الأرصاد: طقس «الأحد» شديد البرودة في الصباح الباكر    استشاري صحة عالمية: الحامل ليست مريضة.. والمتابعة الطبية تحسم قرار الصيام    بينهم طفلة، إصابة 3 أشخاص في تصادم سيارة نقل ب"توكتوك" أمام كوبري الجامعة بالدقهلية    الحلقة الرابعة من «رأس الأفعى».. سقوط عنصر هارب يكشف مخطط «نترات الأمونيوم» لتصنيع المتفجرات    دينا الشربيني تكشف أسرارًا لأول مرة: بطولة ضائعة مع وحيد حامد وذكريات موجعة عن والديها وأحلام فنية جديدة    مفاجأة تهز العرش البريطاني، الأمير أندرو استخدم طائرات سلاح الجو الملكي للقاء إبستين    وفاة لاعب ناشئ عمال المنصورة أثناء توزيع وجبات إفطار على الصائمين    ميليشيا مسلحة تصدر "أمر اعتقال" بحق عضو في لجنة إدارة غزة    الاحتلال يجبر فلسطينيا مقدسيا على هدم منزله شمال القدس المحتلة    مواقيت الصلاة الأحد 22 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    لأول مرة بالمدن الجديدة.. أكشاك حراسة للمسطحات الخضراء في حدائق أكتوبر    مؤتمر سيميوني: الانتصار أمام إسبانيول مهم قبل مواجهة كلوب بروج    هل تحسنت الكرة في عهد أشرف صبحي؟| سيف زاهر يُجيب    موقف مؤلم من 18 سنة| سمية درويش تروي تفاصيل خلافها مع شيرين    لم تكن مصلحة| سمية درويش تكشف حقيقة علاقتها بنبيل مكاوي    موعد اذان الفجر.... اعرف موعد اذان الفجر ومواقيت الصلاه بتوقيت المنيا الأحد 22فبراير 2026    كرة يد – الأهلي والزمالك يفوزان على الجزيرة وسموحة    مصطفى بدرة: تحسن صافي الأصول الأجنبية يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري    كونسيساو: كنا ندافع من أجل أن نهاجم أمام الهلال    الأهلي يضع شروطًا لتجديد عقد حسين الشحات    أحمد موسى يطالب اتحاد الكرة بتوضيح سبب إسناد مباريات سيراميكا تحكيميًا لمحمد معروف    600 شهيد منذ بدء الهدنة بغزة ..«هجمة استيطانية» تعصف بالضفة    اغتيال قيادى بحزب الله ..غارات إسرائيلية جنوب وشرق لبنان.. وعون يدين    قبل السحور، حريق هائل بقرية البصارطة في دمياط والدفع بسيارات الإطفاء (فيديو وصور)    هل تخطط الولايات المتحدة لإعادة فتح سفارتها فى دمشق بعد أكثر من 14 عامًا ؟    ترتيب الدوري السعودي.. النصر يخطف الصدارة بعد تعادل الهلال ضد الاتحاد    حماس: تصريحات السفير الأمريكي انحياز فاضح لمشاريع الضم    «سند المواطن».. فرصة آمنة لكل أسرة لبناء دخل ثابت    عمرو دياب يشاهد مسلسل كلهم بيحبوا مودى بصحبة ياسر جلال    أحدث ظهور ل عمرو دياب وعمرو مصطفى: أخويا وعشرة العمر    موفد الأوقاف لأستراليا: رأيت دموع الهداية للمسلمين الجدد ..