التعليم: تدريس الثقافة المالية يغير نمط التفكير الاقتصادي للطلاب    السفير ماجد عبد الفتاح: الجامعة العربية بادرت برفض العدوان الإيراني على الدول العربية منذ بدايته    إذاعة جيش الاحتلال: إسرائيل بدأت السيطرة على سفن أسطول المساعدات المتجه إلى غزة    إصابة قوية لنجم طائرة الأهلي ببطولة أفريقيا    "الثالثة ثابتة".. شعار "3" يزين احتفالات مسار بلقب دوري الكرة النسائية    وزير الشباب ومحافظ شمال سيناء يشهدان لقاءً حواريًا مع النواب والمشايخ    تفاصيل انقلاب سيارة ميكروباص وهروب سائقها في الجيزة    مهرجان SITFY-Georgia يفتتح دورته الثانية بحفل فني دولي على المسرح الوطني الجورجي روستافيلي    الثقافة تختتم قافلة الواحات البحرية بلقاءات توعوية ومسرح عرائس وورش للموهوبين    خاص| طاقم تحكيم مباراة الأهلي والزمالك بالأسماء    مصر للتأمين تحقق أداءً قوياً وتواصل تعزيز مكانتها السوقية في 2025    النيابة الإدارية تختتم دورة «دور لجان التأديب في الإحالة للمحاكمة التأديبية»    اقتصادية النواب: قانون المعاشات الجديد يعيد هيكلة المنظومة القديمة لضمان دخل كريم يتناسب مع تطورات العصر    "متمردو الطوارق" يطالبون روسيا بالانسحاب الفوري من شمال مالي    ترامب: الحربين في إيران وأوكرانيا قد تنتهيان في وقت متقارب    ليفربول يزف بشرى سارة عن صلاح.. موسمه لم ينته    البابا تواضروس يكلف وفد كنسي لتقديم العزاء للدكتور مصطفى مدبولي    هل يجوز تفضيل الأضحية على العمرة لمساعدة الناس؟.. أمين الفتوى يجيب    الأولمبى يهزم الزمالك ويتأهل لمواجهة الأهلى بنهائي كأس مصر لكرة اليد    هل يجوز رد السلفة بزيادة بسبب ارتفاع الأسعار؟.. "الإفتاء" تُجيب    زراعة الإسماعيلية: انطلاق حصاد القمح ومتابعة يومية لانتظام التوريد    ننشر أبرز ملامح قانون الأسرة    تجميد عضوية عمرو النعماني من حزب الوفد وتحويله للتحقيق    فيفا يعلن زيادة الجوائز المالية ل كأس العالم 2026    «تمريض الجلالة» تنظم المُؤْتَمَرَيْن العلمي الدولي الثالث والطلابي الدولي الثاني    تراجع حاد في مخزون النفط الأمريكي    انتقام "الأرض" في الشرقية.. سقوط متهم سرق محصول جاره بسبب خلافات قديمة    ضبط أدوية ضغط وسكر داخل صيدليتن غير مرخصتين وتحملان أسماء وهمية بسوهاج    خبير تربوي يطالب بتشكيل لجان لمراجعة المناهج قبل بداية العام الدراسي الجديد    تل أبيب تطالب لندن بإجراءات "حاسمة" لحماية الجالية اليهودية عقب هجوم "جولدرز جرين"    إدارة تقليدية لتجمعات حديثة    موعد ومكان جنازة والد حمدي المرغني    «إياتا»: نمو محدود للسفر والشحن عالميًا بسبب صراع الشرق الأوسط    حدائق العاصمة تكشف أسباب انتشار الروائح الكريهة بالمدينة وموعد التخلص منها    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بالقليوبية تحاسب المقصرين وتدعم الجادين    طب كفر الشيخ ينظم فعالية لدعم أطفال الفينيل كيتونوريا وأسرهم بالمستشفى الجامعى    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : الثقة بالنفس !?    