مدبولي: كل التقارير الدولية والمؤشرات تؤكد تحسن الاقتصاد.. وهدفنا توفير الخدمات الأساسية لنيل رضا المواطن    أتلتيكو ضد برشلونة.. 5 أرقام سلبية للبارسا بعد سقوطه في كأس الملك    فليك: التأهل لم يحسم بعد.. سنقاتل على كامب نو    أرتيتا: ملعب برينتفورد صعب للغاية.. ونحتاج إلى بعض الحظ    رايا: تقلص الفارق ل4 نقاط؟ مازلنا في وضع ممتاز    نورشيلاند: بيراميدز لم ينجح في استعادة إبراهيم عادل.. ونتابعه منذ 3 مواسم    صراع الدم والميراث في المطرية.. الأمن يضبط عامل وشقيقه بعد فيديو خناقة الشوم    خلاف على الميراث السبب... الأمن يكشف تفاصيل فيديو مشاجرة المطرية    شقيق هاني رمزي يوثق سيرة والدته في كتيب تخليدًا لذكراها    انطلاق مهرجان برلين فى دورته ال76.. السياسة تسيطر على الأجواء.. فلسطين حاضرة فى النقاشات ورفع شعارات إيران حرة على السجادة الحمراء.. المهرجان يمنح ميشيل يوه الدب الذهبى الفخرى.. صور    في حفل عيد الحب، وائل جسار: الجمهور المصري له مكانة خاصة بقلبي    زيلينسكي: نريد إنهاء الحرب بسرعة لكن ليس بصفقة سيئة    تموين الإسكندرية: مركز خدمات حي شرق يحصد المركز الأول في جائزة التميز الحكومي    مواجهة صارمة للحرق المكشوف للمخلفات الزراعية بالمحافظات    استعدادًا لشهر رمضان المبارك.. الأوقاف تفتتح (117) مسجدًا غدًا الجمعة    لبنان.. شهيد جراء غارة إسرائيلية استهدفت سيارة جنوب البلاد    إمام عاشور يعود لتدريبات الأهلي اليوم بعد انتهاء إيقافه    آرسنال يتعثر أمام برينتفورد ويتعادلان 1/1 في الدوري الإنجليزي    برشلونة يسقط بفضيحة أمام أتلتيكو مدريد في ذهاب نصف نهائي كأس ملك إسبانيا    ترامب يحذر من وضع "كارثي" حال فشل التوصل إلى اتفاق مع إيران    وزير الطاقة الأمريكي: نتحكم بتدفق أموال النفط في فنزويلا ونسعى لتعزيز الإنتاج    التحقيق في سقوط فتاة من القطار أمام محطة معصرة ملوي بالمنيا    حبس المتهمة بخطف طفل في الإسكندرية 15 يوما على ذمة التحقيقات    مصر تعرب عن تعازيها وتضامنها مع كندا إثر حادث إطلاق النار بمدرسة في مقاطعة بريتش كولومبيا بكندا    أهم الأخبار العالمية والعربية حتى منتصف الليل.. فرنسا تعلن تفكيك شبكة احتيال داخل متحف اللوفر.. الكرملين يعلن تقييد واتساب.. غزة: أكثر من 3 آلاف مفقود و8 آلاف جثمان تحت الأنقاض.. وترامب: محاكمة نتنياهو مخزية    زيلينسكى: الانتخابات خلال الحرب فكرة روسية ولن نقبل سلاما بلا ضمانات    خبير أسري يكشف: المرأة لا تحترم الرجل الذي يسامحها بعد الخيانة    سفير أحمد أبو زيد: مصر واحة استقرار لأوروبا وشراكتنا انتقلت إلى شراكة استراتيجية    قصائد ورومانسية.. وائل جسار يشعل حفل عيد الحب في دار الأوبرا | صور    رد ناري من لقاء الخميسي على منتقدي تخليها عن كرامتها    «شل مصر» تعلن وصول سفينة الحفر ستينا آيس ماكس لدعم جهود الاستكشاف في مصر    عمرو طلعت يختتم 8 سنوات من التحول الرقمي بأكبر صفقة ترددات في تاريخ الاتصالات    رصاصة خاطئة.. إصابة فتاة بطلق ناري على يد والدها بقنا    أمل عمار تتفقد معرض رائدات الأعمال بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا    المهندس عبدالصادق الشوربجى...