جامعة القاهرة تحتفي باستقبال طلابها مع بدء الفصل الدراسي الثاني    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    ارتفاع الإنتاج الصناعي في هولندا بنسبة 1.3% خلال ديسمبر    المشاط تشارك بمؤتمر مستقبل الطاقة المستدامة في مصر 2040    مدير جورميه ل«الشروق»: نتوسع في السعودية خلال 2027    وزير الخارجية: نعمل على إنشاء خط لإنتاج الدواء المصري في السنغال    وزير الخارجية: لدينا أهم تجربة في العالم لمكافحة الفكر المتطرف.. ومستعدون لنقلها لدول القارة    كييف تعلن إسقاط 110 طائرات مسيرة روسية خلال الليل    تحول جذري في حالة الطقس خلال الأيام القادمة| عودة قوية لفصل الشتاء    زلزال بالسوق السوداء.. الأمن يطارد مافيا العملة ويصادر 13 مليون جنيه    ضبط 118 ألف مخالفة وسقوط 64 سائقاً فى فخ المخدرات    السودان يستأنف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم    وزير العمل يقود مفاوضات جماعية بإحدى الشركات ويعيد الإنتاج    استعدادا لرمضان، تخصيص 36 مسجدا للاعتكاف و309 مساجد لصلاة التهجد بأسيوط    بقاء "السيادية" واستقرار "الخدمية".. مصادر ل"أهل مصر" تكشف قائمة الوزراء المستمرين في التشكيل الجديد    عاجل| خروج الدفعة السابعة من العائدين الفلسطينيين من مصر إلى قطاع غزة    المكتب الإعلامي الحكومي بغزة: الاحتلال خرق اتفاق وقف إطلاق النار 1620 مرة    تعزيز التعاون الاقتصادي والتضامن العربي يتصدران نتائج زيارة السيسي للإمارات (فيديو وصور)    موعد مباراة اتحاد جدة والغرافة القطري في دوري أبطال آسيا والقناة الناقلة    تشكيل تشيلسي المتوقع أمام ليدز يونايتد في الدوري الإنجليزي    كابيلو: صلاح لا يزال يصنع الفارق.. وهذا هو الفريق الأقرب لقلبي    الزمالك في معسكر مغلق اليوم استعدادًا لمواجهتي سموحة وكايزر تشيفز    اليوم.. البرلمان يعقد جلسة طارئة لنظر التعديل الوزاري    "عاتبه على رفع صوت الأغاني"، إحالة عاطل للجنايات بتهمة إشعال النار في جاره بعين شمس    تراجع سعر الريال السعودي في بداية تعاملات اليوم 10 فبراير    رفع 2040 طن من القمامة وتحرير 100محضر تمونى متنوع بكفر الشيخ    مصرع 2 وإصابة 3 آخرين فى انقلاب سوزوكى بالشرقية    الحماية المدنية بالغربية تسيطر على حريق هائل نشب داخل شقة بطنطا    مهرجان ثقافي صيني لعيد الربيع يجمع الحضارتين العربية والصينية في قلب القاهرة    مؤسسة فاروق حسني للفنون تمنح جائزة الاستحقاق الكبرى للفنان يحيى الفخراني    الإفتاء توضح حكم الإفطار أول أيام رمضان بسبب السفر    جامعة قناة السويس تطلق قافلة للإصحاح البيئي بقرية أبو سلطان بفايد    ما هو مرض الصرع وأسباب الإصابة به؟    