الأهرام 10/07/2008 الدعوة لا تنقطع لضرورة الاهتمام بتدريس العلوم وتشجيع العلماء, وغالبا مايكون المقصود في هذا السياق العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء وكذلك الطب والهندسة في مقابل العلوم الإنسانية كالاجتماع وعلم النفس والفلسفة وما إلي ذلك, وليس من شك في أن لتلك الدعوة مايبررها خاصة أننا نستورد ونستهلك منتجات تلك العلوم من الإبرة إلي الصاروخ, ولذلك رسخ لدينا أن اتقان دراسة تلك المقررات العلمية كفيل بدفعنا للحاق بركب الدول المتقدمة. ولكن غاب عنا أن التقدم لايمكن تجزئته بمعني أننا لايمكن ان نحرز تقدما في العلوم الطبيعية ونظل علي تخلفنا في العلوم الانسانية, فالغرب الذي نسعي للحاق به متقدم في المعرفة العلمية بشقيها, وبما كانت الفجوة التي تفصلنا عنه في العلوم الانسانية أوسع بكثير من تلك التي تفصلنا عنه في العلوم الطبيعية. لقد أتيح لي التعمق الأكاديمي المتخصص في مناهج البحث وتصميم البحوث خلال دراستي وظللت علي صلة وثيقة بذلك الفرع خلال تدريسي له في عدد من أقسام علم النفس في الجامعات المصرية لما يقرب من الأربعين عاما, وتعمقت تلك الصلة حين تمكنت في مطلع السبعينيات خلال انجازي لرسالة الدكتوراه, من التوصل الي أسلوب في البحث العلمي لم يكن مطروقا, آنذاك, وهو أسلوب إعادة التركيب. وخلال تلك المسيرة أتيحت لي فرصة استثنائية نادرة, إذ دعاني أصدقاء أفاضل لإلقاء عدد من المحاضرات لطلاب الدراسات العليا في كلية الهندسة بجامعة عين شمس, وكليات الطب في جامعات القاهرة وعين شمس والأزهر, وبطبيعة الحال لم يكن لتلك الخبرات الاستثنائية أن تحدث لو لم يسعدني الحظ بصداقة عدد من العلماء الكبار المتخصصين في تلك الفروع العلمية والذين اتسعت رؤيتهم للتعرف علي ماينقص طلابهم آنذاك, أذكر منهم من أساتذة الطب النفسي الصديق الراحل عادل صادق والأصدقاء الأعزاء محمد شعلان ويحيي الرخاوي, فضلا عن الصديق حامد الموصلي أستاذ الهندسة المعروف, وبطبيعة الحال لم يكن لمثل تلك الخبرات الاستثنائية أن تتكرر. لقد اكتشفت آنذاك ان هؤلاء الأبناء الذين أتاح لهم تفوقهم العلمي الالتحاق بتلك الكليات العلمية المتخصصة واجتياز سنوات الدراسة فيها بنجاح يؤهلهم للالتحاق بالدراسات العليا لم يتلقوا عبر مختلف مراحل تعليمهم من رياض الأطفال الي الحصول علي الدكتوراه مقررا واحدا يحمل اسم المنطق أو مناهج البحث أو طرق التفكير العلمي باعتبارها جميعا تدخل ضمن تخصصات التعليم الأدبي وتحديدا الفلسفة ومن ثم فإنهم يتعجبون من النظر الي مادة مناهج البحث باعتبارها علما متخصصا يتطلب دراسة أكاديمية متخصصة ولايجوز الاعتماد فيه علي الاجتهاد والتقليد أو حتي الخبرة السابقة مهما كانت, وأذكر تساؤلا ردده هؤلاء الأبناء علي استحياء في بداية تدريسي لهم: تري ماحاجتنا لأستاذ قادم من خارج تخصصنا العلمي المنضبط ليحدثنا فيما لايتصل مباشرة بأسرار المواد الجامدة والحية؟ ألا يعد ذلك نوعا من التفلسف لا حاجة لنا به؟ ثم ما علاقة علمنا الصارم الدقيق اليقيني الذي لايعرف سوي1+1=2 بحديث عن الفروض والاحتمالات ونظريات المصادفة وأسس التفكير والتحليل المنطقي وما إلي ذلك؟ وبذلت ما وسعني من جهد لإبراز حقيقة أن الإلمام بمناهج البحث وقواعد الاستدلال والتفكير المنطقي, هو الذي يفرق بين الإبداع العلمي والاتقان الحرفي, وأن جوهر الابداع العلمي يقوم علي الشك فيما هو مستقر ومحاولة تجاوزه في حين لايتجاوز الإتقان الحرفي حدود الالتزام بأصول الصنعة كما سبق تعلمها. لقد تعاطفت مع هؤلاء الأبناء والتمست لهم العذر, فقد كان طبيعيا في ظل نظام تعليمي لا يتضمن مقررا دراسيا واحدا يحمل شبهة دراسة المنهج العلمي القائم علي الشك وقواعد تفنيد الأفكار, أن ترسخ لدي هؤلاء الأبناء عقيدة مؤداها ان التفكير لايحتاج الي تعليم أو تدريب وأن تمحيص الأفكار الثابتة تزيد لامعني له, وأنه يكفي للتسليم بصواب فكرة معينة أن تبدو منطقية أو ان تصدر عن مصدر ثقة أو أن تتفق مع مشاهدات واقعية أو أن تكون متكررة لزمن طويل. وحين أنظر اليوم الي ابنائي طلاب الدراسات العليا في مجال الانسانيات أكتشف ان الوباء قد استشري, فرغم أن هؤلاء الأبناء قد درسوا مقررات في العلوم الانسانية فإنهم لايختلفون من حيث الجوهر عن أقرانهم من دارسي العلوم الذين التقيت بهم منذ سنوات بعيدة: يضيقون أشد الضيق, مما يتعارض مع ماألفوه, ويفزعون غاية الفزع اذا ما طلب منهم إعادة التفكير فيما اطمأنوا اليه من أفكار. لقد تشرب الجميع مناخا ثقافيا تسوده اليقينية, يسانده مناخ إعلامي يغلب عليه الطابع الغوغائي الرجعي, وانعكس ذلك كله علي مضمون المقررات التعليمية ايا كانت مسمياتها بحيث أصبحت تقوم علي انتقاء أشد التأويلات جمودا وتطرفا من التراث الديني والوطني بل والعلمي أيضا باعتبارها التأويلات الأنسب للحفظ والاسترجاع والتي تريح الجميع من مشقة التفكير الإبداعي الناقد.