تفاصيل لقاء السيسي ورئيس جامعة هيروشيما اليابانية (صور)    اجتماع مهم مساء اليوم بشأن سعر الفائدة على الدولار.. تعرف على القرار المتوقع    النائب عبدالمنعم إمام يرفض تعديلات المعاشات: غير كافية ولا ترقى لمعالجة قانون يمس 40 مليون مواطن    "الإحصاء": تراجع معدل البطالة إلى 6.3% عام 2025    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    عاجل غارات إسرائيلية مكثفة تتجاوز "الخط الأصفر" إلى شمال الليطاني جنوب لبنان    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يتفقدان مشروعات التطوير باستاد العريش    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    مصرع طفل أثناء لهوه بطيارة ورقية بجوار محول كهرباء فى طوخ    تأجيل محاكمة متهمي اللجان الإدارية لجلسة 20 يونيو    خيري بشارة: أتحمل نتيجة إخفاقاتي وفاتن حمامة آمنت بي    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. خيري بشارة: كابوريا نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    وزير الداخلية: عمال مصر يمثلون أحد أعمدة البناء الأساسية    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    وزيرة التضامن الاجتماعي: دعم وتمكين ذوي الإعاقة على رأس أولويات الدولة    مريض نفسي وراء ضرب شقيقتين أثناء سيرهما بأحد شوارع الجيزة    وزير التخطيط: نتطلع لآفاق أوسع من التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    وزير التعليم العالي يتابع أداء الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية    عمرو يوسف: "الفرنساوي دفعني للتفكير في العودة لممارسة المحاماة"    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    رفع 2031 طن قمامة وتحرير 132 محضرا تموينيا بكفر الشيخ    أقل شقة بمليون جنيه …الإسكان الإجتماعى للأغنياء فقط والغلابة خارج حسابات الحكومة    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    خلافات على الأرض.. النيابة تحقق في واقعة سرقة محصول قمح بالشرقية بعد ضبط المتهم الرئيسي    إسرائيل تمهل لبنان أسبوعين للاتفاق وتلوح بتصعيد عسكري    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وادي دجلة يستضيف الاتحاد السكندري بالدوري    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    مسؤول أممى: اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة يزداد تدهورا    قمة أوروبية مشتعلة الآن.. أرسنال في اختبار صعب أمام أتلتيكو مدريد بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2026 (بث مباشر + القنوات والتشكيل)    ترامب: الملك تشارلز يتفق مع منع إيران من امتلاك قنبلة نووية    تحرير 38 محضرا لمخابز بلدية لمخالفتهم مواصفات الإنتاج بالبحيرة    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    "أبيض من الداخل وغريب الشكل".. علامات تشير إلى معرفة البطيخ المسرطن؟    أسعار اللحوم اليوم الأربعاء 29 أبريل في الأسواق    الكونجرس يستجوب وزير الحرب الأمريكي لأول مرة منذ بدء الحرب ضد إيران    فيفا يتخذ إجراء صارما بعد واقعة فينيسيوس قبل كأس العالم 2026    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    الأهلي وسبورتنج يتأهلان إلى نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    سقوط «إمبراطور الكيف» في قبضة أمن القليوبية بالخصوص    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الهجرة العربية الى فرنسا..الأسباب والتحديات
نشر في أخبار مصر يوم 24 - 12 - 2007

بداية التواجد العربي في فرنسا
استقبلت فرنساعلى مدار تاريخها أناسا من مختلف البلدان. ولكن موجات الهجرة زادت بصفة خاصة في نهاية القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية، وذلك بسبب إحتياج فرنسا فى هذا الوقت إلى إيدي عاملة كثيرة للعمل بالمصانع . وكانت فرنسا تعانى فى هذا الوقت من نقص في عدد المواليد وبالتالي من تدهور في عدد السكان ولذلك اضطرت لاستقبال الموجة الكبرى الأولى من موجات الهجرة،والتى استمرت من عام 1870 حتى عام 1910 .
بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط مليون ونصف قتيل في الحرب اضطرت فرنسا من جديد لاستقبال موجة ثانية من الهجرة الأجنبية، وأصبحت فرنسا عندئذ البلد الثاني للهجرة في العالم بعد الولايات المتحدة. ولكن هذه الهجرات الأولى كانت أوروبية في معظمها: أي إيطالية، وإسبانية، وبرتغالية و لم يكن هناك إلا قلة من العرب و المسلمون .
بعد الحرب العالمية الثانية اضطرت فرنسا إلى استقبال الموجة الثالثة للهجرة. وكانت هذه المرة في معظمها من دول شمال إفريقيا ،بمعنى آخر فإنها كانت هجرة عربية إسلامية في معظمها.
وكانت السلطات الفرنسية تشجع هجرة العمال خلال الحرب العالمية الأولى لحاجتها إليهم من أجل العمل في مصانع الأسلحة الفرنسية، والاستفادة منهم في حروبها الاستعمارية في الهند الصينية وأفريقيا.
ويذكر ان عدد المهاجرين حاليا أرتفع ليصل إلى اكثر من خمسة ملايين عربي قدموا معظمهم من دول المغرب العربي، ويعيش أغلبهم في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، في ضواحي باريس والمدن الرئيسية تحت قوانين فرنسية قاسية.
فقد أصدر وزير الداخلية الفرنسي السابق شارل باسكوا -وهو من قادة الديجوليين- قبل سنوات قوانين متشددة ضد المهاجرين في فرنسا، ما جعل مجلة "كوريي إنترناسيونال" الأسبوعية تصف فرنسا بعد صدور تلك القوانين بأنها أصبحت قريبة من نظام الستار الحديدي الذي كان يفرضه الاتحاد السوفياتي سابقا على دخول الأجانب إليه.
ونص القانون على أخذ بصمات الأجانب المقيمين في فرنسا بصورة غير شرعية، وعلى تمديد فترة الاعتقال تمهيدا لطرد الأجانب خارج فرنسا. وذلك الى جانب قانون "الهجرة المختارة " الذي أصدره الرئيس الفرنسى ساركوزى حول عندما كان وزيراً للداخلية الفرنسية
وكانت التنظيمات العربية في فرنسا قد حققت بعض النجاح في جهودها من أجل إقرار الحقوق القانونية للمسلمين في فرنسا بصدور اتفاقية 28 يناير/ كانون الثاني 2000 التي تعترف بموجبها الحكومة الفرنسية بالإسلام كدين رسمي ضمن الأديان المعترف بها في فرنسا مثل المسيحية واليهودية. هذه الاتفاقية تعد نقطة تحول هامة في تاريخ العرب والمسلمين في فرنسا.
ومن المعروف أن فرنسا دولة علمانية منذ عام 1905، وتعتبر المعتقدات الدينية أمورا شخصية لدى المواطنين، ولهذا فإن الحكومة الفرنسية لا تتدخل في شؤون الأفراد الدينية مهما كانت ديانتهم، كما أنها لا تعترف بأي دين ولا تفضله، ولكنها تضمن للجميع حق ممارسة شعائرهم الدينية.
ونظرا لوجود ترتيبات خاصة منذ سنوات بين الحكومة وبين الطوائف الدينية الرئيسية الثلاث -وهي الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية- فقد شجعت فرنسا وجود "إسلام فرنسي" لا مسلمين في فرنسا، أي أنها تريد انصهار المسلمين في المجتمع العلماني الفرنسي مثلما حدث مع الديانات الأخرى. وكان ساركوزي صريحا عندما أعلن هذا التوجه لدى فرنسا، وقال "علينا بناء إسلام لفرنسا وليس الاعتراف بالإسلام في فرنسا".
إلا أن العرب وقتها من جهة ثانية لم يستطيعوا بناء مؤسسات قوية قادرة على التأثير على صانعي القرار هناك وتدافع عن حقوق المسلمين، كما أنهم جاؤوا من دول عربية مختلفة فيما بينها، ما جعل اتفاقهم في فرنسا أمرا صعبا، ونقل بعضهم المشاكل التي كانت تواجه بلدانهم إلى فرنسا. ولهذا فهم لا يشعرون بالأمان والاستقرار بسبب القوانين الفرنسية المفروضة على الأجانب، حتى من يحمل منهم الجنسية الفرنسية.
