الصحة توضح ضوابط سحب تراخيص الأطباء لحماية المرضى    ننشر أبرز أنشطة وفعاليات جامعة أسيوط خلال أسبوع    آخر تطورات سعر جرام الذهب، عيار 21 وصل لهذا المستوى    نشرة الشروق الاقتصادية 2 مايو 2026: اكتشاف جديد للغاز في دلتا النيل وتوقعات بتراجع سعر الذهب عالميا    نائب محافظ الفيوم يتفقد الأعمال النهائية لتطوير مواقف "دمو" و"سنهور" و"اطسا"    زميلك القادم خوارزمية والذكاء الاصطناعى يرسم حدود البقاء المهنى    محافظ القاهرة يوجه بسرعة تنفيذ "الموجة 29" لإزالة التعديات وحسم ملفات التصالح والتقنين    فوز طالب بهندسة القاهرة بالميدالية الذهبية والمركز الأول عالميا فى جائزة تشارلز ماين    ترامب يصف البحرية الأمريكية ب"القراصنة" فى حصارها لإيران.. ماذا قال؟    مسئول إسرائيلى: الوضع فى جنوب لبنان معقد بسبب المواجهات مع حزب الله    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا    وزيرا خارجية الكويت وباكستان يبحثان التطورات الإقليمية    الإمارات تعلن رفع الإجراءات الاحترازية على حركة الطيران    الزمالك يوفر حافلات لنقل جماهيره إلى برج العرب لدعم الفريق أمام سموحة    وزير والرياضة يفاجئ مراكز شباب السويس بجولة ميدانية لمتابعة سير العمل    سلوت يوضح دور إيزاك في خطة ليفربول لتعويض رحيل صلاح    كورتوا يقترب من حراسة مرمى ريال مدريد بالكلاسيكو    طريق مصر للنجمة الثامنة.. كاف يعلن إقامة أمم أفريقيا 2027 في الصيف    المشدد 7 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه لتاجر مخدرات بأبو زنيمة فى جنوب سيناء    محافظ بني سويف يوجه بحصر الخسائر بعد السيطرة على حريق مصنع الورق    تعليم دمياط تطلق غدا برنامج المراجعات النهائية لصفوف النقل    المهن التمثيلية تتابع حريق لوكيشن "بيت بابا 2" وتطمئن على فريق العمل    في دورته الأربعين.. معرض تونس الدولي للكتاب يتوج المبدعين و"إندونيسيا" ضيف شرف    وما زال الجدل مستمرًّا!    مستشفيات سوهاج الجامعية تستقبل أكثر من 45 ألف مريض وتجري 17 ألف جراحة    زيارة مفاجئة لوكيل صحة أسيوط لمستشفى البداري المركزي    مشاجرة بسبب تصادم في موكب زفاف بالشيخ زايد.. وإصابة سائق وضبط 3 متهمين    تعاون استراتيجي بين أكاديمية الفنون والمهرجان القومي للمسرح في الدورة ال19    كيف قادت القوة والترف قوم ثمود إلى الهلاك؟ عالم أزهري يوضح    عالم بالأوقاف يوضح سر الصحابي الذي بشره الرسول بالجنة 3 مرات    وزارة السياحة تُهيب بالمواطنين عدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة أو الكيانات غير الشرعية التي تروج لبرامج حج خارج الإطار الرسمي    سقوط تشكيل عصابي بالشيخ زايد سرق 250 ألف جنيه من داخل سيارة    الأمن يكشف تفاصيل مشاجرة شاب في الشيخ زايد بعد فيديو متداول    إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج الفوري عن إسباني كان على متن أسطول الصمود    أجواء حارة على أغلب الأنحاء وبداية ظهور الرمال بالصعيد    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    10 مايو.. تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    إرشادات مهمة من «الداخلية» للحجاج أثناء أداء المناسك    الدكتور خالد عبدالغفار: الصحة النفسية حق أساسي لكل مواطن    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة الشيخ محمد عبد العزيز حصّان.. من أعلام التلاوة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    بعد وقف إطلاق النار| ترامب يعلن انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التمر..حلوى الغني وطعام الفقير
نشر في أخبار مصر يوم 14 - 09 - 2008

في كل مرة يقترب أحدنا من فهم ثقافة التمر اجتماعياً، لا بد سيجد فيها شيئاً مما كتبه الشاعر معروف الرصافي، وهو يصف حالة «بشير» الأجير الفقير، الذي يعيل أخته «فاطمة» العانس، بما فيه من مرض أقعده عن طلب الرزق، فذهبت أخته إلى جارتيها، تشكو فقرهما استعطافاً، فخرجت من عندهما وهي تحمل التمر وبعض الطعام.
