رئيس الحكومة: قطعنا شوطا ملموسا في مسار الإصلاح.. وقضينا على السوق السوداء للدولار    ارتفاع نسبي في درجات الحرارة ورياح معتدلة بالإسكندرية    الأطباء تحيل ضياء العوضي للتأديب لنشره معلومات علاجية مضللة وضارة بالمرضى    انتظام طلاب البحيرة في 1400 مدرسة بمختلف المراحل والنوعيات التعليمية    ارتفاع أسعار الدواجن بالغربية.. ورئيس الغرفة التجارية: الأعلاف وانخفاض درجات الحرارة السبب    استقرار سعر جرام الفضة، عيار 999 يسجل 150 جنيها    تأكيدا ل فيتو، النقل تشكل لجنة لتشغيل وصلة الطريق الاقليمى من الباجور إلى بنها    عجيبة للبترول تنجح في وضع بئر غرب الياسمين 3 على خريطة الإنتاج    ارتفاع يومي في أسعار الدواجن بالمنيا.. والتموين يواجه الارتفاعات بأسواق اليوم الواحد    النائب العام يقرر تقديم تشكيل عصابي دولي للمحاكمة الجنائية    إيران تُعلن استعدادها لاتفاق "مطمئن" بشأن تخصيب اليورانيوم بعد محادثات مع واشنطن    عراقجي: اتفقنا مع واشنطن على عقد جولة المحادثات المقبلة قريبًا    مركز حقوقي: انهيار الواقع الصحي في غزة يتطلب استجابة دولية عاجلة    الأمم المتحدة: استشهاد 1054 فلسطينيا بالضفة والقدس منذ أحداث 7 أكتوبر    أسامة جلال: مواجهة ريفرز يونايتد وبيراميدز في دوري الأبطال مهمة للغاية    تشكيل مانشستر يونايتد الرسمي أمام توتنهام في البريميرليج    برشلونة يعلن انسحابه من السوبر ليج.. رسميًا    اتحاد السلة يعلن تشكيل الجهاز الفني للمنتخب الأول بقيادة أجوستي بوش    إطلاق نموذج محاكاة لمحافظة كفر الشيخ لتمكين الشباب وبناء قيادات المستقبل    قرار جديد من النقض في الطعن ببطلان انتخابات مجلس النواب 2025    النيابة تعاين مسرح جريمة مقتل شاب داخل صيدلية بالقليوبية    الطلاب داخل المدارس.. تعليم الإسكندرية تشدد على تسليم كتب الترم الثاني في موعدها    النائب محمد زين الدين يقدم اقتراح برغبة لتخصيص أماكن للباعة الجائلين لمواجهة الفوضى    المؤبد وغرامة مليون جنيه لخلية إرهابية يتزعمها قريب قيادي إخوانى محبوس    تمتلك مفاتيح القوة وتعيش على الهامش!    منى الشاذلي: حزينة على شيرين.. وببكي لما بسمعلها أغنية    4 أسباب وراء السقوط المدوي لفيلم الست في شباك التذاكر؟!    صحة النواب تناقش خطة القطاع الطبي بحضور خالد عبد الغفار غدا    خالد منتصر: الهجوم على أميرة صابر يعكس جهلًا بثقافة «التبرع بالجلد» وينتصر لثقافة التخلف    سقوط 3 مسجلين خطر بحوزتهم أسلحة نارية وذهب خام في حملة أمنية مكبرة بقنا    "الجدة الوفية" وأشهر مدرب للكلاب ببرنامج واحد من الناس .. غدا    تعاون مصري - هولندي لاسترداد رأس حجرى منسوب لعصر الملك تحتمس الثالث    مصر وتركيا والتعاون الإستراتيجي    وزير «الخارجية» يبحث جهود خفض التصعيد فى المنطقة    تنفيذ مناورة إخلاء افتراضية بمبنى السموم بمستشفى قصر العيني    وزارة الصحة توجة رسائل مهمة للمسنين لحمايتهم من حوادث الكسور    اليونيسيف: الوضع في قطاع غزة ما يزال بالغ الهشاشة ومميتا للآلاف من الأطفال    شروط الالتحاق بمعاهد معاوني الأمن 2026 للذكور والإناث    بعد الاتحاد.. الهلال يقدّم شكوى رسمية ضد عبد الله الحمدان    الونش: نسعى لتحقيق الفوز على زيسكو وحسم التأهل لدور الثمانية    طلب إحاطة بشأن عدم تعيين أوائل خريجي جامعة الأزهر    رمضان 2026.. "كان ياما كان" رهان ماجد الكدواني بالمنافسة الأولى للموسم الرمضاني    الأحد.. انطلاق ورشة السرد السينمائي في متحف نجيب محفوظ    مع بداية الفصل الثاني.. انتظام الدراسة في 744 مدرسة بالغربية    سيدة تعتدي على والدتها العجوز في الشارع