ومع أن الاستعمار الفرنسي والأوروبي على الوطن العربي هو الذي كان يهدد العرب عبر سنوات طويلة، فإن فرنسا هي التي تشعر الآن بخطر يمكن أن يأتيها من تزايد أعداد الأقلية العربية في الأراضي الفرنسية. ولهذا فقد تطورت صورة العربي في العقل الفرنسي من ضحايا عانوا من الحروب والاستعمار والتآمر الأوروبي إلى اتهامهم بالتطرف والإرهاب.
أسباب هجرة العقول العربية
حدد الاتحاد البرلماني العربي في مؤتمره العاشر بالخرطوم بتاريخ 11 فبراير/ شباط 2002 خمسة أسباب لظهور وتفاقم ظاهرة هجرة العقول العربية وهي:
1 ضعف وانعدام القدرة على استيعاب أصحاب الكفاءات الذين يجدون أنفسهم، إما عاطلين عن العمل أو لا يجدون عملا يناسب اختصاصاتهم في بلدانهم (الجراحات الدقيقة، الطب، الهندسة، الالكترونية وعلوم الليزر).
2 ضعف المردود المادي لأصحاب الكفاءات.
3 انعدام التوازن في النظام التعليمي، أو فقدان الارتباط بين أنظمة التعليم ومشاريع التنمية.
4 عدم الاستقرار السياسي أو الاجتماعي والإشكاليات التي تعتري التجارب الديمقراطية العربية والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى شعور بعض أصحاب الخبرات بالغربة في أوطانهم، أو تضطرهم إلى الهجرة، سعيا وراء ظروف أكثر حرية وأكثر استقرارا.
والى جانب هذه الأسباب الأساسية، يمكن أن توجد عوامل أخرى موضوعية أو ذاتية تدفع أصحاب الخبرات إلى الهجرة كالبيروقراطية الإدارية وأنظمة الخدمة المدنية، وبعض التشريعات والتعهدات والكفالات المالية التي تربك أصحاب الخبرات، إلى جانب أسباب عائلية أو شخصية فردية.
وفي تقرير رسمي آخر حول "العمالة العربية المهاجرة" أعده المدير العام لمؤسسة العمل العربية الدكتور ابراهيم قويدر أوضح فيه وجود أسباب مشتركة وراء الهجرات العلمية بدءا من اشكال القهر والحرمان من الحقوق السياسية وكبت الحريات أو أسباب عامة منها عدم توافر امكانات البحث العلمي في الدول التي تتم الهجرة منها أو الامكانات المادية من معامل ومختبرات وتمويل وفرق عمل بحثية متكاملة.
ويؤكد تقرير مركز دراسات الدول النامية بجامعة القاهرة الصادر في 2006 على تزايد ظاهرة هجرة العقول وان عدد الكفاءات المصرية المهاجرة للخارج بلغ 824 ألفا حتي عام 2003 .
الخريطة السكانية والإنتخابية للمهاجرين العرب فى فرنسا
تضمن إحصاء أجرته السلطات الفرنسية عام 2004 أنه يوجد في فرنسا حوالي الخمسة مليون أجنبي مغترب. وهذا يعني أنهم يشكلون نسبة 8 بالمائة من عدد سكان فرنسا. ولكن أربعين بالمائة من هؤلاء يحملون الجنسية الفرنسية: أي حوالي المليوني نسمة. أما أولئك الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية فيصل عددهم إلى 96. 2 مليون نسمة: أي نسبة 60 بالمئة من كل المهاجرين.
ويذكر أن عدد المسلمين في فرنسا نحو ستة ملايين نسمة، يشكِّلون 10% من السكان، وقد جاءوا من 53 دولة، ويتحدثون 21 لغة مختلفة إلى جانب الفرنسية، ويمثل الجزائريون أغلبية كبيرة من مسلمي فرنسا.