السعال المزمن | الطب الأيورفيدي لتعزيز صحة الجهاز التنفسي    الصحة تعلن تنفيذ البرنامج التدريبى المتقدم فى أمراض الكُلى    خلافات مالية تشعل اجتماع الوفد، مشادة حادة بين قياديين وقرارات حاسمة لإعادة الانضباط    حظك اليوم الثلاثاء 10 فبراير 2026.. وتوقعات الأبراج    مواعيد مباريات الجولة الثانية بالدور قبل النهائي لدوري السوبر للكرة الطائرة    بتوقيت المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه اليوم الثلاثاء 10فبراير 2026    الإفتاء: يجوز شرعًا تقاضي عمولة على نقل الأموال باتفاق الطرفين    اسكواش - أمينة عرفي وكريم عبد الجواد يتأهلان لنصف نهائي ويندي سيتي    فرص عمل بمطاعم الوجبات السريعة توفرها وزارة العمل.. تعرف عليها    النيابة العامة تأمر باحتجاز متهم بالتحرش داخل أتوبيس نقل عام بالمقطم    مباحثات مصرية - فرنسية لتعزيز العلاقات الاقتصادية المشتركة بين البلدين    وزارة الصحة تستعرض "المرصد الوطني للإدمان" أمام وفد دولي رفيع    بعثة النادى المصرى تصل إلى القاهرة بعد مواجهة كايزر تشيفز بالكونفدرالية    أحمد جمال : ذهبت لطلب يد فرح الموجي.. ووالدها قال لي «بنتي لسه صغيرة على الجواز»    ممدوح عيد يشكر وزير الشباب والرياضة واتحاد الكرة بعد حادث لاعبي بيراميدز    «رأس الأفعى» يشعل سباق رمضان 2026.. دراما واقعية تكشف أخطر الصراعات في الظل    شيري عادل: شخصيتي مختلفة تمامًا في «فن الحرب»    إيثان هوك يحوّل لحظة تكريمه إلى احتفال عائلي نادر على السجادة الحمراء    أدعية الفجر المأثورة.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    غلق شارع الشهداء وسط الخليل وموقف عاجل ل ترامب بشأن الضفة.. فيديو    مصرع 5 أشخاص في تحطم مروحية جنوب ليبيا    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. اليوم الثلاثاء 10 فبراير    حين تلتقي القلوب بالخير.. رمضان موسم الصفاء والمودة    دخول الفتيات مجانًا.. ضبط المتهم بالاستعداد لحفل تحت مسمى «جزيرة إبستن»    برلماني يحذر: الألعاب الإلكترونية والمراهنات الرقمية تهدد سلوك النشء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الفكر والسياسة .. قراءة في تراثنا العربي
نشر في الأخبار يوم 10 - 08 - 2010

يخطئ من يتصور أن التراث الفكري للأمة هو ذلك النتاج الذي تحفل به المتاحف والمعارض والمكتبات والجامعات من مكتشفات وتماثيل وأدوات ومقتنيات ومخطوطات ووثائق ومحفوظات وأوراق وكتابات ومؤلفات، أوهو ذلك البناء العتيق أوتلك العمارة القديمة أوهذا المزار التاريخي أوغيرها، ذلك أن التراث الفكري للأمة هو بالضرورة أكبر من ذلك كله وأعمق، ولئن مثل نتاجه في العلوم والفنون والآداب والفلسفة جانباً واحداً من ذلك الإبداع الإنساني، فإن الجانب الأهم هو استخلاص ما يعنيه كل ذلك النتاج وتوظيف دلالاته في حياتنا بما يضيف إلي ثقافتنا وخبراتنا ومداركنا وأفكارنا، وما يمكن أن نفيد منه ويبقي معناه ومبناه ومغزاه لأجيال قادمة.
وكما يعكس التراث الفكري روح العصر الذي عاش فيه، فهو أيضا يعكس روح معاصريه من علماء وأدباء وفلاسفة ومبدعين، وهو مثال لما ساد عصره من نظم سياسة وحكم وإدارة، وتفاعلات اجتماع واقتصاد وتربية وثقافة، وهو بالأساس إضاءة هادية في مسار تاريخ أمة وتجربة حياتها ورصيد أفكارها وعطاء حضارتها. من هنا تأتي قيمة التراث الفكري للأمة، وأياً ما تكون تلك الأمة فلا يعدو ذلك التراث أن يكون إلا نتاجاً لرجال كانوا يعرفون دورهم في التاريخ.
