية بلاده للتحضير لاجتماع حول ليبيا في فرنسا تحضره مصر ودول الخليج وتركيا، وهو ما أكده الرئيس هولاند أثناء لقائه بالسراج، وبذلك تكون فرنسا قد طوت خلافها الدبلوماسي مع ليبيا بعد هذه الزيارة ليظل السؤال مطروحا حول إمكانية قيام فرنسا بإقامة هذا الاجتماع الهام وعن مدى جدية الأطراف الإقليمية والدولية لحل الأزمة الليبية، بعد أن تأكد للجميع أهمية استقرار هذا البلد وإعادته سالما إلى سابق عهده وبما يملكه من قوة نفطية عالمية كبيرة تشكل لاعب نفطي واقتصادي قوي لا يزال غائبا عن منظمة الأوبك والذي بعودته يمكن أن يغير الموازين الاقتصادية والسياسية بالعالم، بل ويشكل عامل ضغط فاعل على كافة التطورات بالمنطقة والعالم، فهل تتمكن فرنسا من لعب دور الوسيط النزيه لعودة الاستقرار إلى ليبيا وتقيم الاجتماع المنتظر حولها في باريس ؟؟ أم أنها يمكن أن تواجه صعوبات بسبب التدخلات والمصالح الدولية في ليبيا بالإضافة إلى الخلافات الليبية الليبية وذلك بعد أن أعلن المشير خليفة حفتر عبر الميديا مؤخرا بأن ليبيا بحاجة لزعيم عسكري قوي ومجددا في نفس الوقت رفضه لحكومة السراج برغم تصريحات السراج الإيجابية مؤخرا التي أيدت تمثيل المشير حفتر في الحكومة الجديدة التي يسعى لتكوينها انطلاقا من قناعته بأهمية الحوار والمصالحة لحل الأزمة الليبية، ولهذا يبدو أن الاجتماع المنتظر إقامته في باريس حول مستقبل الوحدة الوطنية واستقرار ليبيا سوف يحتاج المزيد من اللقاءات والمشاورات التي ربما ستتطلب مزيدا من الوقت والجهد .