نحن ديمقراطيون فقط مادامت الديمقراطية تحقق لنا ما نصبو إليه، ونتجاهل الديمقراطية إذا استفاد منها غيرنا.. هذا ما كشفت عنه تصرفات شخصيات وقوي سياسية عديدة طوال الفترة الماضية.. ولعل هذه هي المشكلة الحقيقية التي تواجهنا الآن، وهي مشكلة أخطر من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهنا لأنها تعوقنا عن حل هذه المشاكل، فضلا عن تعطيل تحقيق حلمنا في دولة ديمقراطية عصرية، كلنا فيها متساوون أمام القانون. ومظاهر هذه المشكلة عديدة ومتنوعة، وتتزايد يوما بعد الآخر.. واختصارا للوقت والجهد يمكننا الاكتفاء بتلك المظاهر التي مازلنا نتعايش معها حتي الآن، خاصة تلك التي ترتبط بأهم استحقاقين سياسيين.. إعداد الدستور الجديد، وانتخاب رئيس الجمهورية الجديد. ففي انتخابات الرئاسة وبعد أن أثيرت معلومات تتحدث عن أن أحد المرشحين سوف يستبعد من قائمة المرشحين، نظرا لأن والدته تحمل الجنسية الأمريكية، خرج أنصار هذا المرشح يتظاهرون لمنع لجنة الانتخابات الرئاسية من تطبيق قانون الانتخابات الرئاسية، والأدهي أنهم اعتبروا تطبيق القانون هنا تورطا في مؤامرة كونية للإطاحة بمرشحهم وقطع الطريق أمامه للوصول إلي مقر الرئاسة، علي اعتبار ان نجاحه مؤكد ومضمون.. وحتي الآن لم يتوقف أنصار هذا المرشح عن التهديد بالتصعيد لإجبار لجنة الانتخابات علي الاحتفاظ بهذا المرشح ضمن قائمة المرشحين للرئاسة، الذين وصل عددهم إلي نحو 32 مرشحا حتي الآن. والمثير للدهشة أن هناك نوابا من أنصار هذا المرشح قد وافقوا علي قانون الانتخابات الرئاسية، الذي يطالبون الآن باستثناء مرشحهم من تطبيق أحكامه عليه، بعد أن انكشف المستور وتم التأكد من حصول والدته علي الجنسية الأمريكية.. والمفترض ان القوانين يصدرها البرلمان لكي تطبق بلا استثناء علي الجميع.. فهذا أحد مبادئ الديمقراطية.. ولكن الآن هذا المبدأ بات يتعارض مع مصلحة هذا المرشح ويطالبون بتجاهله! أيضا.. عندما راجع الاخوان أنفسهم وقرروا الدفع بمرشح لهم في الانتخابات الرئاسية واختاروا نائب مرشدهم، اكتشفوا أن ثمة موانع قانونية تعوق ترشحه.. وإذا كانوا تحوطا رشحوا آخر احتياطيا إلا انهم مازالوا يكابرون في أحقية المرشح الأصلي في الاستمرار بالسباق الرئاسي، رغم مخالفة ذلك للقانون.. بل انهم سارعوا عن طريق نواب لهم بتقديم مشروع قانون في البرلمان الذي يظفرون بأغلبية فيه، يقضي بإسقاط العقوبات السالبة للحريات في كل القضايا خلال الثلاثين عاما الماضية.. وهو بهذا المعني قانون تفصيل لتمكين المرشح الأصلي للإخوان من الاستمرار في السباق الرئاسي، تقديرا منهم انه الأوفر حظا من مرشحهم الاحتياطي. والمثير للدهشة أيضا ان ذلك اقترن بتحمس نواب الاخوان لمشروع قانون مختلف يستهدف علي النقيض تماما إبعاد اثنين من المرشحين في الانتخابات الرئاسية، وذلك في