الحناوى: الدعوة جسر إنسانى يعبر بالناس إلى سماحة الإسلام    الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية تشارك الشعب الكازاخي فرحته بشهر رمضان    أخبار مصر: كل ما تريد معرفته عن المنحة الإضافية على بطاقات التموين، تفاصيل حفل تكريم وزير الدفاع السابق، قواعد قبول طلاب الثانوية الأزهرية بالجامعات الحكومية والمعاهد، أمطار خفيفة على هذه المناطق    أطعمة تعزز الهضم والنشاط بعد الصيام.. تعرف عليها    هل حليب اللوز مناسب لسكر الدم؟.. دراسة توضح البديل الآمن لمرضى السكري    مصر الخير تطلق حملة لإفطار 1.5 مليون صائم بقطاع غزة خلال شهر رمضان    أخبار × 24 ساعة.. للاستفادة من ال400 جنيه على بطاقة التموين.. الاستحقاق وأماكن الصرف    في ثالث أيام رمضان.. موائد الإفطار تتواصل داخل مصر وقطاع غزة ضمن حملة هلال الخير    لتعزيز قنوات التواصل، محافظ الوادي الجديد تلتقي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ    الأرصاد: طقس الغد دافئ نهارا بارد ليلا على أغلب الأنحاء.. والصغري بالقاهرة 11    إنبي يطيح بقاهر الأهلي ويتأهل لنصف نهائي كأس مصر    محافظ دمياط يفاجئ مستشفى كفر البطيخ المركزي بزيارة ليلية    بلمسة وفاء من القائد الأعلى.. السيسي يُثمن مسيرة عطاء الفريق أول عبد المجيد صقر    وكيل الأزهر: الإفطار الجماعي يجسد معاني الأخوة الإسلامية ويعكس عالمية المؤسسة الأزهرية    هم آل البيت .. من هم العترة الذي ذكرهم النبي محمد في حديثه الشريف؟    في أول لقاء رسمي، محافظ الإسماعيلية يستقبل مدير الأمن لتقديم التهنئة    "صحة الدقهلية": تنفيذ 103 عمليات جراحية خلال 48 ساعة    طلب إحاطة حول تكليف خريجي الكليات الطبية "أسنان وصيدلة وعلاج طبيعي"    ضبط شخصين عرضوا بيع طائرات درون بدون ترخيص على مواقع التواصل الاجتماعي    تفاصيل جريمة مأساوية بالمنيب... قاصر يقتل طفلة    في ثالث أيام رمضان.. مواقيت الصلاة في الاسكندرية    مصر تتألق في بودابست وبلجراد.. جائزة أفضل جناح وتصميم متميز لهيئة التنشيط السياحي    وزير النقل يتفقد محطة الملك الصالح بالخط الرابع للمترو    وزارة «العمل» تعلن توفير 5456 وظيفة جديدة في 14 محافظة    المرور يضبط 96 ألف مخالفة و33 سائقا مسطولا في 24 ساعة    رمضان 29 ولا 30 يوم.. الحسابات الفلكية ترد وتكشف موعد عيد الفطر 2026    جامعة القاهرة تطلق برنامجا موسعا لتأهيل القيادات والكوادر الإدارية    قرار ضد عاطل قتل عاملا في مشاجرة بالمرج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعادة اكتشاف" عبدالله البردوني
نشر في إيجي برس يوم 18 - 10 - 2011


قراءة: محمود صلاح سلام
(1)
قراءة الشعر تتعدد لا من حيث المناهج و المدارس النقدية والأدبية ،بل مع ذلك من حيث الزاوية التي ينظر منها القارئ فيما يقرأ،وأيضا من حيث الامتزاج مع ما يُقرأ والتماهي فيه ،وأنا أحب البردوني ولا أرى في هذا الإعلان ما يخالف المنهج أو ما ينقص من قيمة القراءة ،وحبي هذا جعلني أتحير :من أين أبدأ مع هذا العملاق؟ وما المنطقة الساخنة في شعره ؟أقصد عم أتكلم وعم أسكت وكل ما في شعره أهل أن يُتحدث عنه؟بعد قليل من التروي اقترحت أن أدخل في رحلة اكتشاف للبردوني من خلال المفارقة في شعره،فكانت هذه القراءة.