إخلاء سبيل الراقصة حورية في مشاجرة داخل مستشفى بالشيخ زايد    غدًا.. دور السينما المصرية تستقبل "The Devil Wears Parada"    مباحثات فلسطينية أوروبية لبحث سبل تحريك الجهود الدولية لوقف الانتهاكات الإسرائيلية    استمرار نظام العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع خلال مايو    الكشف على 1082 مواطنًا بقافلة طبية مجانية فى قرية بدران بالإسماعيلية    عثمان ديمبيلي يكشف سر الفوز على بايرن ميونخ في دوري الأبطال    وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكى بجنود (بدر 2026) بالذخيرة الحية.. صور    كوريا الجنوبية تدرس سبل السماح لسفنها بعبور مضيق هرمز    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة نهاراً وشبورة كثيفة والعظمى بالقاهرة 29 درجة    جامعة القناة تطلق برامج تدريبية متكاملة لتعزيز وعي المجتمع والتنمية المستدامة    8 أطعمة تساعدك على مقاومة العدوى وتقوية المناعة    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    "مدبولي" يهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة عيد العمال    حقوق القاهرة تعلن جدول امتحانات الفصل الدراسي الثاني 2025-2026 وتعليمات هامة للطلاب    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    الحبس مع الشغل عامين لمهندس لتزوير محرر رسمي وخاتم الوحدة المحلية بالمنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



20 عاما على تأسيس حماس
نشر في أخبار مصر يوم 21 - 12 - 2007

في تلك الليلة الماطرة التي كانت تفصل بين يومي الثالث عشر والرابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) من عام 1987، كان صوت وقع حبات البرد على زجاج النوافذ لا يحجبه إلا صراخ المجتمعين في مكتبة مؤسسة «المجمع الإسلامي»، في حي «الصبرة».
كان هذا الاجتماع الحاسم الذي عقدته قيادة جماعة الاخوان المسلمين في قطاع غزة، لتحديد موقف الحركة من المشاركة في المواجهات العفوية، التي كان يخوضها الجمهور الفلسطيني، والتي اندلعت اثر مقتل ستة من الفلسطينيين اثر صدمهم من قبل شاحنة إسرائيلية، وهي المواجهات التي أطلق عليها لاحقاً «انتفاضة الحجارة». كان الشيخ أحمد ياسين، قائد الجماعة في القطاع يلتزم الصمت أثناء الجدال الذي كان يخوضه الحرس القديم المعارض، للمشاركة على اعتبار أن الجماعة لم تجهز بعد لمثل هذه المواجهات، في حين كان ممثلو الشباب في القيادة يصرون على خوض غمار الأحداث، وكانت حجتهم أن الاحجام يعني أن الجماعة تفقد مسوغات بقائها. رأى الشباب أن هذه المواجهات فرصة تاريخية تسمح للجماعة بتكريس ما كانت تدعو إليه في أدبياتها، ولم يفت المتحمسون أن يحذروا من أن عدم الانخراط في فعاليات الانتفاضة سيؤدي الى انفضاض الكثير من قواعد الجماعة عنها وتحولهم لتأييد الحركات الفلسطينية الأخرى. كان من بين الحضور الى جانب الشيخ أحمد ياسين، عبد الفتاح دخان، وهو أكبر نواب المجلس التشريعي حالياً سناً، ومحمد شمعة والدكتور ابراهيم اليازوري، وصلاح شحادة الذي تولى فيما بعد قيادة الجهاز العسكري للحركة، والمهندس عيسى النشار، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي كان يقود الجماعة في منطقة «خانيونس»، جنوب القطاع، وآخرين.
وفي النهاية تحدث الشيخ ياسين، فحسم الجدل لصالح المشاركة في فعاليات الانتفاضة، بعد أن اجري تصويت على اقتراح الشباب، وتم الاتفاق على تأسيس ذراع مقاومة للجماعة، اقترح الرنتيسي أن يطلق عليه «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس). وفي ختام الاجتماع تم تكليف الرنتيسي بصياغة أول بيان يصدر عن الحركة الجديدة ليؤكد انطلاقها للمساهمة في «تحرير فلسطين».