والتمر قبل أن يكتب عنه الرصافي، أو غيره من الشعراء، هو حلوى الغني، ومع ذلك فهو طعام الفقير الذي يمكن أن يقوي صلبه، ويمد جسمه بما يحتاجه من طاقة، ويغنيه عن طعام الأغنياء الثمين، على ما يتمتع به من رخص الثمن، وانتشار بين الناس.. كما أنه أحد أوجه التكريم والكرم بين الناس، وهو متوافر على مدار العام، لا يكاد يخلو بيت أحد «غني أو فقير» منه، خاصة في بعض المناطق التي تشتهر به. وفيه يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:-
أهذا هو النخل ملكُ الرياض / أمير الحقول عروس العزب
طعام الفقير وحلوى الغني / وزادُ المسافر والمغترب
وعندما تدخل فيها منزل إحدى الدول الخليجية، يتم تقديم التمرمع القهوة، استقبالاً وترحيباً بك، وتكريماً لمقدمك.. وقد يضع لك نوعاً أو نوعين أو ثلاثة، من هذه الفاكهة اللذيذة، والقريبة إلى قلوب الكثير من الناس.
وكثيراً ما يضع المضيف إلى جانب التمر، صحناً صغيراً فيه ماء نظيفاً كي «يفرك» الضيف أصابعه فيه، بعد أن تكون قد حملت شيئاً من حلاوة التمر، مع صحن صغير آخر، لوضع النواة فيه.
وللتخلص من حلاوة التمر العالقة على الأصابع، يفضل البعض أن يضع عوداً صغيراً داخل التمر، فيما يبقى القسم الأطول من العود فوقها، ما يمكن الضيف بأن يتناول العود، ليأكل التمرة، دون أن تلمسها أصابعه.
وبشكل عام، تبقى سمة تقديم التمر في الضيافة، السمة الأبرز، ربما بسبب ارتباطه بالجزيرة العربية منذ القدم، خاصة وأن الكثير من الدراسات أشارت إلى أنها منطقة زراعته الأولى، أو بسبب الفائدة الكبيرة التي تحتويها التمرة، بمختلف أنواعها، أو لأنها كانت لفترة طويلة، الغذاء الرئيسي لسكان شبه الجزيرة العربية، أو بسبب المكانة الدينية للتمر في الثقافة الإسلامية، وربما لهذه الأسباب مجتمعة.
معالم تاريخية للتمر والنخيل:-
أظهرت الدراسات العلمية أن للتمر وشجر النخيل، مكانة قديمة قدم التاريخ. من الصعب تحديد أول اهتمام بهما، ولكن كتب التاريخ تشير إلى بعض منها، ومنها ما أظهرته سجلات الحفريات أن النخيل انتشر في مناطق حوض البحر المتوسط خلال عهد «الأوسين» أو (Eocene) والتي تمتد من 36 - 58 مليون سنة، وفق ما يؤكده كتاب «نخلة عربية في صحراء كاليفورنيا» لهليدا سايمون.
وتقول: «إن بقايا الحفريات للنخيل من العصر الأوسيني لم توضح النقطة الأساسية، ولكنها أكدت أن النخلة سلالة نسب قديم».
ولكن ما يجعل البعض يستغرب هذا التصوّر، أن أشجار النخل عرفت بانتشارها عبر الزراعة، إذ من الصعب أن نجد هذه الشجرة تنمو في أرجاء مختلفة، كما هي الأشجار في الغابات التي تنتمي لتلك الحقبة.