يشير مفهوم المفارقة إلى الأسلوب البلاغي الذي يكون فيه المعنى الخفي في تضاد حاد مع المعنى الظاهري. وكثيراً ما تحتاج المفارقة وخاصة مفارقة الموقف أوالسياق، إلى كدّ ذهن، وتأمل عميق للوصول إلى التعارض، وكشف دلالات التعارض بين المعنى الظاهر والمعنى الخفي الغائص في أعماق النص وفضاءاته البعيدة.المفارقة:paradox في تعريف مجمع اللغة العربية ،هي عبارة متناقضة في ظاهرها مقبولة المعنى في حقيقتها ،وقد تتضمن الطباق مثل :"اتق شر من أحسنت إليه " وقد أصبحت المفارقة اللفظية من الخصائص البلاغية للشعر في نظر مدرسة النقد الجديد الأنجلو أمريكية في الخمسينات والستينات ،إذ جعلها كلينث بروك أساسًا للغة الشعر" [1]، إن المفارقة ظاهرة أساسية في الطبيعة الإنسانية بل في كل الطبائع ،وتكاد تكون سلسلة التقابلات في الكون هي أبرز المرائي ،فلا أول إلا وله آخر ،ولا أصغر إلا وله كبر ،ولا حياة إلا ويرافقها موت ،ثنائية الأضداد متوالية في الحياة ومن اهم سماتها ،
واذا كان التباين الحاصل بين موقفين يولد نوعا من الرفض المضمر، او الساخر، من خلال قدرة المتلقي على معرفة الحقيقة بوصفه عنصر تمييز وفرز بين موقفين مختلفين، فان المفارقة- وفقا لذلك- تشكل منطلقا للتعبير عن الحياة بما يجعل الخيرة عرضة لتفسيرات شتى لايكون واحد منها فقط هو الصحيح[2]
و"إن المبدع عادة ما يضع نفسه في رؤيته لمفردات عالمه في منطقة وسطى ،وعلى هذا النحو يتمكن من الرؤية المزدوجة ،فما إن يقع الإدراك على وجه معين حتى ينجذب إلى الجانب الآخر "[3] بالرغم من أن هناك من يرى أن المفارقة من الصعبة بمكان وضع تعريف محدد ودقيق لها ،فهذه المحاولة ،في نظرهم ،تكون أشبه بالإمساك بالضباب [4] بالرغم من ذلك تبدو المفارقة وسيلة أسلوبية تولد فائضاً شعرياً من جهة, وتضبب شاشة التلقي الواضحة, عندما تكسر التوقع, بمراوغة الخطوط المستقيمة الرابطة بين الدال والمدلول ،والأثر والمرجع ،بإقامة علافات مفاجئة وغريبة ،وتخلق فجوات تتربص بها التداعيات الغيبة والمضامين غير المتوقعة ويتأتى إبداع المفارقة من أنها تعبير لغوي بلاغي ترتكز أساسًا على تحقيق العلاقة الذهنية بين الألفاظ أكثر مما يعتمد على العلاقة النغمية أو التشكيلية ،"إنها لا تنبع من تأملات راسخة ومستقرة داخل الذات، فتكون بذلك ذات طابع غنائي أو عاطفي ،ولكنها تصدر أساسًا عن ذهن متوقد ،ووعي شديد للذات بما حولها "[5]
المفارقة استخراج لمكنونات المراوغة باللغة ،وتعليق للقارئ في فضاءات ظاهر النص وباطنه ،وللمفارقة سمات ،كما حددتها د.نبيلة إبراهيم :
1. وجود مستويين للمعنى في التعبير الواحد :المستوى السطحي للكلام على نحو ما يعبر عنه ،والمستوى الكامن الذي لم يُعبر عنه ، والذي لا يلح القارئ على اكتشافه ،فالقارئ شريك أساسي في صنع المفارقة
2. لا يتم الوصول إلى إدراك المفارقة إلا من خلال إدراك التعارض أو التناقض بين الحقائق على المستوى الشكلي للنص الذي يعتمد على التلميح الخفي والاشارة المعتمرة التي تدفع المتلقي/ القارئ/ المستمع الى التبرم واثارة روح النقد وربما الرفض، عبر استخدام النكتة والعبارة الساخرة. وهذا النمط من التعبير يحتاج الى سرعة البديهية، والجملة القصيرة، والعبارة الواضحة المفهومة، مع افتراض عنصر ثالث يربط بين متناقضين، او موقفين، او حالتين من التفكير، ذلك لان المفارقة تقوم على التعارض والتناقض بين المظهر والحقيقة، وهي تشمل دالا واحدا ومدلولين اثنين: الاول حرفي ظاهر وحكي. والثاني متعلق بالمغزى، موح به، خفي، وتعمل هذه العلاقة في دائرة المسكوت عنه، لتخلق لنا جنسا ادبيا اخر هو النكتة، لان المفارقة تولد الضحك[6]
3. غالبًا ما ترتبط المفارقة بالتظاهر بالبراءة ، وقد يصل الأمر إلى حد التظاهر بالسذاجة أو الغفلة .