بالشرقية والأمن يضبها    داعش يعلن مسؤوليته عن تفجير مسجد في باكستان أسفر عن 36 قتيلا و169 مصابا    بتوقيت المنيا.... اعرف مواقيت صلاتك اليوم السبت 7فبراير 2026    نجاح أول جراحة أورام بمنظار البطن الجراحي بمستشفى التأمين الصحي ببني سويف    اسعار البيض الأبيض والأحمر والبلدى اليوم السبت7فبراير 2026 فى المنيا    أمين الفتوى يدعو المصريين لمتابعة «أنس AI» في رمضان: أول مسلسل أنيميشن في تاريخ دار الإفتاء    عيد الحب 2026.. من المسارح لقلوب العشاق    قتل عمته.. القاتل تستر خلف النقاب حتى لا يكتشفه الجيران    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    تحرك برلماني لتأسيس «بنك وطني للأنسجة» وتيسير التبرع بعد الوفاة    الأوقاف توضح حقيقة منع إذاعة صلوات الفجر والمغرب والتراويح    «يرحمه الله ويبتليك».. لماذا حذّر الإسلام من الشماتة في الموت؟    أوقاف القليوبية تنظم لقاء الجمعة للأطفال بالمسجد الكبير بقرية الحصة    علاء ميهوب: واقعة إمام عاشور لم تحدث في تاريخ القلعة الحمراء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انتحار الشباب المصري؟
نشر في الدستور الأصلي يوم 17 - 09 - 2010

لا يلتفت كثير من الناس إلي التقارير التي تصدر من آن لآخر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أو الجهاز المركزي للبحوث الاجتماعية أو الجنائية أو غيرها من المؤسسات ومراكز البحث المصرية عما آل إليه الوضع الاجتماعي والاقتصادي والإنساني في مصر الآن، فهذه التقارير أصبحت تحتوي علي إحصاءات وتقارير مرعبة عما وصل إليه وضع الإنسان المصري، ذلك الإنسان الذي كان مضرب المثل في كل شيء مميز، صناعة وتجارة وتعليما وثقافة وحبا للحياة والمرح والنكتة والرضا والصبر والرجولة والمروءة والشهامة والشجاعة والكرم، فقد الإنسان المصري الآن الكثير من هذه الصفات وأصبح مضرب المثل في «الأونطة» وعدم المسئولية، وتردي وضعه التعليمي والثقافي والعلمي والمهني والفني وانتقل من إبداعات الفن عندما كانت الدنيا تطرب حينما تسمع «أغار من نسمة الجنوب» إلي أن وصل به الحضيض الآن إلي مستوي أغنيات مثل «أنا مش خرونج» وإلي «إديني سيجارة بني» و«بحبك يا حمار» يا تري من الذي أوصل الإنسان المصري إلي هذا المستوي؟.
الأنظمة السياسية هي التي تصنع الإنسان وهي التي تستثمر فيه أو تدمره، والنظام السياسي المصري دون أي شك هو الذي أوصل الإنسان المصري إلي هذا الدرك الأسفل وهوي به إلي هذا المنحدر الوعر، الذي لو تم توكيل أعدي أعداء مصر لتنفيذه ما استطاعوا أن يحققوا شيئا مما حققه هذا النظام بحق هذا الشعب، لأن الشعب المصري بطبيعته شعب مقاوم لأعدائه، تشهد علي ذلك المظاهرات التي كان يقوم بها الشعب والطلبة ضد الاحتلال الإنجليزي قبل العام 1952 وكيف كان هؤلاء يتصدون لرصاص المحتلين بصدور عارية علاوة علي التاريخ الحافل لهذا الشعب العظيم في المقاومة ضد كل المحتلين والغزاة، حتي جاء هؤلاء الذين يفخرون بأنه للمرة الأولي منذ قرون يحكم المصريون أنفسهم بأنفسهم ففعلوا الأفاعيل بهذا الشعب وحولوه إلي حطام، وكأن أعداء الأمة أدركوا أن هذا الشعب لن يتم تدميره إلا بأيد مصرية فسهلوا لهؤلاء مهمتهم وحققوا من خلالهم ما تعجز جيوش الدنيا عن تحقيقه، وخلال ما يقرب من ستين عاما من القهر والظلم والفساد وتسليط أراذل الناس علي خيارهم وجد المصريون أنفسهم بين نارين إما الهجرة وإما الحياة تحت نير الظلم والطغيان واستبداد والفساد، فهاجر عقل مصر إلي الخارج عبر الملايين الذين يملئون الدنيا من خيرة أبنائها يقدمون صفوة خبرتهم وإبداعاتهم إلي الأمم الأخري وبقي من بقي محبطا أو منهكا