في الثمانينيات.. عندما كان سائق التاكسي 'باشا'.. كان من لا يجد عملا أو 'العواطلي' كما يسميه البسطاء، 'يستلف قرشين' أو 'ياخد قَرض' ويشتري تاكسي بالقسط.. ومع مرور الوقت وانتشار التاكسيات بشكل 'ضرب المهنة'، ظهرت مهن أخري بديلة.. تجارة 'الاكسسوارات الحريمي' و'طُرَح المحجبات' وغيرها.. واستمر الحال من 'الاكسسوارات الحريمي' إلي 'سندوتشات الكبدة'.. ومن 'كروت الموبايل ولوازمه' إلي 'التوك توك'. في كل مرة كان أخونا 'الفهلوي' الذي يحب المكسب السريع دون أن تكون له مهنة حقيقية 'ينشن ع الرايجة'.. ولأن 'الرزق يحب الخفيِّة' أصبح طبيعيًا أن تجد حارة صغيرة في أحد الأحياء الشعبية مليئة ب'محلات الموبايل' أو 'عربيات الكبدة'.. وتجد ناصية شارع فرعي مليئة ب'التكاتك'. ومع ثورة 25 يناير توارت مهنة سائق 'التوك توك' قليلا لصالح مهنة 'البائع المتجول'.. والباعة المتجولون بعد يناير انقسموا إلي فريقين: الأول يتاجر في المناديل والأعلام وكروت الموبايل والبطاطا وحمص الشام وغيرها، أما الفريق الثاني فراح يتاجر في الدين.. وللتفرقة بين الفريقين يمكن أن نسمي 'باعة الدين المتجولين' ب'الإسلامجية'. الباعة المتجولون التقليديون انتشروا في محطات المترو والميادين والشوارع الرئيسية وأصبحوا أحد معالم مصر بعد الثورة.. أما 'الإسلامجية' فتركز تواجدهم في مدينة الإنتاج الإعلامي، ومكاتب الفضائيات العربية وأصبحوا من معالم الثورة. وللأسف.. غاب عن المشهد بعد ثورة يناير أبطالها الحقيقيون من كافة أطياف المجتمع المصري: العمال والفلاحين والموظفين وطلبة الجامعات وغيرهم.. وكما قفز 'الإسلامجية' علي الثورة وأعادوا إنتاج نظام مبارك بشكل أكثر تشوهًا، جني ثمار 25 يناير أصحاب الصوت العالي من 'الباعة المتجولين'. وبعد ثورة 30 يونية التي أبهرت العالم، عندما خرج ما يزيد علي 33 مليون مصري إلي الشوارع في مظاهرات لم يعرف التاريخ مثيلا لها ليطيحوا بالإخوان وأذيالهم أو 'الإسلامجية المتجولين' خارج المشهد إلي غير رجعة، ظهرت مهنة 'الرقص علي السلم' أو كما يطلقون عليها في الصحافة وإلاعلام 'مبادرات المصالحة'. وظهر من جديد إخواننا 'الفهلوجية'. ملاحظة.. قل: 'فهلوجية'.. ولا تقل: 'فهلوية'، لأن 'الفهلوية' لغة فارسية قديمة. المهم.. إخواننا 'الفهلوجية' كعادتهم 'نشنوا ع الرايجة'.. وكما انتعشت مهنة 'البائع المتجول' بعد ثورة يناير، انتشرت 'تجارة المبادرات' بعد ثورة يونية.. واحترف بيع 'المبادرات' كثيرون، ليصبح من الطبيعي أن تستيقظ يوميًا علي صوت يقول: 'مبادرة.. مبادرة.. مبادرة'، علي طريقة 'شاي.. شاي.. شاي'.. ثم تطور الأمر لنجد أنفسنا أمام مبادرة جديدة كل 6 ساعات، وكأننا نتجرع دواء مرًا. 'أيمن نور' و'سليم العوا' و'عبد المنعم أبوالفتوح' و'محمد حسان' و'حزب النور' و'حزب الوطن' و'كاترين أشتون' و'ويليام بيرنز' نائب وزير الخارجية الأمريكي، و'خالد العطية' وزير خارجية قطر و'البرادعي' ومؤخرًا 'زياد بهاء الدين' و'عبود الزمر'، وربما 'محمد أبوتريكة' قريبًا. ولا تنس عزيزي القاريء أن تضع كلمة 'مبادرة' قبل اسم الشخص أو الحزب أو المسئول الأجنبي. تجارة سهلة جدًا لا تحتاج إلي رأسمال أو وقفة في الشارع، ويمكن أن تمارسها من البيت.. تحتاج منك فقط حفظ بعض الكلمات والعبارات أو المصطلحات، وكما يقف أخونا البائع المتجول لينادي: 'الكارت أبوعشرة بعشرة، أو بطاطا وحمص الشام'، يردد أصحاب المبادرات بعض الكلمات