انطلقت الحركة كصاروخ في المجالين، العسكري والسياسي لتتبوأ خلال فترة وجيزة، (20 عاما)، قمة السلطة التنفيذية، بفوزها الكاسح في الانتخابات التشريعية التي جرت في مطلع عام 2006. ولكن ذلك الفوز ادخلها في مأزق شديد. يقول الدكتور ناجي شراب استاذ العلوم السياسية في جامعة الازهر بغزة أن حركة حماس استمدت شرعيتها من المقاومة، وبالتالي لم يكن بوسعها التخلي عن المقاومة لمجرد وصولها للسلطة، لكنه في نفس الوقت يرى أن هذه صيغة صعبة جداً، على اعتبار أنه لن يسمح لحماس بممارسة السلطة والمقاومة.
لم يكن مولد «حماس» من العدم، فقد وظفت الحركة الجديدة إمكانيات جماعة الإخوان المسلمين التي كانت حتى في ذلك الوقت قوة كبيرة ومنظمة. وبعد عدة أشهر على انطلاقها، اسست الجماعة ذراعها العسكرية الذي أطلقت عليه «كتائب عز الدين القسام»، تيمناً برجل الدين السوري عز الدين القسام الذي وفد من سورية الى فلسطين اواخر العشرينات من القرن الماضي، وكون منظمة مسلحة وقاتل الاحتلال الانجليزي حتى قتل على ايديهم في أحراش بلدة «يعبد»، شمال الضفة الغربية في عام 1935.
كان قرار حماس بألا يتم الاعلان عن علاقة «كتائب عز الدين القسام» بالحركة، فظلت «الكتائب» تقوم بعملياتها ضد الاحتلال، وتستهدف العملاء لأكثر من عام من دون أن يعرف أن «كتائب القسام»، هي ذراع حماس المسلحة. كانت «كتائب القسام» تفرض قيود مشددة على عملية التجنيد لصفوفها تخوفاً من الاختراق، بحيث اقتصرت على تجنيد أبناء قادة الحركة سواءً على مستوى القطاع أو على مستوى المناطق المختلفة، من هنا فإن معظم الذين سقطوا في المواجهات مع قوات الاحتلال في بداية تشكيل الانتفاضة، كانوا تحديداً من أبناء الحرس القديم في الحركة. وعلى الرغم من أن التجربة العسكرية لجماعة الاخوان في قطاع غزة، كانت متواضعة جداً قبل اندلاع الانتفاضة، إلا أنه سرعان ما أصبحت عملياتها العسكرية الأكثر تميزاً ضد الاحتلال. وكان أبرز القادة العسكريين لحماس هو عماد عقل، وهو شاب يبلغ من العمر 24 عاماً قصير القامة، نحيف الجسد، خطط وقادة الكثير من العمليات الجريئة ضد قوات الاحتلال اسفرت عن مقتل وجرح عدد كبير من جنود الاحتلال ومستوطنيه، حتى قتل في عام 1992.