4. لابد من وجود ضحية في المفارقة ،قد يكون الكاتب ،وقد يكون المتلقي ،وأيًا ما كان فهي ضحية متهمة بريئة وتدعي في نفس الوقت لنفسها ما هو مبالغ فيه على سبيل الافتراض فحسب[7]
هذا عن المفارقة بصفة عامة ولكن المفارقة في الشعر , ندخل مع هذا الشعر في مستوى تكويني جديد يصوغ الشعر بطريقة مألوفة, وعبر صيغ تزدوج فيها الخبرة الشعرية بالخبرة الكلامية, فتتولد لدينا صيغة شعرية مثيرة للدهشة, تحيل المجازي إلى اليومي, وتصير له تضاريسه الخاصة عبر بناء الموقف الصادم للتوقع, الذي ينبثق بفضل خبرة ومهارة شعريتين.
وهذا يصل بنا إلى تمثل كثافة جديدة, يومية ومعاشة, وموازية في فعلها الجمالي للكثافة المجازية, وجعل ضربة القصيدة الأخيرة تقوم على التوتر المفتوح أو المستمر , إن صح الوصف. شعرية المفارقة تتبدى من هذه الصياغة الجديدة التي ترنو إلى المعنى العميق وترفض المعنى السطحي أو تراوغ به في أحسن الحالات تخرج عن رتابة النظم الإيقاعي والتركيب العادي ولكن ليس مجرد الخروج على رتابة النظم الإيقاعي, أو تحقيق درجة إيقاعية عالية, ولا التموجات التركيبية المنزاحة عن النمطي كالتقديم والتأخير, وتكثيف التراكيب النحوية أو تشتتها بما هو قادر على الخروج عن قواعد الاختيار المألوفة في المستويات المعجمية, والتركيبية, والاسنادية هو ما يحقق شعرية القصيدة في هذا البناء الشعري بل تتحقق شعرية المفارقة عبر الاستعانة بلوازم التعبير الكنائي الذي اقترب بشدة مع الشعر الحديث من القصيدة اليومية, ونبرتها الواقعية, وغادر الأطر البنائية المجازية المقصودة لذاتها إلى فواعل بنائية أشد غوراً. وحين تكون المفارقة دالاً نسيجياً, أو بنائيا فإنها تقوم على إدراك مافي النص من تناغم وانسجام, وتخبئة التباين والاختلاف لمنح النص دينامية عالية.
إن حس الشاعرعبدالله البردوني بالمفارقة لا يقتصر على رؤية الأضداد ووصفها في إطار المفارقة، بل في قدرته على إعطائها صورة في الذهن أولاً، ثم مطاردتها في الحياة والواقع. عندها يستطيع أن يتفاعل مع ما يحدث في الواقع ضمن مفهوم المفارقة. ليس كل شاعر يستطيع أن يتلبس فلسفة المفارقة، فهي ليست لباس خارجي، بل فلسفة ونظرة جوهرية ويوزع مفارقته الشعرية بين الاندهاش والتعجب والسخرية وعلامات الاستفهام وأحياناً الهجوم المباشر. وكثيرا ما يقترب هذا الاسلوب من التقابل والتضاد الذي شاع في القصيدة العربية القديمة لكنه ينأى عنها في كون الشاعر القديم ركز على الجمع بين الاضداد حسيا في اطار البيت الواحد بينما اعتمد الشاعر الحديث على العناصر الشعورية والنفسية ليعبر عن الصراع والاضطراب اللذين يسودان المجتمع بعد مفارقته كثيرا من الاوضاع الروحية والفكرية التي طرحها الشعراء قبله فولج الى حياة اتاحت له اشياؤها جميعها بكل تناقضاتها المدهشة الشاملة الرؤيا على نحو شكلت وعيه لها.تتكثف بلورات صوره الشعرية، وتترشح عبر ركني المفارقة(التضاد)، بتفاصيل الحياة اليومية، وتمتزج بألوان الأشياء، وملامح الأماكن، ونبض الشوق والحنين غير المنتهي للوطن. تضعنا شعريته عند مفازة التأمل، وسواحل الإبحار نحومحيط الإنسان اللا منتهي، بها نقطع مسافة الألم والشوق والدهشة بعد أن تتركنا في لجة التأمل والانفعال وتعود إلى أرض الساحل (الواقع) وحدها.واستخدام البردوني للمفارقة تسمح بطرح الكثير من الافتراضات التي يطرحها ادب المفارقة، وهو يتذرع باسلوب السخرية والتندر، ويتوسل بلغة قادرة على التعامل مع الحياة اليومية للناس وطبيعة تفكيرهم [8].