وتشير الإحصاءات إلى أنّه من جملة ستة ملايين مسلم في فرنسا هناك حوالي مليونين من المولودين بفرنسا أغلبهم ممن يسمون بالمصطلح الجزائري (الحركيين) أي أبناء المتعاونين مع فرنسا من الجزائريين خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر بحسب صحيفة البيان الإماراتية.
أمّا البقية وهم أربعة ملايين فهم مهاجرون جاءوا من بلدان إسلامية وعربية متعددة.. وبشكل عام يمثل الجزائريون أغلبية الجالية المسلمة في فرنسا بتعداد يقدَّر ب 800 ألف نسمة، يليهم المغاربة( 600 ألف) ، ثم التونسيون (500 ألف )، والأتراك (200 ألف)، ثم يأتي ترتيب الأفارقة من جنوب الصحراء واللبنانيين المسلمين.
ويبلغ عدد العرب الذين يحق لهم التصويت نحو مليونين ونصف من أصل خمسة ملايين عربي موجودين في فرنسا، لكن نسبة المسجلين منهم على اللوائح الانتخابية قد تصل 80%، أي مليوني ناخب. وهذا يؤكد أهمية الصوت العربي في حال مشاركتهم جميعا في الانتخابات، ما دفع بالمرشحين لمنصب الرئاسة إلى أن يحيطوا أنفسهم بمستشارين من أصول عربية إسلامية لاستقطاب أصوات العرب.
وقد عين ساركوزي اثناء حملته للرئاسة ناطقة عربية باسمه وهي القاضية رشيدة داتي التي عملت إلى جانبه في وزارة الداخلية منذ عام 2002 لتحسين صورته أمام الشباب والعرب. وعينت رويال مرشحة الحزب الاشتراكي، المغربية نجاة بلقاسم مساعدة لها، وهي متخرجة من معهد العلوم السياسية الراقي في باريس. كما كان الرئيس جاك شيراك قد عين خلال حملته الانتخابية قبل خمس سنوات فاطمة زلاغي الحاصلة على شهادة الدكتوراه وأمينة التجانس في حزب التجمع من أجل الجمهورية ، مستشارة له.
وعين حزب الخضر سعدية عياطة نائبة عمدة الدائرة الثامنة عشرة في باريس مستشارة، فتوزعت أصوات الناخبين العرب في الجولة الأولى من انتخابات 2002 على المرشحين الثلاثة الرئيسيين كالتالي: 66% من الأصوات العربية ذهبت لشيراك، و28% لمرشح الحزب الاشتراكي جوسبان، و6% للوبن. وفي الجولة الثانية ارتفع تأييد الناخبين العرب لشيراك إلى 85%، وللوبن الذي خاض الجولة الثانية إلى 14%.
وبسبب اهتمامهم بكسب أصوات الناخب العربي، فقد زار ساركوزي ورويال -كل على حدة- الجزائر والمغرب وتونس والأراضي الفلسطينية قبل الانتخابات بفترات قصيرة، كما زارا الأحياء الشعبية ذات الأغلبية العربية ومسجد باريس في وسط العاصمة الفرنسية.
وهذا يدل على ظهور وعي حقيقي في أوساط الأقلية العربية بفرنسا في السنوات الأخيرة، وعلى ضرورة المشاركة في الحياة السياسية الفرنسية، وعدم بقائها على هامش اللعبة السياسية إذا أرادت أن تدافع عن حقوقها.
ويعود ذلك إلى أن بعض النشطاء في الأقلية العربية بدؤوا يدخلون في الحياة السياسية وينخرطون في الأحزاب الفرنسية اليسارية بشكل خاص، لاعتقادهم بأن تلك الأحزاب كانت تسهل معاملات المهاجرين العرب عند وجودها في السلطة.
إشكاليات وتحديات أمام المهاجرين
تظل مسألة تشكل الهوية والعوامل التي تخضع لها، ووضع المهاجر وعلاقته بالآخر في ظل تمسكه بهويته الحقيقية، وما يعترضه من عوائق في إشكالية الاندماج، وخاصة نظرة المجتمع الفرنسى الى المهاجر القادم من البلاد العربية المختلفة فى التقاليد والعادات والدين موضع جدل واسع النطاق.ويوضح توجه ساركوزي نحو ما يريده للإسلام في فرنسا، فى كلمته الشهيرة حيث ظل يردد عندما كان وزيرا للداخلية رغبته في بناء إسلام لفرنسا وليس الاعتراف بالإسلام في فرنسا.