وفي وقت لاحق أعلن عن تشكيل خلايا ل«كتائب القسام» في الضفة الغربية، مع العلم أن حضور جماعة الاخوان هناك أقل بكثير من حضورها في غزة. في هذه الأثناء تعرضت حركة حماس لحملات اعتقال طالت الآلاف من عناصرها. وفي عام 1992 تعرضت حماس لأكبر حملة تم خلالها اعتقال الشيخ احمد ياسين وجميع قيادة الحركة ونخبها، وأشرف على هذه الحملة مدير جهاز المخابرات الداخلي الاسرائيلي «الشاباك» في قطاع غزة افي ديختر، والذي يشغل حالياً منصب وزير الأمن الداخلي في حكومة أولمرت. وحتى عام 1994 اقتصرت عمليات حماس العسكرية على الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم تنفذ أية عملية تفجيرية داخل إسرائيل. وفي الخامس عشر من فبراير (شباط) من عام 1994 نفذ المستوطن اليهودي باروخ غولدشتاين مجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل، والتي قتل فيها 29 فلسطينياً عندما كانوا يؤدون صلاة الفجر في المسجد. المجزرة اثارت سخطاً وغضباً عارماًً في الجمهور الفلسطيني الذي كان يتوق للرد على الجريمة. في هذه الاثناء استطاعت «كتائب القسام» أن تجند احد طلاب قسم الهندسة الكيميائية في جامعة «بيرزيت» الى صفوفها، وهو يحيى عياش الذي نجح في تركيب العبوة الناسفة التي استخدمت في تنفيذ أول عملية تفجيرية في قلب إسرائيل، حيث قام أحد عناصر «الكتائب» بتفجير نفسه في مجموعة من المستوطنين في مدينة «العفولة» الإسرائيلية، وذلك في اليوم الذي صادف مرور اربعين يوما على مجزرة الحرم الإبراهيمي. وبعدها واصلت حماس تنفيذ العمليات التفجيرية. واثر هذه العمليات اصبح يحيى عياش يتربع على رأس قائمة المطلوبين لقوات الاحتلال.
لكن بعد ذلك، وجهت قيادة منظمة التحرير نقد شديد لحركة حماس على اعتبار أنها قامت بتوظيف العمليات التفجيرية التي قامت بها من أجل احباط تنفيذ اتفاقية أوسلو التي سمحت بتشكيل أول سلطة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي مطلع يناير (كانون الثاني) من عام 1996 قامت إسرائيل باغتيال المهندس يحيى عياش، عبر تلغيم هاتفه الجوال، الذي اوصله له احد العملاء عن طريق ابن اخته الذي كان يؤوي عياش في بيته في شمال قطاع غزة. قرار تصفية عياش، اتخذه رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت شمعون بيريس بضغط من كارمي غيلون رئيس جهاز «الشاباك»، الذي كان يحاول تحسين صورته بعد فشله في منع اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق اسحاق رابين. بيريس كما اعلن بعد ذلك كان متحفظاً على عملية الاغتيال، حيث كان يتوقع أن ترد حماس بقوة، وهذا ما حدث بالفعل. فقد أرسلت «كتائب القسام»، حسن سلامة احد ابرز قادتها في القطاع، الى الضفة الغربية حيث أشرف من هناك على تخطيط وتنفيذ عدد من العمليات التفجيرية التي هزت إسرائيل، وأسفرت عن مقتل وجرح المئات من الإسرائيليين، في وقت كانت فيه اسرائيل تستعد لانتخابات تشريعية.
وبشكل دراماتيكي انقلبت موازين القوى في الساحة الداخلية الاسرائيلية، وبعدما كانت شعبية اليمين الإسرائيلي في الحضيض بعد اغتيال رابين، أعادت العمليات التفجيرية التي نفذتها حماس الاعتبار الى الخطاب السياسي لليمين بزعامة بنيامين نتنياهو. ومن اجل وقف موجة العمليات التفجيرية، وبضغط من بيريس والرئيس كلنتون، اصدر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أوامره بشن اقسى حملة قمع ضد حركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تم اعتقال قيادة الحركة ونشطائها، حيث تعرضوا لتعذيب شديد داخل السجون الفلسطينية، في حين تم اغلاق المؤسسات الحركة وأعلن حظر على وجود الجهاز العسكري للحركة ومت ملاحقة اعضائه. لكن هذه الحملة لم تفلح في تجنب ما كان يحذر منه عرفات، ففاز اليمين وشكل نتنياهو الحكومة الإسرائيلية. فجمدت الحكومة الاسرائيلية تنفيذ اتفاقيات أوسلو، وهو ما احرج عرفات في حينه، فكانت النتيجة تخفيف القبضة ضد حركة حماس، فتم اطلاق سراح نشطائها من سجون السلطة. وفي عام 1997 اضطرت اسرائيل للإفراج عن الشيخ احمد ياسين الذي كان يقضي حكماً بالسجن مدى الحياة، اثر القاء الامن الاردني القبض على اثنين من اعضاء «الموساد» شاركا في محاولة اغتيال فاشلة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.
