لم يقدم أحد للأدب العربي أعظم ولا أعمق ولا أخلد مما قدمه الرائد العظيم المرحوم الدكتور طه حسين.. ولم يظلم أحد أو يهاجم أو يفتري عليه أكثر مما حدث للراحل العظيم حيا وميتا خطر ذلك علي بالي وأنا اقرأ الكتاب الرائع للاستاذ حلمي النمنم الذي صدر مؤخراً باسم طه حسين والصهيونية.. الغريب ان العظيم الراحل لم يحظ بما يستحقه من الاهتمام خاصة من تلاميذه وبعضهم الآن علي قيد الحياة، أخص منهم من درس علي العظيم الراحل مباشرة. حضر محاضراته وحظي باللقاء معه ومنهم الأخ الاستاذ الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي والأخ الاستاذ الدكتور عبد المنعم تليمة وكلاهما من زملاء الدراسة وممن حظي بالمتعة الرائعة في الاستماع إلي العميد الراحل في مدرج 42 بآداب القاهرة في آخر عام قام فيه بالتدريس. العميد الراحل فجر في حياته عدداً من القضايا وحدد العديد من المسارات اللازمة لتصحيح خطوات الادب العربي والتعليم في مصر هذه الابداعات التي تقدم حلولا علمية ومنطقية لما نعاني منه الان بصورة مخجلة ومشينة أن ليس من السهل ان أعرض في هذه المساحة المحدودة حتي ولا موجزاً لها أو للقضايا الكبري التي عرض لها العميد الراحل ولا لتفاصيل الحلول التي قدمها لاصلاح التعليم وبالذات تعليم اللغة العربية.. لقد تعرض العميد الراحل اثناء حياته لهجوم شرس وعنيف وضار من الازهر ودار العلوم لا لشيء الا لأنه أراد أن ينطلق بمناهج الادب العربي إلي آفاق العالمية وأن يحول دراسة الأدب واللغة العربية إلي مناهج منطقية ومجدية ومفيدة كان ذلك حلمه ولكن المناخ التعليمي في ذلك الحين كان متخلفا ومنغلقا ومتشبثا بالقديم الذي انحدر إلينا من العصور القديمة وعندما اعتمد الرجل علي مذهب ديكارت وهو مذهب الشك بمعني ان الانسان يجب الا يأخذ الأمور كحقائق مسلم بها وإنما هو يشك فيما أمامه ثم يبدأ هو بإثبات وجوده حتي يأتي يقينه بعد ذلك يقينا قائماً علي العقل والمنطق والاقتناع. كان مذهب ديكارت في ذلك الوقت أعظم صيحة شهدتها أوروبا ولا نغالي إذا قلنا إنه كان السبب وراء انسلاخ أوروبا من عباءة القرون الوسطي والانطلاق بالبحث العلمي إلي أوسع الافاق.. بدأ العميد الراحل تطبيق هذه النظرية علي الادب العربي في كتابه العظيم »في الادب الجاهلي« وانطلق حراس سراديب الخفافيش ايامها في الهجوم عليه الي حد تكفيره.. الغريب في الامر ان ما نادي به العميد الراحل في كتابه الذي صدر سنة 7291 هو ما نسمعه اليوم ليلاً ونهاراً وبإلحاح شديد في الجامعات وأجهزة الاعلام عن ضرورة الاهتمام بالبحث العلمي والاعتماد علي العقل بعد أن قيدنا أسلوب النقل بسلاسل من التخلف أعاقت مسيرة الادب العربي سنين طويلة ضاعت من عمر هذه الامة.. ومازلت أذكر قول العميد الراحل في احدي محاضراته »ليس لدينا في مصر مدرس للغة العربية« هذا الكلام الذي قاله منذ عقود طويلة يصدقه الواقع المظلم الراهن كدت أبكي وأنا أستمع دائماً إلي إذاعة القرآن الكريم وأنا أسمع بعض الاحاديث لكبار كبار اساتذة الازهر وهم يخطئون في اللغة العربية.. وكدت أبكي بل ومازلت وأنا أذكر رأي الاستاذ العظيم الراحل في شخصية الشاعر العربي امرئ القيس وكيف اثبت بالدليل العلمي الباتر أن هذه الشخصية لم توجد في يوم ما وبدلا من مناقشة رأي العميد والرد علي الحجة بالحجة اكتفي الجهابذة وقتها بالهجوم عليه »وسبه وشتمه« والمضحك وما أكثر ما في مصر من المضحكات أن مدارسنا وجامعاتنا مازالت وحتي اليوم تدرس ضمن مناهج الادب الجاهلي قصة امرئ القيس وشعره والحديث يطول. ولله الأمر.