21 لواء وفريقًا .. "المحافظين" توسع نفوذ حكم العسكر في غير الملابس الرسمية    نص قرار وزير التموين بصرف منحة ال 400 جنيه على البطاقات التموينية    وزير الخارجية يتلقى اتصالاً من نظيره الفنزويلي لبحث تعزيز العلاقات الثنائية    انفجار في كنيسة بشمال ولاية نيويورك يصيب 5 أشخاص من بينهم رجل إطفاء    مرور 107 فلسطينيين عبر معبر رفح البري في الاتجاهين    التجربة السادسة.. نور الدين زكري مدربا للشباب السعودي    انطلاق معسكر منتخب السلة في برج العرب استعدادًا لتصفيات كأس العالم    الشباب السعودي يراهن على خبرة نور الدين بن زكري    ضبط قائد سيارة "فان" بتهمة تعريض حياة المواطنين للخطر بالإسكندرية    إقبال على شراء فوانيس رمضان في شوارع مرسى مطروح (صور)    أحمد فايق يقلب موازين كاستنج بمفاجأة كبرى في إعلان النتائج النهائية.. فيديو    فوز إيمان مرسال وعادل عصمت بجائزة «كفافيس» للأدب لعام 2026    18 أبريل المقبل.. محمد رمضان يحيي حفلا غنائيا في ألمانيا    طريقة عمل الأرز باللبن، حلويات منزلية رخيصة ومغذية في رمضان    خالد الجندي يقبّل يد الدكتور حسام موافي بعد شائعة وفاته    أعشاب طبيعية تساعدك على التخلص من الإجهاد قبل رمضان    محافظ البحر الأحمر: منظومة جديدة للنظافة تبدأ من الغردقة وتمتد لكل المدن    الفيلم العراقي مملكة القصب يفتتح الدورة 16 من مهرجان مالمو للسينما العربية    خالد أبو بكر: مفيد شهاب نجح في رفع الحجز عن أملاك مصرية وخفض المبالغ كثيراً    مارسيليا يتواصل مع الركراكي لخلافة دي زيربي    مانشستر يونايتد يستهدف ماك أليستر لتعويض كاسيميرو    السجن المشدد 10 سنوات ل 4 متهمين بسرقة ماكينة رى بالإكراه فى سوهاج    الدوري المصري – موعد مباراة الزمالك ضد حرس الحدود    السماء تتحدث بكلمات الترحيب الرمضانية التراثية فوق مآذن الحسين.. صور    الأدعية المستحبة في اليوم الأول من رمضان 2026    "تموين القاهرة": جميع السلع متوفرة.. ومفيش تاجر هيتحكم في الأسعار    قناة dmc تنعى الزميل محمود نصر الكاتب الصحفى باليوم السابع    نيابة عن رئيس الجمهورية.. مدبولى يغادر إلى واشنطن للمشاركة فى اجتماع مجلس السلام    "الشباب والرياضة" تعلن تفاصيل أضخم مشروع استثماري في استاد القاهرة ب25 مليار جنيه    تركيا تعلن الخميس أول أيام شهر رمضان    محافظ الجيزة يتابع أعمال رصف مطلع كوبرى أرض اللواء لتيسير حركة المرور.. صور    التعاون التعليمي والدعوي يتصدر لقاء وكيل الأزهر وكبير وزراء ملاكا الماليزية    تموين الغربية: ضبط 10 أطنان دقيق مدعم قبل تهريبها للسوق السوداء    زيلينسكي: عشرات الآلاف من سكان أوديسا أصبحوا بلا تدفئة ولا مياه جراء الهجمات الروسية الواسعة    ما بعد زراعة النخاع العظمي؟ في ضوء اليوم العالمي لمرضى الطرد العكسي ضد النخاع    دار الإفتاء تعلن خطتها الشاملة لشهر رمضان    قبل رمضان.. هل تكفي نية واحدة لصيام الشهر؟    القنوات الناقلة لمسلسل نيللي كريم «على قد الحب» في رمضان 2026    النائبة مروة حلاوة تطالب بإعادة النظر في القيم التأمينية لسجل المستوردين    «الأوروبي لإعادة الإعمار» يستثمر 10 ملايين دولار في «بريد فاست»    الطقس غدًا.. انخفاض درجات الحرارة وأمطار خفيفة في بعض المناطق والعظمى بالقاهرة 22    رئيس جامعة أسيوط يشهد افتتاح عشرة أسرّة رعاية مركزة بمستشفى الإصابات والطوارئ    إحالة مسئولي مدرسة للمحاكمة بسبب جريمة تحرش بالشرقية    الإذاعة المصرية تعلن خريطتها الدرامية في رمضان    الجمهورية الجديدة..عصابة مسلحة تسرق محلات طريق بلقاس جمصة وحريق مخزن بلاستيك في بنها    القوات المسلحة تجري مراسم تسليم وتسلم القيادة    السيد البدوي يهنئ الرئيس السيسي والأمة الإسلامية بحلول شهر رمضان    وزير العمل: دعمنا مستمر لتنفيذ ملفات التدريب والتأهيل وبناء بيئة عمل مستقرة    الشهابي: تشكيل المجالس المحلية ضرورة وأمن قومي    دياب: مكافأة بطل الدوري ستكون أكثر من 20 مليون.. ولن نؤجل مباريات بسبب الاتحاد الإفريقي    ارتفاع جماعي لمؤشرات البورصة في مستهل تعاملات الثلاثاء    طلب إحاطة بشأن تأخر تسليم الكتب المدرسية    نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا يستقبل رئيس جامعة ناجويا اليابانية    أوقاف القليوبية تطلق حملة نظافة مكبرة بجميع المساجد استعدادا لشهر رمضان    لجنة بجمعية رجال الأعمال المصريين تناقش آليات امتثال الشركات لقانون حماية البيانات الشخصية ولائحته    بيان مشترك لمصر و7 دول يدين قرار إسرائيل بتصنيف «أراضي دولة» في الضفة المحتلة    أسعار الفراخ والبيض اليوم الثلاثاء 17-2-2026 في الأقصر    حكم صوم يوم الشك بنية كفارة اليمين؟.. الإفتاء تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حسام تمام يكتب: هل يعيد الشيخ أحمد الطيب زمن الأزهر الشريف؟
نشر في الدستور الأصلي يوم 27 - 08 - 2010

علي الرغم من أن تراجع المؤسسة الدينية (الأزهر وما يتصل به من إفتاء وأوقاف) كفاعل في التدين والتأثير في الشأن الديني كان أبرز معالم التحولات التي عرفتها الحالة الدينية في مصر في الثلاثة عقود الأخيرة؛ فإن ثمة مؤشرات قوية علي أننا بإزاء لحظة فارقة نتصور معها إمكانية عودة هذه المؤسسة في استعادة حضورها وفاعليتها كفاعل مركزي في إدارة وتوجيه الشأن الديني في مصر وأنحاء كثير من العالم الإسلامي كما كان الحال تاريخيا.
