بدء اجتماع «إسكان النواب» للاستماع لبيان الوزيرة حول خطة عمل المرحلة المقبلة    جريمة بشعة في قنا.. أم تتخلص من رضيعها بالسكين لرفضها العودة لزوجها    جامعة العريش تطلق ميثاق التنمية المستدامة في شمال سيناء    البورصة المصرية تخسر 18.4 مليار جنيه بختام تعاملات الاثنين 20 أبريل 2026    رئيس الوزراء يتابع إجراءات توفير مخزون مطمئن من السلع وجهود حوكمة منظومة الدعم    حوار دولي بين طلاب طهطا وأوساكا اليابانية    إسكان النواب: ملف الإسكان أهم الملفات التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحياة المواطن    رئيس جامعة سوهاج يقود آلة حصاد القمح بمزارع كلية الزراعة (صور)    ولي العهد الأردني وأمير قطر يؤكدان ضرورة تكثيف العمل العربي للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار    موجة تسونامي بارتفاع 80 سنتيمترا في اليابان بعد زلزال قوي    الزمالك يدرس سفر بعثة الفريق إلى الجزائر بطائرة خاصة لخوض ذهاب نهائي الكونفدرالية    طارق يحيى: جماهير الزمالك كلمة السر والأزمات تصنع الرجال    عمر عزب: سعيد بالتتويج بكأس مصر للسلة    ضبط المتهمين بالتعدي على شخص بسلاح أبيض بالقاهرة    تحرير 747 محضراً ضد أصحاب المخابز والمحال التجارية المخالفة بالشرقية    نائب وزير التعليم: تعاون وثيق مع الاتحاد الأوروبي لتحقيق استراتيجية التعليم الفني    حزن في الوسط الفني خلال جنازة والد منة شلبي.. وتوافد كبير للنجوم| صور    تحذيرات من تفاقم الأوضاع الصحية في غزة وسط دعوات لدعم دولي عاجل    قرار جمهوري بترقية مستشارين وتعيين 184 وكيلا لهيئة قضايا الدولة    ارتفاع العجول البقري وانخفاض الجاموسي، أسعار الأضاحي 2026 في الأسواق    وزير الكهرباء: مستمرون في دعم وتطوير الشبكة القومية لتحسين كفاءة التشغيل وخفض الفقد    هنا جودة تدخل التاريخ وتصل إلى المركز 20 عالميًا في تصنيف تنس الطاولة    "المدير الرياضي سيقول شيئا يسكت الجميع".. كوناتي يعلن استمراره مع ليفربول    السيد البدوي: انتهاء المرحلة الأولى من التحول الرقمى لحزب الوفد خلال 90 يومًا    بعد إعلان رحيله رسميًا.. هل قتل الطبيب ضياء العوضي على يد عيال زايد؟    غزة: 3 شهداء بينهم سيدة وإصابات جراء خروقات إسرائيلية مستمرة لوقف إطلاق النار    المتهم في واقعة مقتل إمام مسجد وإصابة شقيقه في قنا: «كنت فاكرهم السبب في طردي من البيت»    وزارة الخارجية تتابع واقعة وفاة مواطن مصري في دبي    تحويلات مرورية أعلى كوبرى أكتوبر، ضبط سائق سمح لشخصين بالجلوس فوق سيارة أثناء سيرها    رغم الإعلان عن جولة مفاوضات غدا…إيران تستعد لإستئناف الحرب    إطلاق نسخة مُطورة من منصة الحجز الإلكترونية لتذاكر دخول المتحف الكبير    المسلماني: ماسبيرو يعود للدراما التاريخية بمسلسل الإمام السيوطي.. وعرضه في رمضان 2027    قد تولد المنحة من رحم المحنة    طقس معتدل بالإسماعيلية اليوم مع نشاط للرياح وشبورة صباحية    موعد مباراة الأهلي السعودي وفيسيل كوبي في نصف نهائي دوري أبطال آسيا والقنوات الناقلة    موعد مباراة الأهلي السعودي وفيسيل كوبي اليوم في نصف نهائي آسيا والقنوات الناقلة والتشكيل المتوقع    نتنياهو يدين تحطيم جندى إسرائيلى تمثال السيد المسيح فى جنوب لبنان    الزراعة: تحصين 3 ملايين رأس ماشية ضمن الحملة القومية ضد الجلد العقدي وجدري الأغنام    رئيس جامعة العاصمة يستقبل سفيرة الاتحاد الأوروبي لبحث فرص التعاون الأكاديمي    تكريم بطولي.. محافظ القليوبية يُكافئ سائقي اللوادر بعد دورهما الحاسم في إخماد حريق القناطر الخيرية    قرار جمهورى بترقية مستشارين وتعيين 184 وكيلا لهيئة قضايا الدولة    من قنا إلى أسوان.. وزيرة الثقافة تتفقد اليوم قصري العقاد وأسوان ومسرح فوزي فوزي    حملة واسعة لمؤازرة