رؤية وطنية وراء ميلاد جامعة «نيو إيجيبت»    باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر    ألف مسجد في (23) يومًا.. فرش وافتتاح بيوت الله في ملحمة إعمار غير مسبوقة للأوقاف    كيف نستعد لاستقبال شهر رمضان استعدادًا صحيحًا؟.. أمين الفتوى يجيب    الورداني: الشعور بعدم عدالة الميراث سببه غياب فهم المعنى لا خلل النصوص    إنقاذ حياة مريضة كلى من توقف مفاجئ بالقلب بمستشفى دمياط العام    إجراء 20 عملية عيون مختلفة لغير القادرين في بني سويف ضمن مشروع مكافحة العمى    رئيس جامعة دمياط يفتتح حملة "اطمن على وزنك وصحتك" بكلية الطب    المتلاعبون بأعصاب المستأجرين والمُلّاك    رئيسة القومي للمرأة: تمكين المرأة ركيزة للتنمية الشاملة وليست ملفًا اجتماعيًا    وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون الصحي وإنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة    رئيس جامعة قناة السويس يشارك في استقبال محافظ الإسماعيلية للقنصل العام لجمهورية الصين الشعبية لبحث سبل التعاون المشترك    تحرش بسيدة في الشارع.. حبس شاب 4 أيام على ذمة التحقيقات بسوهاج    رئيس الوزراء يكشف سبب دمج وزارة البيئة والتنمية المحلية    الأرصاد تحذر: طقس غير مستقر ورياح مثيرة للرمال وأمطار متفرقة غدا الجمعة    بعد رقمه القياسي الجديد.. محمد صلاح يغازل متابعيه بصور جديدة    رئيس جامعة دمياط يشهد ندوة حول الاتجاهات الحديثة في البحوث الكيفية والكمية بالعلوم الاجتماعية    جامعة العاصمة تنظم مسابقة أفضل بحث علمي للطلاب    وزير الخارجية: مصر تولي أهمية كبيرة بدعم المؤسسات الصحية التابعة للاتحاد الأفريقي    تأييد حكم الإعدام لقاتل شقيقه وطفليه بسبب الميراث في الشرقية    أول قرار من وزيرة التنمية المحلية والبيئة بعد تشكيل الحكومة الجديدة    وزير التعليم يكشف عن تعديل تشريعي مرتقب يستهدف مد سنوات التعليم الإلزامي    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 12فبراير 2026    وزارة التضامن الاجتماعي تقر تعديل قيد 5 جمعيات فى 4 محافظات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسف القعيد يكتب: قراءة الفاتحة على روح الطاهر وطار
نشر في الدستور الأصلي يوم 03 - 09 - 2010

كانت الحداثة قدري ولم يملها أحد عليَّ لم يتمكن من الحضور للدراسة في مصر فراسل مدارسها لدراسة الصحافة والسينما أول من كتب الرواية الجزائرية باللغة العربية في مواجهة الكتابة بالفرنسية أسس الجاحظية الثقافية ليواجه خطر الاحتواء الفرنسي للمجتمع الجزائري
1- الزيتون ورشته
عقدت ورشة الزيتون الإبداعية ندوة في ليلة رمضانية عن «الطاهر وطّار»، ربما كانت الندوة المصرية الوحيدة عن رحيل هذا الكاتب الشامخ الكبير. وكان عقد الندوة أكثر من مهم لتطفئ النيران التي لا تريد أن تنطفئ. أو لا يراد لها أن تنطفئ بين الشعبين العربيين الشقيقين في الجزائر ومصر. تحدث في الندوة شعبان يوسف وسلوي بكر. وألقت سامية أبو زيد بحثاً كتبه الدكتور عمار علي حسن. واستعرض جمال زكي مقار قصص الطاهر وطّار القصيرة. واقترحت هويدا صالح إصدار بيان عن الندوة يؤبن الطاهر وطّار ويناشد عقلاء الأمة إطفاء النيران قبل أن تشتعل، والبحث عن سبل التواصل والمحبة بين شعبين لا يفرق بينهما أي شيء، بل يوحد بينهما الكثير. الشاعرة الجزائرية «حبيبة محمدي» اتصلت بي صباح يوم الندوة لتعتذر بمرضها المفاجئ عن الحضور، وكانت حريصة عليه ليس لأنها جزائرية، ولكن لأنها عربية تحيا في القاهرة وتعيش فيها وتحلم بالوئام والمحبة بين جميع العرب.