(2)
منذ الوهلة الأولى ومن القصيدة الأولى تظهر المفارقة في ديوان "وجوه دخانية في مرايا الليل "[9]والتي تحمل عنوان بين الرجل والطريق وهذه الثنائية هي البؤرة التي تتركز فيها أو تتجمع عندها أطراف المفارقة في كل القصيدة :
كان رأسي في يدي مثل اللفافة
وأنا أمشي ..كباعات الصحافة
وأنادي :يا ممرات ،إلى أي
ن تنجرّ طوابير السخافة ؟
يا براميل القمامات ،إلى
أين تمضين ؟إلى دور الثقافة .
فالاستفهام الذي يبتدر القارئ :ما العلاقة بين الرجل والطريق سرعان ما يتداخل مع هذه الاستفهامات التي تصنع المفارقة بين (رأسي في يدي ) و(إلى أين تنجر طوابير السخافة) ،(يا براميل القمامة إلى أين تمضين ؟)تتضافر هذه الأسئلة مع الإجابات غير المنطقية التي تسير في اتجاه توليد المفارقة (إلى دور الثقافة ) هذه المفارقة المتولدة من اسئلة مشبعة بالحيرة ،مُتعبة من كثرة السير في طريق الغموض ،ساعية لإلى معرفة تأتي عن طريق التعجب والتندر من هذه الحال ..
كل برميل إلى الدور..؟نعم
وإلى المقهى ..؟جواسيس الخلافة
ثم ماذا ..؟ورصيف مثقل
برصيف ..يحسب الصمت حصافة
إنها حالة الترقب الماثلة دائمًا ،وحال الخوف من جواسيس الخلافة ونهاية المقطع التي تأخذ صياغة المفارقة إلى ذروتها حيث الرصيف مثقل برصيف يحسب الصمت حصافة في حين أن الكلام هو المطلوب ،وأن إعلاء الصوت هو المأمول ..لكن هيهات ...
ها هنا قضف ..هنا يهمي دم
ربما سموه توريد اللطافة
في استخدام الاسمية (القصف) واستخدام الاستمرارية في (يهمي دم)ثم استخدام الثبوت بالفعل الماضي (سموه)في هذه الاستخدامات تتبدى مفردات مفارقة أخرى ..تنضم إلى المفارقة الأولى ...وتظهر صورة استهانة القصف بالدم بل وإظهاره في ادعائه بأنه توريد للطافة كوجه آخر من وجوه المفارقة .
نتيجة هذه الصورة الممتدة من الاضطراب والحيرة والتي تعلو نبرتها في هذه الصرخة الختامية لهذا المقطع :
لا فضول يرتئي ...لا خبر
خيفة كالأمن .....أمن كالمخافة
صورة للخيفة التي تبدو كالأمن حيث لا فضول يرتئي وأمن كالمخافة حيث لا خبر
في القصيدة التي تحمل عنوان (زامر القفر العامر ) الذي يعتبر عنوانًا للمفارقة فالقفر خراب،والعامر يناقض هذا الخراب ثم أن يكون لهذا القفر زامر تعبير كنائي مضبب بالسخرية ،ومغلف بالمفارقة.
وفي أبيات القصيدة تتمطى هذه المفارقات ، وتتجمع..
لأن حروفك عُشبية
كعينيك يا بنّي الاهتمام
تزمر للسهل كي يشرئب
وللسفح كي يخلع الاحتشام
وللمنحنى كي يمد يديه
ويعلي ذوائبه للليمام
وللشمس كي تجتلي أوجهًا
دخانية ،في مرايا الظلام
فهذا الزامر له هذا الأثر من التحويل ،للسهل أن يشرئب ،وللسفح ان يخلع الاحتشام وأن يستطيع المنحنى كي يديه ويعلي ذوائبه لليمام ،هذا الأثر المفارق أو الصانع للمفارقة في الفعل باستخدام اللغة الرامزة التي تستمر في بقية أبيات القصيدة التالية حتى تنتهي القصيدة المشعة بالدلالة والتي لعبت المفارقة دورًا أساسيًا فيها ..