البسيطة: 'المصالحة الوطنية.. فصيل من المجتمع.. من لم تُلوَث أيديهم بالدماء.. اندماج الإخوان في الحياة السياسية من جديد' وهكذا. المثير أن الباعة المتجولين من السياسيين، 'فهلوجية السياسة' أو 'أصحاب المبادرات' كما يطلقون عليهم في الصحف والفضائيات لم يتعلموا درس 30 يونية جيدًا، ولم يفهموا بعد أن الشعب المصري لم يعد كما كان. عرف المصريون حجم جرائم الإخوان وحجم خيانتهم واستقواءهم بأمريكا والغرب.. فهموا أن ثوابت الجماعة وأولوياتها تختلف عن ثوابت الوطن وأولوياته، وعبارة 'التنظيم الدولي للإخوان' التي كانت تمر من قبل علي البسطاء مرور الكرام أصبحت واضحة تمامًا بالنسبة لهم.. أدرك المصريون أن هذه الجماعة لا تؤمن بالأرض والحدود.. بل قد تجد مواطنًا بسيطًا يروي علي مسامعك كلمات سيد قطب 'وما الوطن إلا حفنة من تراب نجس'!!. عرف المصريون جيدًا الفرق بين السياسيين الوطنيين وبين 'باعة السياسة المتجولين'، فهموا أن الإخوان ومن هم علي شاكلتهم ليسوا أكثر من باعة متجولين يتاجرون في الدين.. ولهذا اتخذوا قرارهم باستئصال هذا الفصيل غير الوطني وطرده من المشهد السياسي. أطرف تعليق سمعته علي 'مبادرات المصالحة'، كلمات سائق تاكسي فوجئت به يعلق علي خبر 'مبادرة زياد بهاء الدين' ونحن نستمع إليه عبر الإذاعة قائلا: 'من لا يملك أعطي من لا يستحق'.. ليس هذا فقط، بل وجدت السائق البسيط يسترسل في الحديث ويروي لي علاقة الإخوان بالاحتلال الإنجليزي قبل ثورة يوليو وبعدها وعلاقتهم بالأمريكان وبيع سيناء وتفكيك الجيش، وراح يؤكد لي أن هذا التنظيم خائن، ثم قال: 'لله يرحمه عبد الناصر هو اللي كان عارف حقيقتهم.. وربنا رد له الاعتبار بعد موته ب40 سنة'. ابتسمت وقلت له: لو سمعك واحد من بتوع المبادرات هيقول عليك فلول.. وعايز نظام حسني مبارك يرجع تاني. فرد غاضبا: 'ولله العظيم هما اللي فلول، وعلشان تصدق، بهاء الدين ده من بتوع مبارك واسأل عليه'!!.. ثم تمتم بكلمات غير مفهومة شكله كان بيشتم وقال: 'أنا فلول؟!!.. أنا راجل صنايعي وكنت خراط في مصنع من المصانع اللي باعها مبارك وبعد ما كنت راجل محترم أقبض مرتبي أول كل شهر اشتغلت عند الناس واتمرمطت علي التاكسي'. ثم قال بحسم: 'بص يا بيه.. كلمة أبرَك من عشرة.. إخوان تاني لأ'. يا بائعي المبادرات لقد أيقن المصريون علي بساطتهم أنهم الرقم الحقيقي الفاعل في المعادلة، عندما يتحركون لا يستطيع أن يقف في وجههم أحد، عرفوا أنه لا كلمة بعد كلمتهم ولا إرادة فوق إرادتهم.. ولن يسمحوا لكم بالتلاعب بمستقبلهم. يا بائعي المبادرات لم يعد لكم عيش في بلادنا، بارت تجارتكم، وكشفكم المصريون البسطاء، وأراهن أن ينزل أحدكم إلي الشارع ويعرض تجارته الفاسدة التي يَعِف عليها الذباب، ليعرف حجمه وينال ما يستحقه. الجزيرة مباشر مصر حزنت جدًا عندما سمعت خبر إغلاق قناة 'الجزيرة مباشر مصر'، فمع دوامة العمل وضغوط الحياة أجدني في حاجة للجلوس أمام التليفزيون لمشاهدة مسرحية كوميدية أو برنامج مقالب أنشغل به عن هموم الحياة، وبعد ثورة 30 يونية وجدتني حريصًا علي مشاهدة قناة 'الجزيرة مباشر مصر' من وقت لآخر، فكلما جلست أمامها أضحك من قلبي كما لم أضحك من قبل، وهو ما جعلني أضعها إلي جوار القنوات الكوميدية مثل النايل كوميدي. بصراحة تُقدم 'الجزيرة مباشر مصر' وجبة كوميدية دسمة تُهوِّن عليك مشاكلك اليومية والحياتية.. فقد تفوَّق مقدمو البرامج فيها وضيوفها من الكتاب