أمير الغناء العربي هاني شاكر    قرار عاجل بوضع الممتنعين عن سداد نفقات الزوجات على قوائم الممنوعين من السفر    الأوقاف تحذر عبر «صحح مفاهيمك»: الدنيا دار ابتلاء بس إياك تفكر في الانتحار    نائب وزير الصحة تبحث مع الجامعات تعزيز التعاون لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية    «السبكي»: 48 مليار جنيه تكلفة البنية التحتية والتجهيزات لمنظومة التأمين الصحي بالمنيا    "الطعام بدل الدواء" وخسارة 150 مليار دولار سنويًا .. هل دفع ضياء العوضي ثمن صدامه مع الطب التقليدي؟    «بيت المعمار المصري» يستضيف جلسة نقاشية حول الذكاء الاصطناعي    الصين تحذر الولايات المتحدة والفليبين واليابان من "اللعب بالنار" بعد بدء مناورات مشتركة    غدا.. توزيع جوائز مسابقات توفيق الحكيم للتأليف المسرحي    «الصحة»: انطلاق البرنامج التأهيلي لمبادرة «سفراء سلامة المرضى»    فريق طبي ينجح في علاج كيس عظمي بالفك السفلي بمستشفى شربين    بعثة «رجال سلة الأهلي» تغادر إلى المغرب للمشاركة بتصفيات بطولة إفريقيا «BAL»    تعرف علي حكم حج الحامل والمرضع.. جائز بشروط الاستطاعة وعدم الضرر    تصريحات الرئيس السيسي تتصدر الصحف الكويتية.. تأكيد مصري حاسم بدعم أمن واستقرار الكويت    فتاوى الحج.. ما حكم استعمال المٌحرم للكريمات أثناء الإحرام؟    تطورات حرجة في الحالة الصحية للفنان هاني شاكر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الذهب الأبيض في المغارة المظلمة
نشر في أخبار مصر يوم 10 - 08 - 2009

مائتا عام وربما تزيد قليلا.. تمثل الحد الزمني لتواجد القطن أو الذهب الأبيض علي أرض مصر عندما سمع محمد علي باشا عن سمعته الطيبة وانتشاره.. وتقبل العالم له.. كالمحصول الأول لإنتاج الملابس والأقمشة بمختلف أنواعها وليقف أمام المصدر الآخر.. الأصواف القادمة من أغنام المارينو والتي أصبحت فروتها تمثل دخلا إضافيا للرعاة.. المثلان كانا يقفان في المواجهة في مدينتي لانكشير ويورك شاير للصوف بالامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس..
عامل والي مصر.. القادم الجديد كان ابناً من أبنائه.. أقام القناطر والأهوسة والرياحات والترع لخدمة زراعته "التي تركزت علي الوجه البحري" وأصبح المحصول شعبيا سواء في الخاصة الخديوية أو لدي كبار الملتزمين والاقطاعيين..
الكل لم يجد أي مشكلة في تبني القطن ورعايته.. وكلف الخولي بالإشراف علي فريق الحقل من الفلاحين وأبنائهم.. الذين تتوالي مسئوليتهم من الغرس والزراعة إلي الشعب والرعاية حتي إذا ما اشتد عود المحصول بدأت عملية التقاوي اليدوية للآفات والديدان.. يشارك فيها الصغار من بنات وأولاده ويتأكد الخولي وناظر العزبة من نقاء اللوز وينقل البشري عندما تتفتح إلي الباشا أو الابن الكبير ويتحول جمع المحصول إلي عيد شعبي.. تزف فيه أكياس القطن إلي المخازن والأجران تستقر فيها حتي حضور الفراز ليحدد مدي نقائها والتيلة التي تمثلها..
وتتلاقي دوارا البيع حتي البورصة التي كان الذهب الأبيض أحد عناصر التداول الرئيسية ومن جهة أخري.. فإن فرحة جني المحصول تكتمل باتمام الزيجات بين الفلاحين وسداد الديون علي نصيبهم من المحصول.. تربع القطن علي مسرح الاقتصاد القومي وتعززت مكانته بدخول الاحتلال الانجليزي والقصور شبه العالم لتصبح البلاد مزرعة كبري للقطن.. تصدره انجلترا إلي انجلترا.. وتقبض اليد اليسري الثمن من اليد اليمني. وعندما قامت ثورة 23 يوليو ادركت ان مستقبل المحصول ربما يتأثر بالإصلاح الزراعي الذي ألغي السيد الواحد.. وغل يده عن الأرض ليحتفظ ب 200 ثم 100 فدان غير الذي نجح في تهريبه بعيدا عن عيون لجان الإصلاح وفي نفس الوقت وجد ان توزيع المساحات علي الفلاحين.. ربما تؤثر علي تنمية المحصول والارتقاء به إنتاجا ورعاية وتسويقا..