إلا أن بعض أكثر الدراسات واقعية حول شجر التمر، هو ما تشير إليه النقوش والبحوث التاريخية، حيث كان شجر النخيل منتشراً في بلاد الرافدين «العراق حالياً»، ولكن لم تشر هذه البحوث إلى المكان الذي أوتي منه بشجرة النخيل.
ويعتقد العلماء أن النخيل كان موجوداً في الوادي الخصيب، أو ما يعرف باسم «جنة عدن»، أما بعض الباحثين فيميلون لنظرية بدء زراعة النخيل في جزيرة العرب، حسبما يرى العالم الإيطالي إدواردو بكاري، وغيره
ومن أكثر الأحداث التاريخية الهامة بالنسبة لنخلة التمر وزراعتها، ما وجد في شريعة «حمورابي» أول ملك لأول أسرة ملكية في بابل القديمة، قبل 1950 عاماً قبل الميلاد.
حيث وجد الباحثون تشريعات خاصة بالتمر والنخيل، موجودة على الألواح التي نقش عليها حمورابي تشريعاته، ومنها المادة الستون، التي يحدد فيها حمورابي قوانين خاصة بزراعة النخل وحمايتها وبيعها وتأجير أرضها، ومنها «إذا أعطى صاحب الأرض أرضه لشخص يزرعها، فعليهما أن يتفقا ليحصلا على مشاركة عادل عند موسم جني التمور سنوياً، بدون إنفاق أو استثمار مبالغ كبيرة من المال، حيث يؤجر صاحب الأرض أرضه لمزارع ماهر، وينتظر 4 سنوات دون عائد، حتى تؤتي النخيل ثمار التمر، بعدها يتقاسمان الجني والمحصور، وللمزارع أن يستفيد من الأرض خلال السنوات الأربع، بزراعات موسمية سريعة، تعوّض انتظاره كل هذه السنين.
وفي أيام البابليين، كانت بساتين نخيل التمر تسمى «مدن النخيل» وورد ذكر النخيل في الكتب السماوية المقدسة، ففي التوراة أن شاعر المزامير الأكبر، شبّه الرجل الصالح بالنخلة المزهرة، وكانت ديبورا تجلس للقضاء بين الناس تحت جذع نخلة تعرف باسمها، ولقد اكتشف بعض الآثاريين نقوداً يهودية قديمة عليها صورة نخلة.
كما أن النخلة اعتبرت رمزاً دينياً في فلسطين القديمة، واستخدم سعف النخيل رمزاً للنصر، لأنه دائم الخضرة. وفي عصر المسيح عليه السلام، كان النصارى يحتفلون بما يسمى «نخلة الأحد» وهو أسبوع قبل عيد الفصح، كما أن أحد شعراء فارس القديمة، تغنّى بالتمر وشجره، وبمنافعه وسجّل قصيدة من 365 قصيدة، واحدة لكل يوم من أيام السنة.
وفي مصر، يعتقد العلماء أن زراعة التمر أدخلت قبل نحو 5 آلاف عام قبل الميلاد، حيث وجدت رسوم ونقوش مصرية قديمة في وادي النيل، فيها صور من زراعة النخيل.
وفي المنحوتات الحجرية بمملكة «ممفيس» يظهر الكهنة وهم يروون النحيل، في حين وجد نقش للأسرة الثامنة عشرة، يبين الملك تحوتمس الأول، يقدّم التمر كقربان.
فيما تبقى الأعمدة المعمارية الفرعونية المشهورة، التي تتخذ من النخيل شكلاً لها، رمزاً لأهمية زراعة التمر خلال تلك الفترة، والذي يوجد البعض منها في معبد بني في عهد رمسيس الثاني.
التمر في الثقافة الإسلامية
لم يجد الدارسون والباحثون فاكهة أو طعاماً أكثر ذكراً وأهمية من التمر، في الثقافة الإسلامية، وأحصي بعض الفقهاء 30 آية في القرآن الكريم، ضمن 20 سورة، فيها ذكر للتمر، أو النخل، أو ما صغر من التمر، كالنواة، والفتيل (الخيط الرفيع في شق نواة التمر) أو النقير (وهي النقرة التي تكون على ظهر النواة)، أو القطمير (وهي الغلاف الخارجي لنواة التمر)، ومنها قوله تعالى: (فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) وقوله (وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ)، وقوله تعالى (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ)، في وصف أهمية زروع التمر للناس، وبأنها كانت من الجنات التي يملكها الناس.