2- الموت علينا حق
صباح الجمعة الثالث عشر من أغسطس 2010 الثالث من رمضان في الصباح الباكر، وجدت رسالة من الروائي العربي الأردني «صبحي فحماوي» يطلب مني كتابة كلمة عن «الطاهر وطّار» لمجلة الرواية. كتب لي صبحي فحماوي بالنص يمكنك إرسال عدة أسطر عن الطاهر وطّار لمجلة الرواية ورمضان كريم. صبحي فحماوي. بعده جاءني اتصال من إذاعة سوا من واشنطن كانوا يعرفون الخبر، وكانوا يطلبون تعليقي علي الخبر المحزن، وأنا عندي موقف نفسي من هذه الإذاعة. لإحساسي أنها أسست بعد غزو أمريكا للعراق. لذلك لا أستريح لكثرة التعامل معها.
ومع هذا وبسبب مكانة الراحل في نفسي، ونبرة المذيع المتصل استجبت. كان السؤال خاصاً بالطاهر وطار ووفاته وما يمكن أن أقوله عنه. ثم توالت الاتصالات. جريدة الشرق الأوسط اللندنية، جريدة الدستور المصرية، جريدة المصري اليوم المصرية. قلت ما يمكن قوله في مثل هذه الحالات، لكني جلست أتذكر حكايتي مع الطاهر وطار منذ أولها حتي آخرها.
3- اكتشافه بالقراءة
سألت نفسي: متي رأيت اسم الطاهر وطار لأول مرة؟!. حاولت التذكر. ورغم أنني ريفي وذاكرتي قوية. يحسدني الآخرون عليها. يقولون ذاكرة أفيال. فإن الوهن والضعف بدأ يتسرب إليها، ثم ألم يرد الحسد في القرآن الكريم؟ أنا ومنذ نشأتي الريفية من أشد المؤمنين بالحسد. حتي أساعد نفسي علي التذكر أمسكت ورقة وقلماً باعتبارهما يساعدان الإنسان علي استحضار ذهنه.
كنت في العراق، لحضور مهرجان المربد الشعري، وكانوا يوزعون علينا الكتب الصادرة أخيراً عندهم، عن وزارة الثقافة والإعلام، وبعد عودتي إلي مصر اكتشفت مجموعة من القصص القصيرة عنوانها: الشهداء يعودون هذا الأسبوع، وكانت لكاتبٍ لم أسمع عنه من قبل هو «الطاهر وطار» وقد لاحظت علي مجموعة القصص. والقصة التي تحمل عنوانها كانت أهم القصص. لاحظت عليها الآتي:
أنها مكتوبة باللغة العربية الفصحي، وكنا قد تعودنا علي قراءة الأدب الجزائري للجيل الأول مترجماً إلي اللغة العربية من الفرنسية مباشرة أو عبر لغة ثالثة. كان محمد ديب ومولود فرعون ومولود معمري كلهم يكتبون بالفرنسية. وكانوا يقولون لنا إنهم حزاني، لأن أدبهم ولد في منفي اللغة الفرنسية. لغة المحتل. لكني وجدت نفسي فجأة أمام هذا الكاتب الجديد الذي أقرأ له الطاهر وطار كان يكتب بالعربية مباشرة، لم يكن مكتوباً علي الكتاب أنه مترجم عن الفرنسية. وكانت اللغة ساطعة وجميلة، وتعكس وعياً بالتراث العربي.
