طال توق أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بجامعاتنا إلي التمتع بحقوقهم الديمقراطية في اختيار القيادات التي تدير العمل في الجامعة ابتداء من رؤساء الأقسام ومرورا بعمداء الكليات ووكلائها وانتهاءً برؤساء الجامعات ونوابهم. إذا كانت ممارسات النظام البائد قد جعلت نسبة كبيرة من القيادات الجامعية من المرتبطين بالعصابة المسماة "الحزب الوطني الديمقراطي" كي تضمن إخضاع الجامعات لمخططات تلك العصابة في التوريث وممالأة أنصارها فإن ثورة الخامس والعشرين من يناير قد أعادت للجامعيين الأملَ في أن يكون لهم دور فعال وحقيقي في إدارة الجامعات من أجل أن تتبوأ دورها بوصفها مؤسسات مخططة ومسهمة في صناعة النهضة.وثمة اتفاق عام بين أعضاء هيئة التدريس علي أن ديمقراطية اختيار القيادات الجامعية هي الخطوة الأولي في تحرير الجامعات واستقلالها. ومن يتابع مجريات الأحداث في الجامعات المصرية بعد ثورة يناير يلحظ أن عددا من كليات الآداب قد بادرت بسلوك الطريق الديمقراطي في اختيار قياداتها، فقد أجريت انتخابات في كليتي الآداب بجامعتي جنوبالوادي وعين شمس لاختيار عميد في كل منهما، وتمضي كلية الآداب بجامعة القاهرة علي ذات الطريق الديمقراطي وإن كانت بخطوات أوسع وخطي أعمق، لأنها تبلور مشروعا عمليا لانتخاب قيادات العمل الجامعي بالكلية لتشمل رؤساء الأقسام ووكلاء الكلية وعميدها خلال هذا الفصل الدراسي كي يبدأ الفصل الدراسي القادم بمؤسسة تديرها قيادات منتخبة قادرة علي تحقيق طموحات أعضاء المؤسسة في ترسيخ السلوك الديمقراطي الذي يتيح للمؤسسة أن تؤدي أدوراها كاملة في التعليم والتنمية والإسهام في النهضة المجتمعية المرجوة.. وما مضي من مراحل في مسار التجربة الديمقراطية بكلية الآداب بجامعة القاهرة يتطلب رصدا متأنيا لأن نتائجه يمكن أن تضيء لمؤسسات جامعية أخري طريقها نحو تحقيق الديمقراطية في إدارة المؤسسات التعليمية الجامعية. ففي البداية طُرحت مجموعة من الرؤي لإدارة المرحلة الحالية بوصفها مرحلة انتقالية تنتهي بصدور القانون الجديد للجامعات، وبعد مناقشة مجلس الكلية لها اتُفق علي عمل ندوة موسعة لكل أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة لمناقشة الأفكار كافة.وأقيمت الندوة التي شارك فيها عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، وطُرحت مختلف الاجتهادات الفردية والجماعية حول طرق انتخاب القيادات وشروط الترشح ومدة تولي العمل الإداري للقيادات. وانتهت الندوة إلي تكليف لجنة بعمل استبيان تفصيلي يتضمن مختلف الآراء التي طُرحت بصدد اختيار القيادات، وأرسل الاستبيان لمختلف أقسام الكلية ليقوم كل قسم بتوزيعه علي أعضائه ومعاونيهم ليعبر كل منهم عن رأيه.وشارك حوالي 60٪ منهم في الإجابة علي مقترحات الاستبيان، ثم تم عرض الاستبيان علي لجنة من أعضاء هيئة التدريس لاستخلاص النتائج العامة التي اتفق عليها غالبية المشاركين، وانتهت اللجنة إلي وضع الأفكار الآتية: يتم انتخاب رؤساء الأقسام والوكلاء والعميد من بين مجموعة من المرشحين.. كل أستاذ عامل يستطيع الترشح لرئاسة القسم أو وكالة الكلية أو عمادتها.. يحق لكل الأساتذة العاملين الترشحُ لرئاسة القسم،ويحق لكل من يجد في نفسه الكفاءة الترشح لمنصب الوكالة، ولكل أستاذ عامل حق الترشح لمنصب العمادة دون التقيد بحد أدني لفترة الأستاذية. يقوم كل أعضاء هيئة التدريس "العاملين وغير العاملين"بانتخاب الوكلاء والعميد. كما يقوم أعضاء هيئة التدريس ومعاونوهم بكل قسم بانتخاب رئيس القسم. ولم تتوقف جهود أبناء كلية الآداب علي هذا الحد،بل واصلوا اجتماعاتهم لبلورة مجموعة من الإجراءات العملية والخطوط التي تكمل مسألة تحقيق الممارسة الديمقراطية.. إن تأمل ما يتم في كلية الآداب بجامعة القاهرة يكشف عن تحقيق خطوات جادة وواعدة في سبيل إقرار المسلك الديمقراطي بوصفه سبيلا للوصول إلي اختيار القيادات الجامعية. ولعل من تابع المناقشات التي قام بها المشاركون سيلحظ أنها تمت في سياقات إيجابية، إذ حرص المشاركون علي إبداء آرائهم بحرية كاملة، وبرز الانطلاقُ من الحرص علي إيجاد إدارة مختارة من أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بطريقة تجعل من الممارسة الديمقراطية سبيلا حقيقيا لتجاوز سلبيات النظام البائد التي خنقت المؤسسات التعليمية وحالت بينها وبين الإسهام العميق في تلبية متطلبات المجتمع.