كما وصفها الله تعالى لمريم ابنة عمران، أم نبي الله عيسى عليه السلام، بأن تأكل الرطب (والتي هي أحد أنواع التمر)، من الشجرة، بقوله (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً فكلي واشربي وقرّي عيناً) دلالة على أهمية التمر للمرأة الحامل.
ولعل من أهم الآيات التي أشادت بشجرة التمر، قوله تعالى (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها)، والتي اتفق المفسرون على أنها النخلة.
وفي السنة النبوية، الكثير من الأحاديث الدّالة على أهمية التمر في حياة المسلمين، ومنها عن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من تصبّح بسبع عجوات، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر».وقوله صلى الله عليه وسلم «إذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر، فإن لم يجد، فليفطر على ماء، فإنه طهور».
وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم «إذا أفطر أحدكم فليفطر على رطبات، فإن لم يجد، فعلى تمرات».
ومع كل ما فيها من فائدة وأجر ومنفعة، يشير صلى الله عليه وسلم، على رخص ثمنه، وتوفره بين الناس أكثر من غيره، بقوله «اتق الله ولو بشقّ تمرة»، دلالة على أهمية التصدق ولو بالقليل، وعلى أن شق التمرة من أقل القليل.
كما ما جاء في الصحيحين، عن ابن عمر (رضي الله عنهما) أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم.. لا يسقط ورقها»، ثم قال «هي النخلة».
وقد أستدل في الحديث على أوجه التشابه الأخرى بين الإنسان ونخلة التمر، ومنها:-
أن كلاهما (الإنسان والنخلة) منهما الذكر والأنثى، وأنهما لا يلدان (يثمران) إلا بالتلقيح، وأن كلاهما يموتان إن قطع رأسهما، وأن قلب كل منهما يموت إن تعرّض لصدمة شديدة، وأن الإنسان لا يستطيع تعويض مفاصله، مثلما لا تستطيع النخلة تعويض صعفها، وأن الإنسان له شعر شبيه بالليف الموجود عند النخيل، وأنهما يمرضان ويشفيان بعد المرض.
كما أن مواصفات النخلة الذكر، شبيهة بمواصفات الرجل، ومواصفات النخلة الأنثى، قريبة من المرأة. ومن أهم تشابه هذه الصفات، أن النخلة الذكر تشيخ في السبعين من عمرها، فيما تتوقف النخلة الأنثى عن إنتاج الثمر في الخمسين من عمرها.
وعندما أرسل أبو بكر (رضي الله عنه) حملة بقيادة أسامة بن زيد لفتح الشام، أوصاهم من جملة ما أوصاهم بقوله: «ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه».
التمر عند العرب
عرف التمر لفترة طويلة من تاريخ الجزيرة العربية بأنه «خبز العرب»، حيث لا يخلو منزل من التمر، ولا تخلو سفرة أو جلسة منه.
جاء في لسان العرب، عن كلمة (تمر): التمر حمل النخل اسم جنس واحدته تمرة وجمعها تمرات بالتحريك والتمران والتمور بالضم جمع التمر. ويقال: تمرت النخلة وأتمرت، كلاهما حملت التمر، وتمر القوم يتمرهم تمرا وتمرهم وأتمرهم أي أطعمهم التمر، وتمرني فلان أي أطعمني تمرا.
واعتاد العرب في شبه الجزيرة العربية، على أكل التمر خلال العام كاملاً.. لذلك فهو متنوع في الطعم والشكل والاسم، حسب الموسم، فقد يؤكل قبل أن ينضج تماماً، ويسمى في هذه الحالة «بسراً» كالبرحي والخنيزي، ولا يمكن أكل هذه الأنواع بهذه الصورة، إلا خلال موسم قصير..