تكونت الجمعيات التعاونية للإصلاح الزراعي والتي كان أولي واجباتها الإحلال في رعاية الذهب الأبيض محل السيد القديم ومع إلغاء بورصة القطن وتعديل مهمتها إلي التسويق الخارجي.. عرفت مصر التسويق التعاوني للقطن مع التغير في الهيكل الإداري المناسب.. وتعامل الفلاحون مع بنك التسليف الزراعي بضمان المحصول واشتد الأمر بعملقة القطن تجاه المحاصيل الأخري.. خاصة مع اهتمام الارشاد الزراعي وترحيب الفلاحين بزراعته ويأتي عام 1980 ليحقق القطن أرقاما قياسية.. لم تتحقق بعد ذلك إذ بلغت إنتاحية الفدان 5.8 قنطار شعر.. والإنتاج الكلي 6.10 مليون قنطار
وفي ظل مودة الصوب والفراولة والمحاصيل الاستراتيجية المطلوبة للتصدير.. بدأت الحملة المنظمة.. لاقتلاع القطن من الأرض وعقل الفلاح حيث طالب كثيرون بأن نجاح التحرر الاقتصادي يقتضي أولا قطناً وبالمقابل ظهر اتجاه تبناه مهندس محمد محمد عبدالوهاب وزير الصناعة الأسبق "كما تحدث عنه د.محمد السيد عبدالسلام في ورقة العمل المقدمة فيه إلي ندوة أزمة القطن المصري مؤخرا" اعترض علي النزول بالقطن معتبرا ذلك ضد توجه العملاق الاقتصادي طلعت حرب وشركات الغزل والنسيج التي أقامها في عشرينيات القرن الماضي وقال لن أقبل أن يقول التاريخ ان محمد علي ادخل القطن إلي مصر وان محمد عبدالوهاب اخرجه منها وطالب بالتوسع في زراعة القطن وإنتاجه وتصنيعه وتصدير المنتجات النسجية وهي نفس الرؤية التي تبنتها الصين وتركيا والهند وأصبحت الآن عمالقة القطن.
ولم يلتفت الذين قتلوا القطن.. ونزحوا بزراعته إلي 286 ألف فدان هذا العام إلي اقتراح أي علاج للجمود في الإنتاجية "بعد وصولها إلي 5.8 قنطار - فدان" في الوقت الذي كانت فيه بالولايات المتحدة 5.6 قنطار.. ثم زادت حتي نحو 12 قنطاراً.. مما يجعلنا نسأل عن حلول الزيادة الرأسية والأسباب التي جعلتنا نتخلف كثيرا عن الآخرين.. بل ونصدر قطننا طويل التيلة.. بكل ما يمكن تقديمه من اغراءات وتستورد لمصانعها الأقطان قصيرة ومتوسطة التيلة ولا ننتبه إلي علاج جذري لتراجع المغازل المصرية ومحدودية العاملين في معظمها وإغلاقها حتي بعد ان عرضناها للخصخصة من قبل مستثمرين من البلاد التي تعلمت منا ثم سبقتنا ولم يقدموا أفكارا ضرورية لإصلاح وهيكلة الإنتاج وتراجع الاستهلاك المحلي إلي نحو 384 ألف قنطار العام الماضي ونحو 3.2 مليون قنطار من القطن الابلند المستورد
ويلفت د.محمد السيد عبدالسلام النظر إلي ما يؤدي إليه تصنيع القطن داخل البلاد إلي قيمة مضافة وتشغيل عماله وإذا كان ثمن القنطار من الشعر يساوي 100 دولار ترتفع عند تحويله إلي غزل سميك إلي 200 دولار وإلي غزل متوسط يتجاوز 300 دولار.. أما إذا تحول إلي الملابس فتصبح قيمته 800 دولار مما يحتم ان نبني سياستنا القادمة علي أساس التصنيع الدائم.. بل ان تركيا علي سبيل المثال انتجت عام 2007 نحو 15 مليون قنطار تم تصنيعها محليا بالكامل بل واستوردت كميات كبيرة قامت بتصنيعها كذلك.