الإفراج عن ياسين اعاد الحياة لحركة حماس، حيث تزامن الإفراج عن ياسين، انتهاء محكومية عدد من كبار قادة الحركة في سجون الاحتلال، وتم الافراج عن عبد العزيز الرنتيسي واسماعيل ابو شنب وصلاح شحادة. ومنذ عام 1997 وحتى عام 2000 استأنفت الحركة تنفيذ العمليات التفجيرية بشكل متقطع. وفي سبتمبر (ايلول) من عام 2000 اندلعت انتفاضة الاقصى اثر الزيارة الاستفزازية التي قام بها رئيس المعارضة اليمينية ارييل شارون للمسجد الاقصى. في البداية قررت قيادة حركة حماس عدم المشاركة في فعاليات الانتفاضة، حيث ارتأت أنه يتوجب عدم لعب دور فيها، على اعتبار أن عرفات شجع على اندلاع الانتفاضة من اجل تحسين موقفه التفاوضي أمام إسرائيل، لكن بعدما تبين لقيادة الحركة أن العلاقة بين عرفات واسرائيل وصلت الى القطيعة، قررت المشاركة بقوة في فعاليات الانتفاضة.
واصبحت حماس مسؤولة عن معظم العمليات التفجيرية التي شهدتها اسرائيل. لم تستوعب قيادة حماس الدرس المطلوب في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر، وحقيقة أن الظروف الدولية الجديد تسمح لإسرائيل رفع سقف القمع، وهذا ما كان. ففي ابريل (نيسان) من عام 2002 شنت اسرائيل حملة «السور الواقي» ضد قوى المقاومة في الضفة الغربية، حيث استهدفت جميع الفصائل الفلسطينية، لكن الضربة التي نزلت بحماس كانت الأكثر إيلاماً، حيث طالت الاعتقالات حتى الصف الثالث في الحركة. وفي غزة شنت اسرائيل حرب اغتيالات ضد الحركة، وصلت ذروتها في مارس (آذار) من عام 2004 عندما اغتالت اسرائيل الشيخ ياسين، وبعد عشرة أيام تم اغتيال خليفته في قيادة الحركة الرنتيسي، بعد ان تم اغتيال القادة الكزيماتيين امثال الدكتور ابراهيم المقادمة واسماعيل ابو شنب وصلاح شحادة، ونجا رئيس الوزراء الحالي اسماعيل هنية الذي كان يعمل كمدير لمكتب الشيخ ياسين من محاولتي اغتيال.
في هذه الأثناء طورت حركة حماس لأول مرة قذيفة صاروخية اطلقت عليها «صاروخ القسام»، وهو صاروخ بدائي، واستهدفت به المستوطنات في داخل قطاع غزة وبعد ذلك قامت بإطلاقه على المستوطنات اليهودية في محيط القطاع، الى جانب مواصلة تنفيذ عمليات الكمائن والأنفاق المفخخة. وبينما كانت هذه الاحداث تتوالى، أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ارييل شارون عن خطة «فك الارتباط»، والتي بموجبها قرر تفكيك جميع مستوطنات قطاع غزة وسحب الجيش الاسرائيلي منها. وفي سبتمبر من عام 2005، انسحب الجيش الاسرائيلي من القطاع، فهناك من رأى في خطوة شارون مجرد احدى آليات ادارة الأزمة في مواجهة الشعب الفلسطيني، في حين رأت فيه الفصائل الفلسطينية، ومن ضمنها حماس انتصاراً للمقاومة. وبعد تنفيذ خطة «فك الارتباط» بأربعة اشهر، اجريت اول انتخابات تشريعية تشارك فيها حركة حماس، وبعكس كل استطلاعات الرأي، فازت حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وكان فوزاً ذا مذاق مر. شلكت حماس اثر ذلك حكومة فلسطينية وحدها، ففرضت اسرائيل والعالم الحصار على قطاع غزة، في حين اتهمت حماس الرئيس محمود عباس والأجهزة الأمنية التي تقع تحت امرته بالتآمر لإسقاط الحكومة. الى جانب تدهور الاوضاع الاقتصادية، تفاقم الفلتان الأمني، حيث اتهمت حماس الأجهزة الأمنية بتشجيع حالة الفلتان. وازداد التوتر بين حكومة هنية وحركة حماس من جهة وابو مازن واجهزته الأمنية وحركة فتح من جهة اخرى، فكان الصدام. وفي المرحلة الاولى من الاقتتال الداخلي الذي تم وضع حد له باتفاق مكة في 8 فبراير (شباط) من عام 2006، تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وما أن مضى ثلاثة اشهر على تشكيل الحكومة حتى اندلعت المواجهات العسكرية من جديد بين حماس وفتح، والتي انتهت بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة وفرار قيادات الاجهزة الامنية من القطاع.