ثم أن هاجس (الإسلاموفوبيا) والذى يعتبرأهم تعبيرات العنصرية في أوروبا و آثار الكثير من الجدل والحبر في أوساط المثقفين الفرنسيين وعامة الناس هو من الاشكاليات الهامة الموجودة هناك .
وتشير التقارير وروايات المهاجرين الى معاناة المهاجرين من الجالية العربية في فرنسا من التهميش وانتهاك الحقوق، وهذا الذي دفع بعض الكتاب العرب بطرح سؤال هام هو: هل من لوبي عربي في فرنسا يستطيع إعادة الحقوق والإعتبار لأبناء هذه الجالية؟
وجدير بالذكر ان الهجرة العربية الكلية للبلدان الأوروبية تقدر ب ( 13.7 ) مليون مهاجر , وتمثل الهجرة المغاربية أى الاتحاد المغربى حوالى (82 %) من الهجرة العربية , ويتركز فى فرنسا وحدها نحو 60% من هذه الهجرة هناك .
ومع تدعيم أركان الوحدة الأوروبية , جعل المهاجرين العرب أمام معضلات تهدد ظروف حياتهم وعملهم , ويأتى فى مقدمة هذه المشاكل :
1- فرص التشغيل التى تتضاءل أمام المهاجرين العرب لصفة العربى فيهم خاصة بعد انفتاح أوروبا أمام العائلة الأوروبية.
2- مشاكل خاصة بالجيل الثانى والثالث للمهاجرين العرب , ويأتى فى مقدمتها قضية الهوية والثقافة الدينية وآفاق المستقبل وفرص الاندماج الصعبة والعودة المستحيلة .
3- تقريب الفجوة بين روح الدساتير والقوانين والممارسة الدولية بما تحمله من سمات العنصرية وعلامات نبذ تتبخر معها الحقوق وتتدعم الواجبات .
وكانت منظمة العمل العربية , قد حذرت فى ضوء أحداث 11 سبتمبر 2001 من مستقبل العمالة العربية المهاجرة فى أوروبا وأمريكا , ورد الفعل على بلدان الغرب على أوضاع الجاليات العربية وكذلك أوضاع العمالة فى هذه البلدان خاصة على ضوء سياسة الإعلام العربى بعد هذه الأحداث والحرب التى شنها هذا الإعلام على العرب والمسلمين ،وما حدث من عنف وتمييز ضد هذه الجاليات العربية والمسلمة عبر عن عداء عميق متسع انعكس على التمييز المؤسسى بالصلاحيات المتزايدة لأجهزة الأمن والجنسية وعلى أوضاع التشغيل والهجرة والثقافة والتعليم .
وكما توقعت منظمة العمل العربية فقد استفاقت قوى المجتمع المدنى فى أوروبا وأمريكا بعد تلاشى آثار الصدمة يوم 11 سبتمبر 2001 مما دفعها إلى وضع سياسات وقوانين وإجراءات جرى تنفيذها بدافع من الحقد والثأر والهيمنة والتمييز وسوء المعاملة حتى بات العامل العربى والمسلم فى هذه البلدان يمثل الإرهاب لدى كافة شرائح المجتمع , وبالأخص لدى أصحاب الأعمال فى بلدان الغرب , وما يحدث فى فرنسا الآن من ثورة عارمة من جانب المهاجرين العرب على أوضاعهم المأساوية والتى تمثلت بالبطالة واتساع رقعة الفقر وأوضاعهم الاجتماعية المتردية ما هى إلا إنذار خطير , يصعب التكهن من امتداده إلى دول أوروبية أخرى ..
صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية من ناحيتها كانت قد كشفت عن أن المسلمين في فرنسا يواجهون تحديات بالغة كالفقر والبطالة وسوء المعاملة . ومحاولة فرض نموذج الإسلام الأوروبي .