التراث عطاء أفراد كما هو ميراث مجتمعات، وهي مهمة لا يضطلع بها إلا أولو العزم والفكر والرؤية، ولا يقدر عليها إلا رواد يمشون في التاريخ ويتجاوزون بأفكارهم وإبداعاتهم معني الزمن وقيمة الوقت وتصاريف الأيام. ومن هنا جاءت قناعتنا بأن في التراث عبرة وإشراقة حكمة وتوهج فكرة وفيوضات لحظة وتراكم خبرة.
ولقد ارتبطت قراءتنا للتراث مع رمضان لما في ذلك الشهر من فيوضات وفتوحات وعفة، وما تغشاه من اشراقات وأنوار وعصمة. هو شهر تصفو فيه نفوس كانت شاردة، وتشف فيه قلوب كانت جاحدة، وتعلو بالسجود والطاعات أجساد وأفئدة. وكما للكتابة "مود" وطقوس ومزاج خاص، فإن للقراءة أيضا "مود" ومزاج عام. ولطالما ارتبط رمضان في بيوتنا المصرية ودورنا العربية بمطالعة التراث، وكأننا نحاول إعادة الإنتساب إلي سلف صالح ونكران فعل أيامنا الفاضح وأفاعيل زماننا الطالح. أو كأنا بنا نحاول إعادة إنتاج أيام خوال سدنا فيها بالحق والعلم والأدب والمعرفة.
ولقد تعودنا في رمضان أن نطالع معاً صفحات في كتاب تراثنا العربي، فعلناها في سنوات سابقة في قراءات معاصرة ل"رسائل إخوان الصفا" و"أخبار الحمقي والمغفلين" لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، وحكايات "الشطار والعيارين" وأخبارهم كما حدثنا عنها الطبري وابن الأثير في الكامل والمسعودي في مروج الذهب وابن الجوزي في المنتظم، وذكرهم ابن خلدون في عدة مواضع من تأريخه، واحتفي الأدباء بنوادرهم وحكاياهم، وكما حدثنا عنهم البلاذري وجرجي زيدان ومحمد رجب النجار.
وتحيرت في أمري، ماذا عساي أقرأ معك في هذا الشهر الكريم، وقادني تطلعي إلي "نهاية الأرب في فنون الأدب" لأبي العباس شهاب الدين أحمد النويري وهو من أعلام عصرالناصر قلاوون، ولقد هالني كون الكتاب ثلاثون جزءاً في الفلك والجغرافيا والتاريخ الطبيعي والطب والسياسة والتاريخ والأدب، إذن فليكن موعدنا "صبح الأعشي في صناعة الإنشا" لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن علي القلقشندي المصري، وهو مرجع جامع في تاريخ الأدب في عصر المماليك، ثم عرجت علي كتاب أبي محمد بن سعيد بن حزم "الفصل في الملل والنحل" حيث يتناول دراسة الفرق الإسلامية ومذاهب الفلاسفة ومعتقداتهم. ثم هداني تفكيري إلي "تاريخ الطبري" لمحمد بن جرير الطبري، وهو من أكبر كتب التاريخ السياسي، قاتل الله السياسة!، إذن فليكن كتاب "الآثار الباقية عن القرون الخالية" لعالم الفلك والرياضيات العربي أبي الريحان البيروني، وهو مبحث قيم في حياة الدول والأمم المختلفة وتقاويمها وهو من أهم المراجع التي قدمها الفكر العربي للعالم وأسهمت في نهضته، ولم لانطالع "الأغاني" لأبي فرج الأصفهاني وهو من أشهر كتب الأدب في العصر العباسي الثاني وقد ترجم للشعراء والأدباء وأخبار العرب في الجاهلية والإسلام.