القول بتراجع الأزهر ليس تجاوزا في حقه أو إقلالا من شأنه بالضرورة، ثمة أسباب بعضها متعلق بالتطورات التي طالت الفكرة الدينية نفسها، وبعضها يتعلق بالمؤسسة نفسها والسياق التاريخي الذي مرت به، ثمة تراجع لفكرة المؤسسة الدينية نفسها في التدين سواء كبناء مؤسسي أو كنسق للتدين وهذا يطال المؤسسة الدينية الإسلامية وغير الإسلامية، وثمة سياق ديني وسياسي أعاق الأزهر أو تسبب في تراجعه. والحق أن تراجع الأزهر بدأ منذ أكثر من نصف قرن لأسباب مختلفة أهمها سياسة الإلحاق المباشر من قبل الدولة الحديثة والتي نظرت له مرة كخصم تخصم قوته من قوتها ومرة أخري كمؤسسة تابعة لا تتورع عن توظيفها وتوجيهها كأداة أو ذراع ديني لمشروعها السياسي. لقد كانت البداية مع ثورة يوليو، بدأها جمال عبد الناصر لكن ثمارها أطلت في عهد السادات وأينعت وتم قطافها في عهد مبارك. استلحق ناصر الأزهر بدولاب الدولة لكن دوره ظل موجودا وفاعلا ارتباطا بقوة وفاعلية الدور المصري وقتها كقائد للأمة ومركز حركتها، وفي عهد السادات غاب الدور تماما لكن لم تتوقف الدولة عن سياسة الإلحاق والتوظيف وزادت أن فتحت الباب لفاعلين دينيين جدد (الجماعات الإسلامية) متأثرين كلية بالوافد الوهابي الجديد والقوي بفعل الصعود السعودي المسنود بطفرة نفطية هائلة، وهو الوافد الذي كان يضرب بقوة في الأساس الديني للأزهر المؤسسة السنية الأكبر والأقدم في تقاليدها وتراثها الأشعري في المعتقد والمنفتح علي تعددية فقهية واسعة والمتسامح مع التصوف.
لقد بدأ التعثر الحقيقي للأزهر منذ السبعينيات مع بدء تراجعه عقديا أمام المد السلفي الوهابي الذي كانت الجماعات الإسلامية باختلافها تعبيره الأكثر وضوحا، وما كان لمقاومته أن تستمر طويلا لولا قوة الدفع الذاتي للمؤسسة والحضور الاستثنائي لبعض رموزها وأبرزهم الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود (ت 1978) الذي ربما كان آخر مشايخ الأزهر من الأشاعرة المتصوفين قبل شيخه الجديد الإمام الأكبر أحمد الطيب.
لكن، ومنذ الثمانينيات من القرن الفائت، انفرط العقد وكرت المسبحة وتسارعت وتيرة التراجع بشكل غير مسبوق: صعدت جماعات الإسلام السياسي وملأت المجال الديني (فضلا عن السياسي بالطبع) الذي تأسس حضوره فيها علي أساس من الطعن والانتقاص في شرعية الأزهر كممثل للسلطة ورمزها الديني، واضطرت السلطة الفاقدة لمشروع سياسي إلي التوسع في استلحاق المؤسسة الدينية وتوظيفها لمواجهة هذا الصعود لجماعات الإسلام السياسي مما أكد دعاية الأخيرة وأضعف الأزهر وأفقده قدرا كبيرا من مشروعيته ومن قدرته علي قيادة المجال الديني. لقد كان هذا ما يجري فعلا داخل المؤسسة السنية الأهم في العالم، لقد غطي عجيج المواجهة علي تحولات مهمة تمثلت في تآكل المعتقد الأزهري وتراجعه تحت مد سلفي وهابي أدي إلي موجة تسلف اجتاحت حتي المؤسسة الأشعرية نفسها، وصار الأزهر، وتحديدا الجامعة، مركزا للسلفية. لم تعد السلفية تيارا هامشيا في الأزهر، وإنما صارت الأكثر دينامية وفاعلية في التأثير عقديا وفكريا داخله.