واستعرضت الصحيفة بعض نماذج المسلمين الفرنسيين وما يعانونه مثل ليلى لوعاطي 30 عاما وهي من أصل جزائري ولا تزال تعيش بشقة والديها؛ وتحمل شهادة في العلاقات الدولية ولكنها مع ذلك لم تجد عملا في فرنسا، فقررت أن ترحل إلى اليابان قائلة: "فرنسا لا تحتاجني، لذلك فإنني لست في حاجة إليها الآن"..وتقيم ليلى في مدينة درو غرب فرنسا التي تعرف بفقرها واحتشاد المسلمين فيها فضلا عن إساءة الفرنسيين اليمينيين معاملتهم للمسلمين.
أيضاً من ضمن النماذج الشاب فرحات الذي ولد بفرنسا لأبوين تركيين، وقد غادر المدرسة عندما بلغ 16 عاما قائلاً بمرارة:"لم أعمل قط"، وأضاف "لا يوجد هناك مصانع ولا شيء"،
ويمكن القول إن أهم المشكلات التي يتعرض لها المسلمون في فرنسا في ارتفاع نسبة البطالة الكبيرة في صفوفهم ونسبة الفشل الدراسي كبير جدا بين ابناء الجالية المسلمة كما يعمل العدد الأكثر من أبناء الجالية المسلمة في جمعيات اجتماعية خيرية واجورهم متدنية جدا مقارنة بالفرنسيين وهم بعيدون عن مراكز القرار ونسبتهم التمثيلية في داخل المؤسسات الفرنسية الفعالة ضعيفة جدا.
أيضاً من ضمن ما يعاني منه المسلمون الفرنسيون هى عدم الدعم الحكومي لدور العبادة فبموجب قانون 1905 العلماني الذي يفصل أمور الدين عن الدولة في فرنسا، فان الجمعيات الاسلامية لا تستطيع ان تطلب دعما ماليا لبناء مساجد للعبادة من اي مؤسسة حكومية او بلدية في فرنسا، لذلك يضطر المسلمون في أغلب الاحيان الي ممارسة عبادتهم وطقوسهم الدينية في أماكن محدودة، كما يتعرض المسلمون في فرنسا الي ظاهرة الإسلاموفوبيا أو التهجم علي الدين الإسلامي دون أي سبب او رادع ويجد المسلم الفرنسي نفسه مضطرا للدفاع بشكل دائم عن دينه وعليه دائما أن يصحح الصورة المشوهة، كما ان هناك هجوما على الحجاب في فرنسا ومحاولات منع ارتدائه في المدارس.
ويؤكد مراقبون أن من ضمن الإشكاليات لمسلمي فرنسا تلك الخاصة بعدم وجود ائمة مسلمين يجيدون اللغة الفرنسية والثقافة والحضارة الغربية ولذلك لا يستطيعون الدفاع عن دينهم بشكل جيد .
توقعات لمستقبل المهاجرين العرب
كانت أعمال الشغب في ضواحي باريس من قبل شباب المهاجرين العرب والأفارقة والتى بأت منذ سنتين تعبر عن فشل فرنسا في إدماج الجيل الثاني والثالث من أبناء رعايا مستعمراتها السابقة والذين يعتبرون فرنسيين حيث أنهم وُلدوا في فرنسا وتربوا وترعرعوا فيها ويحملون الوثائق الرسمية الفرنسية.
يشير المراقبون الى أنه رغم الوعود والتصريحات العديدة لم ينجح المجتمع الفرنسي حتى الآن في إدماج الجاليات المختلفة التي اختارت فرنسا أرضا لتعيش فيها ، فقانون «الهجرة المختارة» لساركوزي ، على سبيل المثال، يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في شمال إفريقيا وفي إفريقيا السمراء خلال السنوات الحرجة للتحرر من النازية والفاشية وبعد ذلك أثناء عملية البناء والتشييد.. ففرنسا التي تدعو الى الحرية والمساواة والأخوة غير مستعدة لقبول ثقافة الآخر خاصة إذا كانت عربية إسلامية .