لذلك يجد الإنسان نفسه أمام كمّ كبير من التمر البرحي والخنيزي غير المكتمل النمو، في الأسواق والمنازل وبين الأصدقاء، فكثيراً ما اجتمع مجموعة من المقربين، على علبة أو صحن به هذا النوع، والذي لا يلبث أن يتحوّل إلى نوع آخر.
وبعد البسر، يتحوّل التمر إلى «رطب»، ويكون أول النضج.. ويتمتع بالمذاق الحلو، إلا أنه سريع العطب، لا يتحمّل الحر والتخزين الطويل، فيرخص ثمنه قليلاً، ويؤكل من حينه.
ثم يتحول الرطب إلى تمر، إذا اكتمل نضجه، ويتم تخزينه وتجفيفه ورصّه وتغليفه، ليتحمّل أطول مدّة ممكنة من الزمن، يتزوّد به الناس خلال الأشهر الطويلة التي تفصلهم عن نضج التمر مرة أخرى على أشجار النخيل.
وارتبط التمر بالكثير من العادات العربية، منها الكرم، والترحيب بالضيف، وملازمتها لشرب القهوة، «بهار القهوة التمر»، ومن العادة المتوارثة، تقديم القهوة ثلاث مرات، مرة أول قدوم الضيف، والثانية بعد أكل التمر، والثالثة بعد تناول الطعام. كما ارتبط التمر ببعض العادات الجميلة، منها عادة «الفوالة»
والتي بقيت لفترة طويلة رمزاً للضيافة والكرم في الإمارات العربية، حيث يجتمع النساء والرجال كل يوم في أحد المنازل كل على حدة، أو تطوف نساء الحي على كل منزل من منازل «الفريج» ويضيفون بالفوالة المتمثلة بمأكولات الشعبية والقهوة والتمر في كل منزل.
ولم يستطع العرب تحمّل السفر والترحال وقلة أنواع الطعام، إلا بالتمر، الذي يحتوي على كميات كبيرة وكافية من أنواع عديدة من الفيتامينات والأحماض الأمينية فضلاً عن البروتين والمعادن الكثيرة. وقد كتب أحد الكتاب الغربيين، حيث زار الخليج العربي قبل عشرات السنين، ان الخيول العربية التي كانت تأكل التمر فقط، وتشرب الماء، كانت قادرة على تحمّل السير طوال اليوم.
إنتاج واستهلاك التمر عربياً:-
في الوطن العربي، يوجد اليوم عشرات الملايين من أشجار النخيل، التي تنتج التمر سنوياً، بملايين الأطنان، ففي الإمارات العربية المتحدة، كان عدد النخيل الكلي عام 1983 حوالي 2 مليون نخلة. وقد زاد هذا العدد ليصبح حوالي 25 مليون نخلة عام 1997، وفق ما أشارت إليه إحصاءات وزارة الزراعة والثروة السمكية الإماراتية. ثم زاد هذا العدد ليصل إلى 7,40 مليون نخلة عام 2004.
وحسب الإحصاءات التي أوردتها الدراسات المتخصصة، فإن إنتاج التمر عربياً، يشهد ارتفاعاً مطرداً، وخلال العام 2002، وصل إنتاج التمر في الإمارات مثلاً إلى نحو 758 ألف طن. لتحل بالمرتبة الثانية عربياً بعد مصر، التي أنتجت أكثر من مليون طن (1113270) طن، تلتها السعودية ب (735000) طناً، ثم العراق ب (650000) طن.
وتنمو شجرة التمر في عدّة مناطق في الوطن العربي، بسبب الجو المناسب لشجر النخيل، ومنها، أن شجرة التمر قد تنمو، ولكن لا تزهر وتعطي التمر في درجات الحرارة المنخفضة، بل تحتاج إلى درجة حرارة 18 درجة مئوية في الظل، على الأقل، كي تزهر وتثمر. كما أن الجو الرطب لا يساعد النخيل على إنضاج التمر، لذلك يحتاج التمر إلى جو جاف وحار، كي ينضج، ويتخلص من طعمه المر، ويتحوّل إلى حلاوة كاملة.