الرواية التي قرأتها بعد المجموعة هي: «اللاز» وكانت تدور حول موضوع مهم يعكس أزمة الشخصية الجزائرية، ذلك أن اللاز بطل جزائري يناضل ضد الاستعمار الفرنسي، لكنه شيوعي بداخله تدور حالة من الصراع بين ارتباطه بوطنه الجزائر أو الارتباط الأممي بالحزب الشيوعي الفرنسي، كان من أطروحات منتصف القرن العشرين أن الأممية تسبق الولاء الوطني، كان هذا هو الصراع الجوهري بداخل اللاز.
4- الطاهر وطار لأول مرة
سافرت إلي الجزائر بدعوة من منظمة التحرير الفلسطينية لحضور اجتماعها الذي عقد في الجزائر، دعاني الاختيار وهو المسمي الداخلي ل«ياسر عرفات» قصة هذه الاجتماعات قد تخرجني عن السياق الذي أكتب فيه عن الطاهر وطار. المهم أنه كان ضمن وقائع هذه الزيارة أن قابلنا الأمين العام لجبهة التحرير الجزائرية وهي الجهة التي ناضل الجزائريون تحت مظلتها ضد المحتل الفرنسي، يومها كنت قد عرفت من الطاهر وطار أنه عزل من عمله كمدير لإذاعة الجزائر العربية. وذلك لأنه كان ينتمي في زمن مضي للحزب الشيوعي الجزائري.
وبعد انتهاء اللقاء سألت محمد شريف مساعديه عن أسباب فصل الطاهر وطار. ومازلت أذكر أن المسئول أنكر حكاية إعفاء الطاهر عن منصبه. ثم سألني ما مشكلة الطاهر؟ وقبل أن أجيب عاد يتساءل: لماذا نهتم في مصر بالطاهر لهذا الحد؟ وقبل الإجابة والكلام عنه. قال لي ما تأخذوه معاكم لمصر ويعيش معاكم في مصر من الآن، كان يقلد اللهجة المصرية في الكلام، لكن بدون سخرية ربما كانت محاولة منه للتقرب مني أو منا. فقد كنا وفداً صحفياً مصرياً مهماً. وقد قرر الفلسطينيون عقد هذا اللقاء معه كجزء من إشعار الجزائريين أنهم يقدمون لهم هذه الخدمة، قال لي بلهجة جادة بعد محاولة التفكه في الكلام: نحن لا نريد الطاهر وطار في الجزائر.
لكن لا أنا كنت قادراً علي أخذ الطاهر وطار معي إلي مصر عند العودة. ولا الرجل كلمني بدرجة ما من الوضوح عن مشكلتهم مع الطاهر وطار. وتركته في الجزائر بلا عمل إلي أن هداه الله لتأسيس الجاحظية، وهي جمعية كما يبدو من اسمها تحافظ علي الهوية العربية واللغة العربية والثقافة العربية أمام رياح الفرنسة التي تركها الفرنسيون في الجزائر، وكنت قد لاحظت خلال وجودي في الجزائر أن الفتي الجزائري الذي يمشي في الشارع قد لا يجيد القراءة والكتابة بالعربية. ولكنه يتكلم الفرنسية. ويتكلم العربية، وإن كان لا يعرف كتابة الأبجدية العربية ولا يحفظ من أدبيات العربية أي شيء، ربما كان هذا هو السبب في تركيز الطاهر وطار علي الجاحظية باعتبارها مدخلاً للعروبة.
عندما كان يتكلم أمامي، كان يحاول الاستشهاد بأبيات من تراث الشعر العربي. وكان يردد الكثير من الآيات القرآنية، وكنت تسمع أسماء الصحابة رضوان الله عليهم كرموز ونجوم للواقع الذي يراه، لم تكن حالة من الاستشياخ أو أن يبدو شيخاً في ظل تحولات كثيرة أصابت العديد من المثقفين اليساريين أو الشيوعيين. هكذا كان الطاهر وطار صادقاً مع الطاهر وطار لأبعد حد من الحدود. لم يتحول، لم يتلون، لم ينقلب علي نفسه، لم يحاول إعادة إنتاج نفسه.
مشروع الطاهر وطار الروائي انشغل بقضية تحرير الهوية الجزائرية لتصبح عربيةً بربرية إسلامية، وتصحيح مفهوم الثقافة في الجزائر وتحرير المثقف الجزائري من التعصب. عمل في الصحافة وأسس صحفاً ومجلات عدة، واشتهر بمواقفه اليسارية وبنضاله ودفاعه المستميت عن لغة الضاد. فضلاً عن انتقاداته اللاذعة للتيار الفرانكفوني في الجزائر.
