لا أحد يعرف بالضبط ماذا أصاب المصريين وكيف أصبحوا يعيشون في أجواء من العنف الشديد بعد أن ذهبت عنهم الأخلاق الطيبة التي كان يحسدهم العالم كله عليها. زادت مظاهر العنف القاتل والمدمر والمجنون الذي لا يعرف سقفا في الانتقام أو حدا في التوقف لقد أصبحنا نمتاز باللجوء الي تبادل الاتهامات والسباب والتخوين وبعدنا كثيرا بل نهائيا عن لغة الحوار والتفاهم الإنساني ولم تعد لدينا القدرة علي الاحتمال والصبر في مناقشة أمور حياتنا وأصبح العالم كله يتفرج علي الشعب المصري الذي حوّل ثورته المجيدة الي مظاهرات تبدأ سلمية ثم وآسفاه تتحول الي تراشق بالحجارة وقذف زجاجات المولوتوف الحارقة وكرات النيران المشتعلة واطلاق الخرطوش والرصاص الحي علي قوات الأمن التي تقف لحماية وتأمين المنشآت العامة والخاصة التي يرد أفرادها علي المتظاهرين بنفس العنف بعيدا عن ضبط النفس وسرعان ما تتحول المظاهرات الي حالة مجنونة من الكر والفر وحرب الشوارع بين جميع الأطراف خاصة أن هذا الجو الشيطاني يدفع البلطجية ومثيري الشغب ولصوص الميادين الي القيام باقتحام وتحطيم وتدمير وسرقة المحال التجارية والفنادق السياحية وأقسام الشرطة وصولاَّ الي محاولة تهريب السجناء وحرق مباني مديريات الأمن والمحافظات.. هكذا أصبح سيناريو العنف يتكرر بنفس الخطوات وبنفس التنظيم ولا يختلف المشهد في ميدان التحرير عنه في ميدان سيمون بوليفار أو في محيط قصر الاتحادية وكأن الجميع اتفقوا علي إشعال الفوضي ونشر العنف بكل معانيه ووسائله حتي بلغ وللأسف الي التحرش الجماعي المنظم بعدد كبير من المتظاهرات ومحاولة النيل وكشف عذريتهن وكأن الأخلاق والدين والمروءة وكل الصفات الحميدة التي تربينا عليها تبخرت وحل مكانها هذا الشر الشيطاني الذي يستهدف بناتنا عندما نزلّن للمشاركة في الثورة وكأن هناك من يريد اقصاءهن عن المشهد السياسي ..ولكن كان الثمن فادحا ورهيبا ولا يليق أبدا بمصر ولا المصريين ولكنها تلك اللعبة القذرة التي يلجأ إليها السياسيون لتحطيم كل المعنويات الطيبة ليسود مكانها العنف .. ولا يمكن لأحد أن ينسي هذا الرجل البسيط الذي تحطمت كرامته وضاعت إنسانيته تحت أحذية جنود الأمن المركزي عندما سحلوه ومزقوا ثيابه وأوسعوه ضربا بالأقدام والعصّي وهو عاريا تماما أمام عدسات الأعلام الذي فضح تلك الممارسات البطشية واستنكرته كل دول العالم وضاعت به هيبة مصر وكرامتها وارتبط هذا الحادث باستشهاد الناشط السياسي الشاب محمد الجندي الذي لاقي ألوان العذاب الجسدي بكل أنواعها داخل معسكر الأمن المركزي بالجبل الأحمر وتناوب الجنود هناك تعذيبه لعدة أيام ثم ألقوا به في عرض الطريق جسدَ بعيدا تماما عن نبض الحياة ليكون موته رمزا لهذا العنف المفرط الذي تستخدمه القوات الحكومية ضد المتظاهرين وتكون جنازته في طنطا فصلا جديدا لتبادل العنف بين زملائه وقوات الأمن ويدوم تراشق الحجارة وتبادل المولوتوف وإشعال الحرائق في قسم ثان طنطا ومبني المحافظة ومحاولة اقتحام مديرية الأمن لمدة يومين ..ونتذكر هذا العنف الغريب علينا خاصة أنه بدأ منذ الذكري الثانية لثورة 25 يناير وتجدد بشدة في اليوم التالي بمدن القناة عند صدور الحكم بإعدام عدد من المتهمين في قضية مجزرة ستاد بورسعيد ولا ننسي مظاهر العنف المتبادل بين الأهالي وقوات الأمن حول سجن بورسعيد وأقسام الشرطة في السويس والاسماعيلية التي راح فيها عشرات بل مئات من شباب مصر بين قتيل ومصاب ولكن لا أحد يستمع الي صوت العقل أو يلبي النداءات الصادرة من الرئاسة أو القوي السياسية ولا حتي الالتزام بوثيقة الأزهرالشريف لنبذ العنف رغم أن الحوار هو الحل الأوحد للخروج من نفق العنف الأسود .. فهل نستمع لصوت العقل أتمني !!