والسياسيين علي نجوم الكوميديا أمثال عادل إمام ومحمد هنيدي.. عدد لا بأس به من المفارقات والنكت والإفيهات والاسكتشات الضاحكة. أطرف تعليق سمعته عن إغلاق مصر لقناة الجزيرة قاله رجل بسيط: 'الببلاوي كان قفل قطر بالمرة ونخلص بقي من الوش ده'!!. بعد صدور قرار إغلاق الجزيرة دلني أحد الأصدقاء علي طريقة أخري تعوض غيابها فقد نصحني بقراءة صحيفة 'الحرية والعدالة' وأكد لي أنها هي الأخري تقدم عبر مقالاتها وتقاريرها كل فنون الكوميديا من النكتة إلي الاسكتش الفكاهي.. وبالفعل قضيت مع ما تقدمه الصحيفة أوقاتا من الضحك والمرح. وأنا هنا أدعو المسئولين في الحكومة إلي عدم إغلاق 'الحرية والعدالة' خصوصًا أنها تعوض غياب الجزيرة.. كما أدعو القائمين علي الصحيفة تطوير أدائهم الكوميدي واستخدام وسائط جديدة، كأن يتم مثلا توزيع سيديهات مع الجريدة عليها أحاديث أو بالأحري اسكتشات لقيادات الإخوان أمثال بديع والبلتاجي والشاطر والعريان خصوصًا أننا سنفتقدهم ونفتقد خفة ظلهم بعد القبض عليهم.. ويا حبذا لو وزعوا سيديهات لخطابات مرسي فقد افتقدناه وافتقدنا خفة دمه. ثم.. لماذا لا يفكر القائمون علي أمور الصحيفة مثلا في إنتاج فيلم كوميدي يقوم ببطولته قيادات الجماعة ممن هم خارج الأسوار قبل القبض عليهم أمثال عمرو دراج، الذي يمتلك موهبة كوميدية حقيقية اكتشفتها عندما قرأت حواره مع صحيفة الوطن، خصوصًا عندما سأله الزميل مجدي أبو الليل: 'هناك من يطالب جماعة الإخوان بالاعتذار للشعب قبل بدء صفحة جديدة، هل توافق؟!'.. فأجابه عمرو دراج: 'إذا كان الاعتذار هو اللي تاعب الناس.. إحنا آسفين يا سيدي'!!.. وهو ما ذكرني بخفة دم الفنان الكوميدي عمرو عبد الجليل في فيلم 'كلمني شكرًا' وعبارته الشهيرة 'إحنا آسفين يا صلاح'. اصمد اصمد يا بشار لقد تجاوزت كثيرًا عن هذيان وتخاريف القرضاوي احترامًا لشيخوخته وانتسابه للأزهر، لكن الشيخ الخَرِف تجاوز كل الحدود.. ويضرب يومًا بعد الآخر قيم الوطنية في مقتل. هل استمع أحدكم لخطبة الجمعة التي ألقاها في جامع عمر بن الخطاب في قطر؟!!.. هل استمعتم لكذبه وتضليله عندما تحدث عن ثورة 30 يونية والجيش المصري؟!!.. هل استمع أحدكم للقرضاوي وهو يقدم الشكر لأمريكا علي دورها في ليبيا ويطالبها بالتدخل في سوريا؟!!.. لقد وقف الشيخ الخَرِف علي المنبر يقول لأمريكا أسقطي سوريا نُصرة لله، ويطمئنهم بأن انتصار ما يسميه ب'الثورة في سوريا!!' لن يؤثر علي أمن إسرائيل!!. حقًا.. لقد تجاوز القرضاوي كل الحدود، لكن الحمد لله أن اكتشف الناس حقيقته، ليختتم حياته بالشكل الذي يليق به كدُمية في يد ذيول أمريكا، وليدخل بكامل إرادته إلي مزبلة التاريخ. لن تخدعنا كلمات القرضاوي أو كلمات أسياده في البيت الأسود عن الديمقراطية و'الثورة السورية!!' وكل العبارات التي يروجون بها للاعتداء علي الشعب العربي السوري العظيم، فكلنا بات يعرف حقيقة المؤامرة، ونموذج العراق لم يمر عليه وقت طويل وما زال عالقًا في الأذهان. ولو وضعنا الاستعمار كما فعل في العراق، ويفعل الآن في سوريا بين نظام بشار ونظام عميل لأمريكا والغرب.. أو بين نظام بشار وسوريا مقسمة مقطعة الأوصال، فسوف نختار بشار بكل تأكيد. يا تجار الدين والدم لن تفلحوا هذه المرة، ولن تسقط سوريا.. مهما حاول الاستعمار الأمريكي الصهيوني الغربي وأذياله في قطر وتركيا، وستبقي سوريا كما كانت حصنًا للأمة العربية، ولنهتف جميعًا: 'اصمد اصمد يا بشار'.