عندما قرأت روايته: الشمعة والدهليز. وكان يناقش فيها قضية احتمال وصول الإسلاميين إلي السلطة في الجزائر، وما الذي يمكن أن يحدث من تداعيات؟ انزعجت من مجرد طرح الفكرة ومن الطاهر وطار تحديداً الرجل الذي كافح وناضل دفاعاً عن احتلال الجزائر ضد الفرنسيين، الفارق الوحيد بيني وبينه أنه لم تكن في حياته تابوهات، ولا أمور يرفض مناقشتها أو تناولها، أو التوقف أمامها، لكنه كان رحباً في الموقف من جميع الأفكار، وكانت لديه شجاعة التعامل معها بصرف النظر عن قبوله لها أو رفضه لمنطلقاتها.
آخر أخباره التي قرأتها في الصحف أنه يعالج في المستشفيات الفرنسية في باريس من مرض عضال، وهو تعبير يقال عادة لمن أصابه مرض لا شفاء منه، ثم صدرت في القاهرة روايته الأخيرة: قصيد في التذلل. ثم جاء خبر رحيله عن الدنيا. رحمه الله رحمةً واسعة.
5- كانت الحداثة قدره
ولد «الطاهر وطار» سنة 1936 في بيئة ريفية وأسرة بربرية. كان جده أمياً. لكن له حضور اجتماعي قوي، فهو الرجل الكبير الذي يقصده كل عابر سبيل حيث يجد المأوي والأكل، وهو صاحب العرش الذي يحتكم عنده كل أبناء الضاحية معا وهو المعارض الدائم لممثلي السلطة الفرنسية، أيضاً فإنه فتح كتاباً لتحفيظ القرآن الكريم بالمجان.
قال عن نفسه إنه ورث عن جده الكرم والإحساس بالكبرياء، وعن والده الزهد والتواضع والقناعة، وعن أمه الطموح والحساسية المرهفة. وعن خاله الذي بدد تركة العائلة الإحساس بالزهو وحب الفن.
التحق بمعهد لحفظ القرآن الكريم، ثم بمدرسة جمعية العلماء سنة 1950، ثم أرسله أبوه إلي القسطنطينية ليتفقه في معهد الإمام عبد الحميد بن باديس في 1952، وفي هذا المعهد انتبه الطاهر إلي ثقافة أخري موازية للفقه ولعلوم الشريعة وهي الأدب. فقرأ: ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وجبران خليل جبران، وطه حسين، وزكي مبارك، وميخائيل نعيمة.
كان يحلم بالحضور إلي مصر ليتعلم الفنون فيها. لكن الظروف لم تمكنه. فراسل مدارس كثيرة في مصر ليتعلم الصحافة والسينما. وإن كان بسبب قلقه الدائم مثل كل الفنانين الكبار لم يكمل المراسلة حتي نهايتها. قال عن نفسه مبكراً: كانت الحداثة قدري ولم يملها أحد عليَّ.
كتب الطاهر وطار عشر روايات وثلاث مجموعات قصصية وثلاث مسرحيات. من مجموعاته القصصية: دخان من قلبي 1961، الطعنات 1971، الشهداء يعودون هذا الأسبوع 1974، ومن رواياته: عرس بغل 1983، العشق والموت في الزمن الحراشي 1982، الشمعة والدهاليز 1995، الولي الطاهر يعود إلي مقامه الطاهر 1999، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء 2005، كتب مسرحيتين هما: الضفة الأخري والهارب. هذا علاوة علي عمله الأساسي رواية: اللاز. التي تعتبر مشروع عمره الثقافي حيث كتبها في نقد الثورة الجزائرية ولأول مرة طرحت في الرواية الجزائرية وبجرأة قضية علاقة الشيوعيين بتاريخ التحرر الوطني. تقول الرواية مثلاً إن الشيوعيين ذبحوا في الجزائر. ثم تكمل أن الأمر نفسه حدث في مصر وسوريا وفي غيرهما من البلدان العربية.