أعقاب استجابة احدهما لضغوط أنصار له وقيامه بالترشح في هذه الانتخابات. كل ذلك، سواء قانون التمكين لمرشح أو قانون استبعاد اثنين من المرشحين، يحدث بعد إغلاق باب الترشح، أي سيطبقان بأثر رجعي، وهو ما لا يحدث في أية دولة تحترم القانون! أما بالنسبة لمسألة وضع الدستور الجديد فقد شاهدنا كيف تصرفت الأغلبية البرلمانية وهي تختار أو تنتخب اللجنة التأسيسية التي ستعد هذا الدستور.. فهي تصرفت علي أن لديها وحدها بحكم انها الأغلبية الحق في اختيار اللجنة علي هواها بما فيها ممثلو الأغلبية.. رغم ان الدستور أي دستور هو وثيقة تتضمن القواعد التي تنظم العيش المشترك للجميع في المجتمع، وهي قواعد يجب أن يرتضيها الجميع بلا استثناء حتي يلتزموا بها.. فهي ليست قوانين قابلة للتغيير بعد دورة برلمانية إذا ما تغيرت الأغلبية، إنما هي قواعد ثابتة ومستقرة لمدة عقود.. وحتي إذا سلمنا بأن الأغلبية يتعين أن تتمتع بمميزات أغلبيتها التي حازت عليها في الانتخابات، إلا أن ذلك لا يمنح الأغلبية حق فرض إرادتها وحدها علي تشكيل اللجنة التأسيسية، لدرجة التحكم حتي في اختيار ممثلي الأقلية باللجنة، أو استبعاد جهات وهيئات مهمة في المجتمع من المشاركة فيها. لذلك فإن إصرار الاخوان علي استمرار اللجنة التأسيسية في عملها رغم انسحاب ممثلي كل القوي السياسية باستثناء السلفيين هو تصرف غير ديمقراطي لا لبس فيه، ولا ينفع في اخفائه الادعاء بأن الذين انسحبوا رسميا عددهم قليل! وهكذا.. في اختبار الديمقراطية للأسف لم ينجح أحد، حتي وإن ادعي البعض أنه الأكثر إخلاصا الديمقراطية والأكثر إيمانا بها عن غيره. الجميع يتحدثون عن سيادة الشعب، ولكن للأسف لدينا من يريد أن يحتكر وحده الحديث باسم الشعب، وبالتالي يحتكر وحده كل شيء مادام هو الممثل الحصري للشعب.. ولدينا من يريد فرض وصايته علي الشعب يحدد له من يختار ويستبعد من يخشي أن يخطيء الشعب ويختاره! هذه هي مشكلتنا الحقيقية.. مشكلة اننا نضع ديمقراطية بدون ديمقراطيين ونسعي لتحقيق تحول ديمقراطي في وجود فرقاء سياسيين لا يؤمنون بالديمقراطية.. لذلك يتورطون في فرض إرادتهم وتجاهل معارضيهم وإقصاء منافسيهم، كما كان يفعل النظام السابق الذي انتفض الشعب ضده.. والمثير للسخرية ان كل ذلك يحدث باسم الشعب وتحقيقا لإرادته وسيادته وهكذا.. إذا كان ثمة محاولة لإعادة إنتاج النظام السابق فإن كثيرين مشاركون في هذه المحاولة، حتي ولو كانوا يدعون انهم مع الثورة وحريصون علي نجاحها.. لقد كان الهدف الأول لثورة 52 يناير هو تحقيق الديمقراطية مع العدالة الاجتماعية.. والديمقراطية لا تتحقق بديكتاتورية الأغلبية وتجاهل حقوق الأقلية، مثلما لا تتحقق بعدم الامتثال للقانون.. كما لا تتحقق الديمقراطية أيضا بالإقصاء وفرض الوصاية علي الشعب.. ومن يفعل ذلك لايؤتمن علي تحقيق الديمقراطية.