لا خلاف بين المحللين السياسيين في الساحة الفلسطينية على أن حركة حماس ارتكبت خطأً تاريخياً بتشكيلها الحكومة. هاني المصري، مدير مركز البحوث السياسية في رام الله، والكاتب والمحلل السياسي يعتبر أن حركة حماس حاولت الجمع بين اشياء متناقضة، مشيرا الى أن حماس ارادت الحكم في سلطة محكومة بسقف اتفاقيات اوسلو التي تعارضها. وفي حديث ل«الشرق الاوسط»، قال المصري إن حركة حماس لم تتعلم الدرس من تجربة حركة فتح، وأظهرت «جوعا» للسلطة، وبالتالي فهي في مأزق كبير وقاس. ويرى المصري أنه كان بإمكان حماس البقاء في النظام السياسي الفلسطيني من خلال الوجود في المجلس التشريعي الفلسطيني، لكن من دون أن تشكل الحكومة. ويضيف المصري أن حماس ارتكبت خطأً آخر، عندما قامت ب«الانقلاب» والحسم العسكري، حيث كرس ذلك مشكلة الحركة بشكل بالغ. ويضيف المصري «لا خلاف على أن حماس وحكومتها تعرضت لمضايقات كبيرة وتعمدت جميع الاطراف ومن ضمنها اطراف فلسطينية احباط تجربتها، لكن كل ذلك لم يكن مسوغاً للقيام بالانقلاب». يقول الدكتور ناجي شراب استاذ العلوم السياسية في جامعة الازهر بغزة ل«الشرق الأوسط»، إن حركة حماس تدعو لاتفاق هدنة مع اسرائيل للخروج من هذا المأزق، لأنها من ناحية لا يمكن ان تعترف بأسرائيل، وتتعاطي مع الاتفاقيات الموقعة، وفي نفس الوقت تدرك أن ممارسة السلطة غير ممكن في ظل اعتماد هذه السلطة على العلاقة مع اسرائيل كما كرست ذلك اتفاقيات اوسلو.
أما هاني حبيب الكاتب والمعلق السياسي الفلسطيني، فيقول ان حركة حماس لم تفز بالانتخابات بسبب ايديولوجيتها الدينية، بل بسبب الأداء السيئ لقيادة السلطة، قيادة حركة فتح، و«انغماسها في فساد قلَّ نظيره على المستويات المالية والإدارية والسياسية». ويضيف حبيب أن نجاح حماس في الانتخابات كان بسبب انغماس حركة فتح في السلطة، وهي تجربة لم تكن ناجحة على الإطلاق وبكل المقاييس. وادى انهماك فتح في جني كعكة السلطة، الى غياب اية وقفة مع الذات، وهذا ما استثمرته حركة حماس بكل نجاح، وهو استثمار مبرر بالتأكيد، لصالح تزايد تأثيرها في الساحة الفلسطينية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.