أو مضطهدا في عمله أو رزقه بينما توجه آخرون إلي البحر هربا إلي أي أمل في الحياة فابتلعهم البحر، فمنهم من عاد جثة هامدة في صندوق ومنهم من مازال في قاع البحر يشكو الظلم والظالمين، لكن الأدهي والأمر وما سبب لي صدمة كبري هو التقرير الذي نشر في التاسع من سبتمبر الجاري عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر عن تفشي ظاهرة الانتحار في مصر خلال العام 2009 حيث وصلت هذه المحاولات إلي 104 ألف محاولة 66,6% منها بين الشباب وتحديدا في الفئة العمرية التي تتطلع إلي الحياة بين 15 و25 عاما، ولم يقف الأمر عند حد المحاولات لكنه تخطي ذلك إلي نجاح نسبة غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث من المنتحرين، حيث تعدت حالات الانتحار الفعلية خمسة آلاف حالة في الوقت الذي بلغت فيه هذه الحالات قبل سنوات قليلة وتحديدا في العام 2005 ألفاً ومائة وستين حالة، أي أن عدد المنتحرين تضاعف خلال أربع سنوات ما يقرب من أربعة أضعاف. هذا التقرير الخطير الذي يهز أي أمة ويصدم أي مجتمع لم يحظ مثل غيره من التقارير المشابهة بأي اهتمام يذكر من قبل المسئولين في الدولة المصرية أو علماء الاجتماع أو الخبراء، مما يعني أن الإنسان المصري أصبح مجرد رقم، سواء كان أرقاما في عدد شهادات الميلاد أو شهادات الوفاة أو المدارس أو الجامعات أو حوادث الطرق أو حالات الاختفاء أو المعتقلين السياسيين الذين تجاوز بعضهم السبعين عاما أو المصابين بالأمراض الفتاكة سواء السرطانية أو الدماغية أو الكبد أو الكلي أو الأمراض الأخري التي تفتك بالمصريين في حرب خفية تدخل المياة الملوثة والمبيدات المسرطنة والبذور الزراعية الفاسدة وري المزروعات عمدا بمياه الصرف الصحي، وتلويث الهواء وتسميم الشعب المتعمد في طعامه وشرابه وهوائه كجزء أساسي منه، كل هذه التقارير أصبحت مجرد أرقام لا يهتم الناس بها رغم أنهم يدرجون في إطارها.
ما معني أن يقبل عشرات الآلاف من الشباب الذين يصنعون المستقبل والحياة علي الانتحار في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وإنسانية تجعلهم يفضلون الموت علي الحياة؟ فيم يتغني النظام بالإنجازات والفتوحات؟ ما معني أن تسجل مصر النسبة الأكبر بين قتلي وجرحي حوادث الطرق في العالم كل عام حتي أن من يموتون سنويا علي الطرق بسبب الحوادث والتسيب في ضبط السائقين المستهترين أكثر من الذين قتلوا في كل الحروب التي خاضتها مصر مع إسرائيل؟ ما معني أن الذين يموتون في مستشفيات وأقسام السرطان كل عام جراء التلوث والإهمال والاستهتار بحياة الناس يعتبر من أعلي النسب في العالم؟ ما معني ألا يجد المصري الآن هواء نظيفا يتنفسه؟ أو ماء نظيفا يشربه؟ حتي الماء الذين يخدعون به الناس ويضعونه في زجاجات علي أنه ماء معدني معظمه ملوث ولا يمت للماء النظيف بصلة، ما معني ألا يجد الإنسان طبق خضار نظيف غير مرو بماء الصرف الصحي أو معرض للرش بالمبيدات المسرطنة ليأكله؟ ما معني أن تنتشر البطالة ويسود الظلم والفساد ويصبح خريج الجامعة لا يعرف أبسط المعلومات عما درسه فيري المستقبل أمامه مظلما والحياة فاسدة ثم يسعي للتخلص من هذه الحياة بشكل يغضب فيه ربه ويلعن فيه نظام حكمه ومجتمعه.. إن ما يحدث في مصر هو كارثة كبري ليس علي مصر وحدها وإنما علي الأمة كلها لأن مصر قلب الأمة النابض انتكس العرب بانتكاستها ولن يروا نهوضا دونها، وحينما يتحول الإنسان إلي مجرد رقم سواء كان في شهادة الميلاد أو في شهادة الوفاة أو في عداد الذين ينتظرون الموت فإن الطوفان قادم لا محالة ووميض النار تحت الرماد توشك أن يكون لها ضرام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.