عندما تجاوزت العاشرة من عمري في بداية الستينات وكنت تلميذاً بالمرحلة الابتدائية بدأت أدرك وأتابع مفردات الحركة السياسية متأثراً بالروح الثورية وتوجهات الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في وقت كانت الصحوة العربية في عز صعودها وقوة ازدهارها ومروراً بالتكتل الدولي الجديد لدول عدم الانحياز في ذلك الوقت بقيادة ناصر ومعه الرئيس اليوغوسلافي تيتو والهندي جواهرلال نهرو، وإنطلاقاً إلي القارة السمراء وتبني قضايا التحرر الوطني وعرفنا الزعماء الأفارقة كوامي نكروما وأحمد سيكتوري وباتريس لومومبا، وقبلهم كان الأسطورة نيلسون مانديلا.. في تلك الفترة استخدمت »كراريس الرسم» كمجلات صحفية أعبر فيها عن تقديري وامتناني لناصر وزملائه زعماء العالم الثالث المتعاونين معه وللقادة الأفارقة الذين قادوا حركات التحرر في بلادهم.. وتبقي العلاقة بين مصر والسودان رغم بعض مظاهر التوتر التي تشوبها علي فترات - لا تقبل الفصام أو الخصام لأن هذه العلاقة بشهادة التاريخ أقوي من الزمن وعوامل التعرية، واسألوا الملايين من السودانيين الذين يعيشون في مصر منذ عشرات السنين - ولا يقبلون الابتعاد عنها.. والعرب وفي مقدمتهم مصر لا ينسون للسودان استضافتها لمؤتمر القمة العربية الرابع بالخرطوم عقب حرب يونيو 67 مباشرة، وكانت قرارات القمة في ذلك الوقت هي التي شكلت أساسا لسياسة الحكومات العربية تجاه إسرائيل حتي حرب أكتوبر 1973 وكانت مساندة لدول المواجهة من خلال اللاءات الثلاث: »لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض »قبل أن يعود الحق لأصحابه.. كما استضافت الخرطوم في مارس 2006 قمة »النعم» التي وافقت علي طرح مبادرة السلام العربية مع إسرائيل التي تقوم علي مبدأ الأرض مقابل السلام وفق مقررات قمة بيروت 2002. وإني أري أن منع صحفي أو أي مواطن سوداني من دخول القاهرة حالات فردية واستثنائية لها أسبابها ولا يمكن تعميمها وهو نفس الوضع بالنسبة لبعض المواطنين المصريين.. وهذا يحدث منذ عشرات السنين دون استهداف مقصود من هنا أو هناك، والأمر لا يستاهل أن تصدر عنه بيانات شجب أو ما شابه ذلك.. فقد حدث ذلك مرة في أواخر التسعينات خلال مؤتمر لاتحاد الصحفيين العرب وتم منع زميل من زميلين كان المقرر مشاركتهما في المؤتمر واستقبل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك المشاركين وقام الزميل السوداني بتوزيع منشور في القصر الرئاسي يشرح فيه ما حدث دون أن يعترضه أحد، وكانت هناك مشاورات لمعالجة مثل هذه الأمور من خلال توقيع ميثاق شرف بين إعلاميي وصحفيي البلدين يحفظ للعلاقات الحميمة مكانتها ودفئها خاصة بين الصحفيين لأن العلاقات بين عامة الناس لن يستطيع أحد أن يؤثر فيها لأنها مثل أهرامات مصر التاريخ ثم أهرامات السودان العتيدة المتأثرة بالجوار.. وأستطيع أن أؤكد أن العلاقات المصرية السودانية لن يستطيع أحد مهما بلغت قوته وحجمه أن يقلل من تأثيرها وفاعليتها.. ويكفي ما يحدث من مؤامرات نحو مزيد من التقسيم للأقاليم السودانية، وهو أمر لا يهدف إلي ضرب السودان وحده ولكنه يهدف في الأساس إلي ضرب مصر وإضعاف الدول التي يمكن أن تكون مخزناً ورصيداً اقتصادياً وبشرياً للأمة العربية.. انتبهوا.. انتبهوا.