وجدير بالذكر أن قانون الهجرة المختارة يقضى بالإستبعاد المنظم لمعظم الأشخاص الذين لا يحوزون على وثائق شرعية،ويحافظ على قلة قليلة حسب رأيه وهي القلة المتعلمة المثقفة والمهيأة للاندماج والذوبان في المجتمع الفرنسي.
كما يأخذ كثير من المراقبين على ساركوزي مواقفه السلبية في العديد من المناسبات تجاه الجالية العربية والمسلمة في فرنسا سواء تعلق الأمر بالحجاب أو بالهجرة أو حتى الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أبدى دعمه ومساندته لفكرة نشر الرسوم في إطار حرية الصحافة وحرية التعبير. أما على الصعيد الدولي فنلاحظ توجه فرنسا للانضمام في عهد ساركوزي للمحور الأمريكي البريطاني وهذا ما يعتبره البعض إنحياز "لإسرائيل" على حساب قضايا العرب.
تبقى قضية الهجرة ومستقبل المهاجرين العرب والمسلمين في فرنسا، التحدي الأكبر للمجتمع الفرنسي نظراً للرؤية الثقافية والفكرية التى تنظر للحضور العربي والإسلامي والثقافة الحضارية الإسلامية داخل فرنسا وأوروبا، باعتبارها تؤثر على الخصائص العلمانية للمجتمع الفرنسي واحتمالات الاستقرار السياسي للاتحاد الأوروبي، في ضوء نظرة سلبية تربط بين المهاجرين العرب والمسلمين والهجمات الارهابية.
فمن ناحية يدرك الرئيس ساركوزي أن انتهاج فرنسا لسياساتها تجاه العالم العربي والإسلامي بتوجهات الحرب ضد الإرهاب التي تقودها إدارة بوش، قد يكون له أضرار بالغة على صورة فرنسا الايجابية في العالم العربي والإسلامي، وقد يجعلها عرضة لهجمات إرهابية من المتطرفين.
كما أن ساركوزي يدرك ان مواقف الرئيس شيراك المعارضة للحرب ضد العراق، قد ساهمت في ابعاد فرنسا عن خطر التعرض لهجمات إرهابية كما حدث في اسبانيا وبريطانيا. لذلك فان الحصافة السياسية والأمنية تقتضي أن تتم معالجة قضايا الهجرة والمهاجرين واندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي، وقضية حماية القيم العلمانية، على نحو لا يضع فرنسا الجديدة في عهد ساركوزي في صورة المعادية للإسلام أو المسلمين.
ومن ناحية اخرى يرى المراقبون أنه قد حان الوقت للسياسات العربية أن تتبنى نهجا ايجابيا جديدا في التعامل مع أوروبا بالذات يقوم على حماية مصالح وحقوق العرب والمسلمين المهاجرين في المجتمعات الأوربية أو الغربية، واعتبار احترام هذه الحقوق جزءا أساسيا من منظومة علاقات المصالح العربية - الأوروبية وفي طليعتها فرنسا .
المهاجرين العرب بدورهم لابد لهم من الإندماج فى مجتمعاتهم، وهم قادرون على ذلك خاصة إذا ما أتيحت لهم فرصة العمل والتقدم وإثبات الكفاءة والجداره. والكثيرون يعتقدون - حتى داخل فرنسا - بأن المهاجرين العرب حظ لفرنسا بقدر ما أن فرنسا حظ لهم. فهم يقدمون لفرنسا شبابهم وطاقة عملهم وحماستهم للعطاء والإنتاج والإبداع.
***
أهم المصادر
تقرير حول الهجرة العربية الى اوروبا: منظمة العمل العربية
دراسة حول الهجرة العربية: المعهد العربى للبحوث والدراسات الاستراتيجية
(الهجرة والمهاجرون):البطالة والفقر.. الى جانب طاقات العمل والانتاج: الباحثة الفرنسية لايتيسيا فان ايخوت
(الهجرة إشكاليات وتحديات "فرنسا نموذجا") : د. فيوليت داغر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.