6- نداء لفوزي فهمي
أتوجه للدكتور فوزي فهمي. بأمنية أو رجاء أو نداء أتمني لو طبع رواية الطاهر وطار الأخيرة: قصيد في التذلل. التي نشرت وهو علي فراش المرض وقبل وفاته بأيام قليلة. وقد قال قبل أن يموت أخشي ما أخشاه أن يصدر الكتاب بعد وفاتي ويكتب علي غلافه رواية لم تكتمل. وبالمناسبة فالرواية صادرة في مصر عن دار نشر جديدة لا أعرف أصحابها. اسمها: كيان. ونشرها في مكتبة الأسرة يطفئ كثيراً من محاولات إشعال النيران بيننا وبين الشعب الجزائري الشقيق. ثم إن هناك روايتين نشرتا له منذ سنوات في روايات الهلال. هما: الحوات والقصر. ورواية أخري. وله رواية رابعة صدرت عن دار الثقافة الجديدة هي: الحب والموت في الزمن الحراشي وتعتبر الجزء الثاني من رواية عمره: اللاز.
7- سلامات
(1) جمال الغيطاني:
حكت لي أسرة صديق العمر ورفيق الدرب جمال الغيطاني تفاصيل العملية الجراحية التي أجريت له في مستشفي كليفلاند بالولايات المتحدة الأمريكية. واستغرقت أكثر من عشر ساعات. وهي في الحقيقة أربع عمليات متداخلة مع بعضها البعض. كان الأمر أقرب للمعجزة. تناوبوا الكلام. رفيقة عمره ورحلته ماجدة الجندي وابنته ماجدة الغيطاني وابنه محمد الغيطاني. وشقيقه اللواء مهندس: إسماعيل الغيطاني. أيضاً فإن صديقه قبل أن يكون طبيبه الدكتور جلال السعيد كان علي اتصال دائم بي وبالدكتور فوزي أسطفانوس - رئيس قسم التخدير في مستشفي كليفلاند -، والذي كان يتابع حالة جمال لحظة بلحظة ودقيقة بدقيقة. التفاصيل التي استمعت إليها وهي تفاصيل طبية متخصصة كثيرة. لكن المهم أن الرجل يتماثل للشفاء ويستعد للرد علي الاتصالات التليفونية.
وقد انتقل جمال الغيطاني من غرفة العناية المركزة بعد يومين من إجراء العملية. إلي غرفة وسط. ما بين العناية المركزة والغرفة العادية. ثم انتقل بعد يومين آخرين إلي الغرفة العادية التي يستطيع أن يمارس حياته فيها بشكل عادي. لكنه مر بحالة من التهيج عند العبور من أجواء العملية إلي الحياة العادية. والتليفون الوحيد الذي رد عليه كان اتصالاً تليفونياً مع الدكتور جلال السعيد. كان جلال السعيد قد اقترح علي الدكتور فوزي أسطفانوس أن يأخذ معه التليفون المحمول ويدخل غرفة جمال الغيطاني ويجري اتصالاً بينهما. باعتبار أن قواعد مستشفي كليفلاند لا تسمح بالتليفونات للمرضي. وهناك لا توجد وساطات ولا خواطر. لكن جلال السعيد فوجئ باتصال تليفوني من جمال الغيطاني استمر خمس عشرة دقيقة. حكي له بين الكلام والوهن والكلام والتعب والكلام وعدم القدرة علي الاسترسال فيه تفاصيل العملية الجراحية التي تمت له.
(2) بهاء طاهر:
صديقنا الأعز وأخونا الأكبر فاروق القاضي المناضل اليوليوي الذي لم يغيره شيء وصاحب الكتاب المهم: العلمانية هي الحل. الذي نشرته دار العين. فاروق القاضي يداوم الاتصال بي يومياً من عمان في الأردن للسؤال عن حالة جمال الغيطاني. وفاروق القاضي هو الذي أبلغني من عمان في الأردن بوجود بهاء طاهر في جينيف بسويسرا. أجري جراحة في المسالك البولية ويتماثل الآن للشفاء. سافر خلسة أو من وراء ظهورنا. لم يقل لأحد. استفهمت من عبد الله السناوي صديقه الأقرب. حيث تجمعهما جلسات مساء الثلاثاء في مقهي شعبي بحي الزمالك. فأكد لي الأمر.