وهكذا أخذت أفاضل بين "البخلاء" لأبي عثمان عمر بن بحر الجاحظ، وهو يتحدث عن البخلاء وصفاتهم وأساليبهم ونوادرهم في أسلوب ساخر طريف، وقد قدم له مدخلاً دافع فيه عن البخل ووصف منافعه. ولم تروقني الفكرة فالبخل لا يناسب الشهر الكريم، بينما يثري أيامه ولياليه "إحياء علوم الدين" لأبي حامد محمد بن أحمد الطوسي الغزالي، الملقب بالإمام، وهو من أعظم شخصيات الفكر الإسلامي، لكن الكتاب في خمسة أجزاء جامعة عن التصوف والأخلاق والشريعة ويعد أشهر كتبه علي الإطلاق، وهو يحتاج إلي وقت وجهد لا أحسبني قادرا عليهما. فليكن موعدنا إذن مع "تجارب الأمم وتعاقب الهمم" لأبي علي أحمد بن محمد "ابن مسكويه" وهو من مؤرخي العصر العباسي الثاني، ورغم أنه من أشهر الكتب في التاريخ العام، إلا أنه يقع في ستة مجلدات، ولا أحسبها فكرة صائبة، وهنا وقعت عيناي علي "صورة الأرض" للعالم الجغرافي الشهير أبي عبد الله محمد بن موسي الخوارزمي، والكتاب مرجع مهم في الجغرافيا يحتوي علي خرائط أدق من تلك التي وضعها بطليموس واعتمد عليه الأوربيون في كشوفهم الجغرافية في عصر النهضة وكان مرشدهم إلي بلدان العالم الجديد، ومن أسف فقد أجهدت العولمة بظواهرها التاريخ، وتجاوزت بجنونها الجغرافيا.
نحن إذن في حاجة لمطالعة "مقامات الحريري" لأبي القاسم بن علي الحريري، حيث الحكايات والقصص القصيرة علي منوال "مقامات بديع الزمان الهمزاني" من حيث نظمها وموضوعاتها ولغتها الشيقة الساخرة، أو "العقد الفريد" كما ألفه أحمد بن محمد بن عبد ربه وهو من أشهر أدباء الأندلس، والكتاب من أبرز كتب الأدب بما حواه من حكايات ونوادر وعقود وجواهر جعلته جامعاً للأدب والتاريخ، ولكثير من القصص والأخبار عن حياة العرب وأيامهم. ولم لانطالع "القانون "للشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، الذي اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما، ولقبه الغربيون بأمير الأطباء وأبو الطب الحديث، حيث كان أول من كتب عن الطبّ في العالم، ولقد اتبع نهج أبقراط وجالينوس. ويعد الكتاب دائرة معارف استند عليها الأوربيون في محاولاتهم للنهوض بعلومهم واعتبروه خير ما أنتجه العرب والمسلمون، حيث لم يترك في التشريح عضواً من أعضاء الجسم إلا وتناوله حتي تشريح الأسنان وعظام الفكين، كما تحدث عن أعصاب الوجه والجبهة والمقلة والجفن والشفة واللسان وأعصاب النخاع والصدر وغيرها. هذا كتاب لعل وقته غير رمضان، فلتكن قراءة أخري، مثلاً في "العبر وديوان المبتدأ والخبر" الذي أبدع فيه أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، ولقد جاء الكتاب في سبعة مجلدات اشتهر ابن خلدون بمجلد واحد منها هو المقدمة والتي تعد أول بحث جامع في علوم الاجتماع والسياسة وفلسفة التاريخ والعمران ونشأة الدول وأسباب نهضتها وانحطاطها. ولم لاتكون قراءتنا في "حساب الجبر والمقابلة" الذي أبدعه أبو عبد الله محمد بن موسي الخوارزمي، مؤسس علم "الجبر" حيث تضمن العديد من قواعد علم الجبر والمعادلات الرياضية والحساب، وماأحوجنا للقواعد وللحساب.
أخذت أفاضل بين الكتب والكتاب، ومناسبة الموضوعات لقارئ الأخبار والشهر الكريم علي الأبواب، وماذا عساه يفيد من مضمونه ودلالاته، أو يكون له عونا في صيامه وهمومه وشئون حياته، قلبت الأمر علي وجوهه واحتمالاته، ومدي تأويله ومظانه ومآلاته، وداهمتنا الأيام، وإذا بنا في رمضان ولاأزال في حيرتي أسألك العون والغفران.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.