د. أحمد درة وضح الأمر الآن، فمصر كانت تعيش حالة من الفراغ السياسي علي مدي طويل حتي بات اختيار رئيس لها معضلة كبيرة يتهددها الفشل من كل مكان، خاصة هذه التحديات الكثيرة تحيط بها من كل جانب، وكل فريق من هؤلاء الذين يتربصون بها الدوائر يريد »رئيسا« لمصر علي هواه، وكأنه نوع من مزاد علي من يقود مصر إلي مشروع يحقق مصالح لأهواء هؤلاء بعيدا عن مصلحة الشعب المصري. وأشد ما أخشاه ان تجرنا هذه الأهواء إلي غيًّ يفتح علينا أبواب نيران الفرقة والبغضاء، كما حدث تماما في الفترة القليلة الماضية، فالأحداث تتلاحق، ولا يختشي أي جانب من الذين يمدون أيديهم في مصر بل ويتسللون إلي أحشائها، وحتي هذه اللحظة دخلنا في معارك ما كانت لتنفجر لولا ان من أعدائنا وأصدقائنا وأشقائنا من يريد ان يتدخل في شأن مصر، ويبتغي رئيسا لها علي هواه. وإذا كان موضوع المعونة الأمريكية قد فتح الباب علي مصراعيه للحديث علنا عن الرغبات الدفينة في ضمائر هؤلاء، فمن يجادل عن الأمريكان اليوم وقد أفصحوا وأسهبوا، فلا هم يبحثون حقيقة عن مصالحنا ومستقبل وطننا في نيل حريته كاملة غير منقوصة، ولا هم سيتخلون بأي حال عن ربيبتهم إسرائيل، ولا هم سيكفون عن شغفهم ببترول المنطقة وثرواتها وأسواقها، لن ترفع أمريكا يدها عنا ليظل شرقنا متعطشا للسلاح والحرب ومتوجسا من بعضه البعض، فهذا حالنا منذ أمد بعيد، وفي كل يوم يشهد الشرق »سايكس بيكو« جديدة، ولذا فليس هناك من أمل لو أطعنا وجاء رئيس لمصر »توافقيا« كما يدعي البعض.. ولأي مطمع في ذلك هل لترضي عنه اليهود والأمريكان تحت ستار من توافق القوي السياسية عليه، ان من يطلقون هذه المقولة يخطئون في حق الوطن، ويذرأون أول بذور الشك والريبة حول الرئيس القادم لمصر. ومن هنا نتساءل جميعا عن هذه الأسماء التي تندفع أو يدفع بها يوما وراء يوم، ليبقي الشعب المصري الحائر في حيرته سادرا تحت الاختبار المتصل حتي يصيبه اليأس في لحظة بعينها فيترك اختيار الرئيس لأي فصيل ينوب عنه من اخوان أو سلفيين أو أقباط أو ليبراليين أو اشتراكيين أو غير ذلك من الفصائل التي خرجت بعد الثورة وأعلنت عن نفسها، ومن العجب ان كل فصيل دائما ما ينتظر قرار القيادات التي ستقرر إلي من من الأسماء المطروحة سوف تذهب أصوات الفصيل، أهذه هي الديمقراطية التي كانت تطارد خيالنا وتداعب أحلامنا، أم اننا ما نزال تحت تأثير المخدر طويل المفعول الذي تجرعناه في السنوات العجاف، اعتقد ان ما يجري الآن هو انتاج لشكل مشابه للأنظمة السابقة لاستكمال أهداف وأد الثورة واجهاض التغيير الحقيقي الذي من شأنه تحجيم الدور الأمريكي في بلدنا علي الأقل، كما انه من شأنه ان يأتي بقيادات تعبر عن ضمير الشعب المصري المتحرق شوقا إلي الحرية بمعناها الحقيقي وجوهرها الأصيل. إننا في أمس الحاجة إلي حاكم مدني وحكومة مدنية، وطنية، يضحون مع من ضحي من أبناء الشعب من أجل بناء الدولة علي أساس نظيف مُصفي من كل كدر وشوائب لوثت دماءه بجراثيم الماضي الفتاكة، آن لنا ان نعلنها بدون تردد، لا نريد لأحد ان يفرض علينا رئيسا بعينه ولا يطرح أمامنا مزيدا من الشك فيمن يقدمون ويقولون من اسماء يفترض فيها انها غربت مع النظام ومع ما أورثنا النظام من مشكلات عميقة وفادحة، تحتاج لسنين طويلة للاصلاح وإعادة البناء. دعوا الشعب يختار، فحسبه ما جري أمام عينيه في الأيام القليلة الماضية، وتم اجباره علي شرب مجلس الشوري، رغم انه في عزوفه عن المشاركة قد أعلن صراحة عن عدم رغبته في وجود مجلس للشوري حتي ولو فرضنا انه سيغير طبيعته في ظل الأنظمة السابقة. المسجد الأقصي يتحرر قريبا تكاد الأيدي الملوثة التي تعبث لتحول ثورات الربيع العربي إلي فوضي تقول خذوني أو اقطعوني، فها هي تمتد إلي الحرم المقدسي من جديد مقتدية بعتل فعلها من قبل، وكان شارون عندما اقتحم الحرم الشريف ودنسه يحتمي بأمريكا والنظام الحاكم في مصر وعصابة الصهاينة من حوله، نفس الشيء الآن، ولكن شارون العتل مسجي يتعذب في غيبوبته آية الناس، ومبارك يقطع رحلاته المكوكية بين سجنه حتي ولو كان قصرا ومقر محاكمته، آية أخري، فضائحه علي رءوس الاشهاد.. والأيام القادمة سوف تشهد معجزة أكبر حين تهب الشعوب العربية من كل فج عميق وتنطلق صوب المسجد الأقصي الأسير لتخلصه من هذه الأيدي الآثمة المخضبة بدماء شهدائنا، واراه قريبا ذلك اليوم من قلب الكنانة. ليس للدكتور أبوالفتوح وحده الأمن غائب، ومع غيابه سوف تصاب الحرية بنوبة من الجنون والشذوذ، وما نراه الآن من اعتداء آثم علي رموز وطنية تحتاجها مصر الثورة في أي موقع، ليس للرئاسة وحدها، يؤكد ان المؤامرة مستمرة والثورة المضادة تعمل علي راحتها كما كتبت من أسبوعين، وأكاد أجزم ان شيئا مريبا قد أخذنا من ضرورة ايجاد حلول سريعة لمشكلة الأمن، إلي هراء لا يحدث إلا في عراك الحواري، الثورة تضرب الان في قلبها والأمن غائب.