اتصلت ببهاء طاهر الذي كان حريصاً علي أن يسمع مني ملخصاً لحالة جمال الغيطاني قبل أن يشرح لي حالته. عندما سألته عن موعد العودة لمصر. قال لي عندما يسمح الأطباء له بذلك سيعود فوراً. مشكلة بهاء طاهر الوحيدة التي لم يحكها لي وسمعتها من الأصدقاء أنه نحيف. يمكن أن يقال عنه "جلد علي عضم". والعملية الجراحية جعلته جلدًا تحت العضم. وهو يحاول تدارك الأمر الآن.
(3) محمد جابر غريب:
إنه صديقنا القصاص والروائي محمد جابر غريب. وصاحب ندوة قنديل أم هاشم التي يعقدها علي سور الكتب القديمة في السيدة زينب. وهو أديب وقصاص وصديق لكل الأدباء قبل أن يمتهن حرفة بيع الكتب القديمة. ويتعامل مع الكتب باعتباره قارئاً لها. وعاشقاً لها ولما تحويه من أفكار ومن كلمات. فضلاً عن أنه حكاء عظيم. أحب فيه أنه لم يستبدل الجلباب البلدي بأي بدلة. مع أنه قادر علي ذلك. وربما كانت البدلة العادية أرخص من الجلباب البلدي في أيامنا هذه. لكن محمد جابر غريب لا يريد إعادة إنتاج نفسه أبداً. يريد أن يبقي هو هو.
ذهبت إلي سور السيدة زينب. فعلمت من جيرانه أنه دخل المستشفي وأجري جراحة في القلب. ذهلت. فالرجل لم يبد عليه أنه صاحب علة قلبية. كل ما عرفته منهم أنه مريض بالسكر. ومن لم يمرض بالسكر في مصر الآن؟ اتصلت به. كان صوته واهناً. قلت له حمد الله علي سلامتك. سألته عن مشاكل العلاج المالية. قال لي إن اتحاد الكتاب تولي الأمر كله. وأتمني أن يعود محمد جابر غريب لقنديل أم هاشم. كشك الكتب الذي يوصل من خلاله الثقافة لكل المصريين. والندوة الأسبوعية التي يعقدها يوم الأحد من كل أسبوع علي الرصيف المقابل للكشك. محمد جابر غريب لم يتوقف عن كتابة مقالاته القصيرة عن رموز مصر في جريدة العربي الناصري. بالتحديد في الصفحة التي تشرف عليها وفاء حلمي لكي أكون دقيقاً صفحتان وليست صفحة واحدة. ولم يحدث تخصيص هذه المساحة للأدب والأدباء إلا في العربي الناصري فقط.
8- إليها .. ياأنا
كانت غاضبة بسبب عدم مداومة الكتابة عنها وإليها ولها. قالت في لحظة اندفاع نادرة حتي لو مت لا تتوقف. وكلمة الموت قاصمة وفاصلة للإنسان العادي فما بالك بالمحبين؟ فتحت كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي وهو كتاب في الألفة والإيلاف. سبق زمانه وسبق عصره وكتبه رجل دين. ومع هذا كان عن الحب. اكتشفت أن الرجل ليس ناثراً جميلاً فقط لكنه شاعر أجمل. قال في الباب العاشر وعنوانه المراسلة:
عزيز علي اليوم قطع كتابكم
ولكنه لم يلف للود قاطع
فآثرت أن يبقي وداد وينمحي
مداد فإن الفرع للأصل تابع
فكم من كتاب فيه ميتة ربه
لم يدره إذ نمقته الأصابع
وله شعر آخر:
جواب أتاني عن كتاب بعثته
فسكن مهتاجاً وهيج ساكناً
سقت بدمع العين لما كتبته
فعال محب ليس في الود خائنا
فما زال ماء العين يمحو سطوره
فيا ماء عيني قد محوت المحاسنا
غداً بدموعي أول الحظ بيننا
وأضحي بدمعي آخر الخط بائناً


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.