بين أروقة المتحف المصري بالقاهرة، تتوارى قطع فنية لا يقل بريقها عن الذهب، لكنها تحكي قصة مختلفة عن الابتكار والتجريب في مصر القديمة. ومن بين هذه الكنوز، يبرز إناء زجاجي فريد يعكس ذروة التطور التقني والجمالي الذي بلغه الحرفيون المصريون خلال عصر الدولة الحديثة. طيور من الخشب.. براعة النحات المصري القديم تتجسد في المتحف المصري تُعرض في الدور العلوي من المتحف المصري بالقاهرة، وتحديدًا في القاعة رقم 50، قطعة أثرية استثنائية تتمثل في إناء زجاجي يعود إلى الأسرة الثامنة عشرة، ويُعد مثالًا واضحًا على قمة الإبداع الفني والتقني في عصر الدولة الحديثة، هذا الإناء لا يمثل مجرد وعاء للزينة أو الاستخدام، بل شاهدًا حيًا على روح الابتكار التي تميز بها المصري القديم. ويكمن تفرّد الإناء في طريقة صناعته، إذ لم يُشكّل بالنفخ كما هو شائع في فترات لاحقة، بل صُنع يدويًا حول قلب من الطين، أُزيل بعناية بعد أن برد الزجاج، وتعكس هذه التقنية معرفة متقدمة بخواص المواد والتحكم في درجات الحرارة، وهي مهارة نادرة في ذلك الزمن. ويزدان جسد الإناء بلون أزرق غامق عميق، تتخلله زخارف من نقوش «الفستونات» المتداخلة بألوان الأصفر والأبيض والأزرق الفاتح، ما يمنحه حيوية بصرية وأناقة متوازنة، كما يتميز بتصميمه المتقن، إذ يجمع بين قاعدة طويلة، وجسم ممتلئ، ورقبة عالية، إضافة إلى ثلاث مقابض ملونة أُضيفت بحرفية عالية بعد إعادة تسخين السطح الزجاجي. ويرجّح أن الإناء عُثر عليه في منطقة سقارة، وهو مصنوع من زجاج ملون يعكس الاستخدام المبكر والمتقدم لهذه المادة في مصر القديمة، وتبرز هذه القطعة الدور الريادي للمصريين القدماء في تطوير صناعة الزجاج، مؤكدة أنهم لم يكونوا مجرد ناقلين للتقنيات، بل مبتكرين سبقوا عصرهم. ويمثل هذا الإناء فرصة نادرة لزوار المتحف لاكتشاف جانب أقل شهرة من فنون الدولة الحديثة، ويجسّد بوضوح أن الإبداع والابتكار كانا حجر الأساس في الحضارة المصرية القديمة.