ولاتزال الفرصة متاحة.. والذهب الأبيض لم يختف في أعماق الأرض بعد.. حيث ان القطن زراعة وصناعة كثيفة العمال ويمكنه استيعاب أعداد كبيرة منها كما انه يقدم خدمة مهمة للأمن الغذائي فيما يتعلق بزيت بذرة القطن الفاخر ومنتجات الكسب والألياف التي توفر الغذاء للماشية ولن نتحدث عن احياء الكساد الشعبي الذي يغطي احتياجات محدودي الدخل ويجعلنا ننافس الصين وماليزيا في هذا المجال بالنسبة للأسواق الأفريقية والآسيوية.
ويدعو د.محمد أيضا إلي التعامل مع الأقطان المصرية بالتصنيف العالمي مع زراعة أقطان الابلند متوسط التيلة في الوجه القبلي.. مشيرا إلي أن التدهور الوراثي يأتي من داخل الصنف وليس نتيجة الخلط ومن هنا يمكن تخصص الوجه البحري في الطويل الممتاز وطويل التيلة..
ويطلب د.محمد أسلوبا جديدا لاستثمار القطن كمورد للثروة القومية قادر علي المنافسة من خلال ارتباط كامل بين الزراعة والصناعة والتسويق.. ثم التصنيع الكامل للإنتاج المحلي وتأمين الزراع في حالات الكوارث أو الانخفاض الحاد للأسعار.. وإعادة هيكلة جميع المؤسسات الحكومية المستقلة بالقطن وتصفية المؤسسات التي استنفدت اغراضها ولم تعد مفيدة واعتماد خريطة صنعية جديدة في الوجهين القبلي والبحري علي خفض تكلفة الإنتاج لتشجيع الزراعة وصولا إلي إلغاء أي دعم حكومي.
ونبحث عن نظام يضمن أن يكون للقطن صاحب مؤسسة تتولي إدارة المشروع القومي للنهوض بالقطن من خلال دراسة تجارب الآخرين في استراليا وتركيا والذين باتوا يسبقوننا الآن وعلينا أن نتخذ القرار بسرعة.. هل نقول للقطن وداعا أم ننطلق به إلي آفاق جديدة الدعوة ناقشتها بكل موضوعية..
ورشة عمل الرؤية المستقبلية لإنتاجية وجودة القطن المصري برعاية وزير الزراعة ورئاسة د.أيمن فريد أبوحديد رئيس مركز البحوث الزراعية.. وتولي أمانتها د.محمد عبدالمجيد عبدالعزيز مدير معهد بحوث القطن وعقدت في إدارة الشراكة المصرية الفرنسية وركزت علي مشاتل الجودة ونقص التمويل والفروق السعرية مع المحاصيل المنافسة التي انقصت مساحة القطن ب 50% علي الأقل
حذر خلالها د.أحمد جويلي من ان عصر القطن المصري قد انتهي وان الولايات المتحدة أصبحت متفوقة علي مصر واقترح عدة خطوات للخروج من المأساة بدعم المزارع وتطوير المغازل والمصانع المحلية والمزج بين الصناعة والزراعة..
وألقي د.محمد عبدالسلام الملقب بأبوالقطن المصري قنبلة عن تراجع الإنتاج المحلي إلي 2 مليون قنطار العام الماضي وقال ان أحد الخبراء الأمريكيين أكد في دراسته له ان المصريين لا يعرفون القطن المصري!! بينما كان وزير الزراعة متفاءلا حيث أكد ان السنوات القامة ستشهد إقبالا متزايدا علي الأقطان قصيرة ومتوسطة التيلة.. مما يؤدي للتوسع في زراعة هذه الأقطان في الوجه القبلي وان عدم وفاء المزارعين بالمستهدف زراعته 585 ألف فدان يرجع إلي زيادة العرض عن الطلب عالميا وارتفاع تكاليف الجني وقال لقد زرعت حتي الآن 288 ألف فدان أي أقل من المستهدف ومن المنتظر الوصول بالمساحة إلي 300 ألف فدان بنهاية الشهر.
أما د.إمام الجمسي فقد ركز في ورقة العمل المقدمة منه علي شرح الموقف الحالي للقطن وبطء ارتفاع الأسعار الزرعية جعل صافي العائد أقل من قيمة ايجار الفدان.. مع انخفاض كميات التصدير وحققت الصادرات 324 مليون دولار والواردات نحو 531 مليون دولار.. وبلغ عجز الميزان القطني نحو 307 ملايين دولار فهل
نعتبر هذه الندوة التي قال فيها العلم كلمته.. بداية الإنقاذ لمحصول مصر الأول واخراجه من المغارة المظلمة بعد سداد واقعي لقرارات متضاربة بحثت عن العائد السريع ولم تراع طبيعة القطن كمحصول استراتيجيي وما استقر بالنسبة له في عقول وقلوب المصريين منذ أكثر من قرنين من الزمان.
*الجمهورية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.