لأن بقلبك صوم الحقول
تغني لتسوّد صفر الغمام
هواك اعتناق الندى واغصون
لأن غرامك غير الغرام
تموت أسًى ،كي تشيع الاسرور
تغني وأنت قتيل السلام
فهذه التناقضات التي ترتئي للزامر إلا أنه لا يكف عن الغناء والشدومع هذه الوجوه المتقابلة ،
فغرامه غير الغرام ..
ويموت أسىً ...كي يشيع السرور
ومع ذلك يغني ..وهو قتيل السلام
إن المفارقة هي الخاصية الأولى للدراما، فالفعل يفترض فعلاً نقيضاً تجاهه. وهذا الشكل من صراع المتغيرات وجدلها، يمثل في الأساس لحمة الدراما ومداها. وتعد المفارقة من هذا المنظور صورة من صور الصراع وهو أحد العناصر الأساسية لكل نص له الطابع الدرامي فيبرز هذا الصراع على عدة مستويات إما بين الفواعل السردية ، أو بين الفاعل مع نفسه، ويتخذ من ذلك صوراً متنوعة تختلف بحسب توظيف عناصر السرد وتقنياته.[10] وقصيدة مأساة حارس الملك أخذت في بائها السرد الادرامي او الطريقة الدرامية وتوفرت لها عوامل متعددة تقيمها دراما اتخذت من المفارقة صورة الصراع البؤرية فهي قصة القمع التي تربط الحارس بالملك من ناحية والملك بشعبه من ناحية أخرى حتى تأتي لحظة يستطيع فيها الحارس أن يتخلص من القمع السلطاني
إمض يا جندي ومزقهم ..نعم
فرصة أخرج ،أرمي السلطنة
أُشعر الثوار أني منهمو
سوف تبدو سيئاتي حسنة
إنه هنا يعرض للثوار التناقض والصراع الذي يعانيه فهو منهم
لست من عائلة الأسياد يا
أخوتي ،إني مثنى (محصنة)
إنني سيف لمن يحملني
خادم الأسياد كل الأزمنة
وهي قمة اللحظة الدرامية التي تتبدى فيها المفارقة بين ما يريد الحارس وما يُفرض عليه من السلطان لكن تنتصر إرادة الحارس برغم العقبات وبرغم أن القصة قد تبدو معادة ومكررة أو عادية
سادتي عفوًا ! ستبدو قصتي
عندكم عادية .ممتهنة



[1] ) معجم مصطلحات الأدب ج1 مجمع اللغة العربية .مصر .1428 ه /2007م
[2] ) د. شاكر عبد الحميد: الفكاهة والضحك ، عالم المعرفة ع (289)، (الكويت،2003م):ص58.
[3] )د.محمد عبد المطلب ،ظواهر تعبيرية في شعر الحداثة .مقال بمجلة فصول .مصر. عدد ديسمبر 1989م .ص 68.
[4] ) د.سي. ميويك المفارقة وصفاتها ترجمة :د.عبد الواحد لؤلؤة ضمن موسوعة المصطلح النقدي ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر .بيروت .لبنان .ط1 1993م .
[5] ) د.نبيلة إبراهيم .المفارقة .مقال بمجلة فصول ،عدد سبتمبر 1987مص 132.
[6] ) ). التفاعل النصي (التناصية lnterex tuality) النظرية والمنهج: نهلة فيصل الاحمد، كتاب الرياض (104) مؤسسة اليمامة الصحفية (الرياض، 1423 ه): ص290
[7] ) د.نبيلة إبراهيم .المفارقة ص 133.
[8] ) د.سي. ميوميك: المفارقة، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، ص15.
[9] ) الديوان ص5
[10] ) محمد صالح المحفلي ، المفارقة ودرامية السرد في شعر البردوني ،الجمهورية اليمنية ، الأحد 27 سبتمبر-أيلول 2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.