أما الأمطار، فقد تذهب بالكثير مما في النخيل من قدرة على إنتاج التمر، فالمطر إذا هطل بعد التلقيح، وجب إعادته، وإذا جاء المطر وقت النضوج، لم تنضج الثمرة، وإن قد يصاب التمر بالعفن. وكل هذه الأمور، جعلت شجر التمر ينمو ويزدهر في مناطق الخليج العربي، والكثير من الدول العربية الأخرى، كمصر وليبيا والعراق وغيرها.
كل تلك الأسباب، ربطت العرب بالتمر، وأصبح الاهتمام بأنواع التمر وتخزينه وصنع أطعمة أخرى منه، سبباً في زيادة أهميته لهم.
لذلك، نجد أن التمر يشكّل جزءاً مهماً من تراث العديد من الشعوب العربية، خاصة دول الخليج ومصر والعراق، وبعض دول المغرب العربي. وباتت الكثير من الصناعات تعتمد على هذه الثمار الناضجة.
كما أن الاستهلاك الخاص من التمر، يعد مرتفعاً بالنسبة لأي نوع آخر من الفاكهة، على سبيل المثال، تبين دراسة للدكتور خالد الرويس، والدكتور صبحي إسماعيل من جامعة الملك سعود، أن متوسط استهلاك الأسرة السعودية في الرياض من مادة التمر، يصل إلى 123 كيلوغرام في العام الواحد، أي أكثر من 10 كيلوغرامات في الشهر الواحد.
أما الدكتور سعد بن عبدالله عيسى (مدير عام إدارة التسويق بوزارة الزراعة في السعودية) فيرى أن متوسط استهلاك الفرد الواحد من التمر، يعادل 35 كيلوغراماً في العام الواحد.
أنواع التمر في العالم//
تتنوع أصناف وأنواع التمر في الوطن العربي، إلى مئات الأنواع، إلا أن أشهرها، وأكثرها انتشاراً (80) صنفاً، ومنها (أبودعن، أبو معان، أصابع العروس، برتمودا، بلعق، بنت عيشة، جبجاب، مرجود، حلاوي، سرجي، فرالي، قش بطاش، مدجول، مرزبان، دقلة نور، مناخيز، هلالي، يتيمة) وغيرها كثير.
وفي الإمارات العربية المتحدة، يوجد 111 نوعاً من أنواع التمر، يشتمل على بعض الأصناف ذات الأصل البذري والمتعارف عليها بالجشوش.
أما في المملكة العربية السعودية، فيوجد أكثر من 400 نوع، ومنها (البرحي، والبرني، وحلوة، وحمراء، وسكري، وخلاصي، ورزيزي، ونخيمي، ومكتومي) وغيرها إلا أن الأستاذ عبدالرحمن بن زيد السويداء، يرى في كتاب له بعنوان «النخلة العربية» أن أنواع التمر في السعودية ليست أكثر من 150 نوعاً، ويقول معلقاً على الدراسات التي أشارت إلى وجود 400 نوع من التمر في السعودية: «حينما استعرضت هذه الإحصاءات، وأعدت تحليلها بإعادة هذه الأصناف إلى مواطنها، اتضح أن هناك 150 صنفاً فقط من تلك الأصناف، وربما كان مرد هذا النقص والتفاوت الواضح، إلى تكرار الصنف الواحد عدّة مرات، في مناطق مختلفة».
وبشكل عام، يوجد في العالم أصناف وسلالات عديدة من التمور، تتجاوز (2000) صنف. منها نحو 400 صنف معروف في شبه الجزيرة العربية، وفي سلطنة عمان هناك أكثر من 300 صنف، وفي العراق أكثر من 600 صنف، وفي ليبيا 400 صنف، وكذلك في إيران.
وفي الولايات المتحدة، انتقل التمر إليها عن طريق بعض المغامرين الأميركيين، الذين استوردوا قبل عشرات السنين، شجيرات النخيل، وزرعوها هناك، ويصل اليوم أنواع التمر في أميركا إلى أكثر من 140 صنفاً.
قصّة نقل النخيل إلى الولايات المتحدة:-
قام بعض المغامرين الأميركيين، من بينهم هنري سيمون، الرحالة الذي عاش لسنوات طويلة قرب مكة المكرمة، بنقل أنواع معينة من فسائل النخيل، إلى الولايات المتحدة، باحثاً عن أماكن محددة في أميركا، يشبه مناخها مناخ الجزيرة العربية.
ووجد هنري مكاناً مناسباً في وادي صحراوي في جنوب شرق ولاية كاليفورنيا، يدعى وادي «الكوتشلا»، حيث زرع فيه أنواعاً معينة من الفسائل، فأنتجت ونجحت التجربة.
ومع بدايات العام 1913م، والسنوات العشر التي تبعتها، تشكّلت عدة شركات لزراعة النخيل في وادي الكوتشلا، وأرسلوا ممثلين لهم إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لشراء أعداد كبيرة من فسائل النخيل من مختلف الأصناف. وباتت فسلات النخيل تصل بالآلاف من تلك المناطق، لزراعتها في أميركا.
واليوم يعتبر وادي الكوتشيلا، منطقة شبيهة بمزارع النخل الموجودة في الخليج العربي، حيث تحوّلت إلى واحة خضراء عملاقة، حيث يوجد فيها أكثر من 220 ألف نخلة تمر. ويشهد الوادي كل عام منذ 1921، وحتى اليوم، مهرجاناً يدعى «مهرجان التمر» يستمر لمدة عشرة أيام، ويستقطب ربع مليون زائر تقريباً. ممن يأتون لمتابعة المهرجان الذي تتحسن فقراته ومرافقه وخدماته عاماً بعد عام.
وبات اليوم يضم فعاليات فنية وثقافية وأدبية، ويبدأ بظهور الملكة «شهرزاد» ومعها أميرات البلاط الملكي، واللواتي يتم اختيارهن عبر مسابقة سنوية لهذا الغرض.
ويتذوّق الزائرون أنواع التمور المختلفة والمتنوعة، التي يرفل بها الوادي، والذي يعتبر اليوم مركزاً من مئات المراكز التي تزرع النخيل، وتنتج التمور سنوياً.
التمر في الأحلام:-
كما هو في الواقع، يحظى التمر بمكانة مرموقة حتى في تأويل الأحلام وتفسير المنامات.. فابن سيرين، يقول: «إن التمر حلاوة الإيمان»، نسبة إلى حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فسّر منام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، حين رأى نفسه في المنام يأكل تمراً، بحلاوة الإيمان. ويقول ابن سيرين: «التمر لمن يراه، يدل على المطر. ولمن أكله رزق عام خالص يصير إليه، وقيل انّه يدل على قراءة القرآن، وقيل انّ التمر يدل على مال مدخر.
ورؤيا الأكلِ الدقل يكون للذميين. وقيل من رأى كأنّه يأكل تمراً جيداً، فإنّه يسمع كلاماً حسنا نافعاً. ومن رأى كأنّه يدفن تمراً، فإنّه يخزن مالاً، أو ينال من بعض الخزائن مالاً. ومن رأى كأنّه شق تمرة وميز عنها نواها، فإنّه يرزق ولداً، لقوله تعالى: «إنَّ الله فَالِقُ الحَبِّ والنّوى» الآية.
ورؤيا أكل التمر بالقطران دليل على طلاق المرأة سراً. وأما رؤية نثر التمر، فنيّة سفر. والكيلة من التمر غنيمة. ومن رأى كأنّه يجيء ثمرة من نخلة في ابانها، فإنّه يتزوج بامرأة جليلة غنية مباركة. وقيل انّه يصيب مالاً من قوم كرام بلا تعب، أو من ضيعة له، وقيل يصيب علماً نافعاً يعمل به».
التمر في الشعر العربي:-
كان ولا يزال للتمر، مكانة مميزة في الشعر العربي، الذي كتب عن التمر مدحاً وحباً له، كما جاء ذكره في أشعار الغزل، وعرض في بعض القصائد المتنوعة التي تعالج قضايا عديدة، وذكر في أشعار الحكمة والوعظ.
ويبدو أن كلّ ما كتب عن التمر، لم يصب مكانته بين العرب، ولم ينل شرف تقديره، ما جعل أحمد شوقي يكتب في التمر قائلاً:
لا تحسبنَّ المجْدَ تمرَا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.