وكالعادة، اهتم النظام السياسي بضبط المؤسسة الدينية والسيطرة عليها وتوظيفها أكثر من اهتمامه بتقويتها كمركز استقرار للتدين المعتدل الذي ظل عنوانا للأزهر، وبالطبع لم يكن واردا في حالة التردي والانهيار أن يكون للنظام السياسي وعي يتيح له فهم تضاريس المشهد الديني وتعقيداته، ومن ثم فقد اتسمت اختياراته وقراراته في المجال الديني بعشوائية وضيق أفق غير محدود يفتقد لأي أفق استراتيجية. ودائما كانت حاجته لإسناد ديني مباشر أهم كثيرا من أي مصلحة عليا. والحق أن تجربة الشيخ الراحل محمد سيد طنطاوي رحمه الله (1928-2010) كانت أبرز عناوين أزمة المؤسسة الدينية، سواء حين كان مفتيا (1986) أو بعد أن تم ترفيعه شيخا للأزهر (1996) وهي فترة طويلة جاوزت ربع القرن كانت نتائجها سلبية علي المؤسسة الدينية وصورتها مما أضعف قدرتها علي الفعل والتأثير داخل مصر وخارجها. لقد افتقدت المؤسسة الدينية تحت قيادة الشيخ طنطاوي لأي تصور حول طبيعتها ودورها المفترض وموقعها وعلاقتها سواء بالدولة ومؤسسات أو بالفاعلين الديين الآخرين أو بالعالم، فكانت حقبة تعكس ما انتهت إليه الأوضاع من عشوائية تضرب في جنبات الدولة المصرية. لقد اضطرب وضع الأزهر وقبله الإفتاء كثيرا في عهد الشيخ طنطاوي رحمه الله، فلم يستطع تحديد موقعه من الدولة ومؤسساتها: لقد كان يري نفسه رحمه الله موظفا، بالمعني الحرفي للموظف المصري، كما اضطربت علاقته بالعالم وصار الأزهر أقل من توقعات العالم منه، لم يلتفت كثيرا لتطلعات العالم الإسلامي خصوصا السني وما ينتظره خصوصا حاجته لقيادة دينية جامعة، وفي حين كان الغرب الذي يشكو التشدد والتطرف الديني يطلب دورا للأزهر في فضائه الديني كان الشيخ يصر علي محلية الأزهر ويلزمه أضيق الحدود، علي نحو ما قاله لنيكولاي ساركوزي في قضية الحجاب!، أما العلاقة بالفاعلين الدينيين الآخرين فلم تكن أحسن حالا: ملاسنات سياسوية صغيرة تنحاز للسلطة لكنها تفيد عمليا خصومها، وتراجع كبير علي مستوي الأطروحة العقدية والفكرية جعلت الأزهر يشهد أكبر موجة مد للسلفية والإسلام السياسي في تاريخه. إن قراءة مدققة للأزهر منذ عهد شيخه عبد الحليم محمود تقول إن أصوله العقدية والفكرية كادت تتغير.لا يسمح المقام بالوقوف تفصيلا عند الحيثيات التي رجحت اختيار الدكتور أحمد الطيب شيخا للأزهر خلفا للشيخ سيد طنطاوي رغم أهميتها في فهم الوضع وميكانيزمات الفعل داخل المؤسسة الدينية، لكن الأكيد أنه كان اختيارا يفتح أيضا الباب للقول بإمكانات تغييرات مهمة تطول الحالة الدينية بما يسمح بعودة قوية للمؤسسة الدينية، والتي يبدو أن مؤشرات كثيرة تؤكد علي قدرتها علي استعادة نفوذها ومن ثم إعادة ترتيب المشهد الديني في مصر الذي طالته تغييرات مهمة.
نرصد مثلا انكساراً واضحاً للإسلام السياسي بشقيه الجهادي أو السلمي، ونري مراجعات للجهاديين وتراجعات للسياسيين بشكل لم يعد معه الإسلام السياسي مركز الفعل والتأثير الديني في مصر، وهناك اكتساح سلفي جارف يجتاح مجمل المشهد الديني ولا يستثني أيا من فاعليه، وهو ما صار يستنفر حضورا مضادا لا يمكن أن يتبلور إلا في مؤسسة الأزهر باعتبارها تحمل أطروحة مغايرة حيث الأشعرية في الاعتقاد والصوفية في السلوك والنظر باعتبار لتعددية المذاهب الفقهية الواسعة.. إن الأزهر يقف هنا باعتباره المشروع الأبرز لمواجهة السلفية ضمن فضاء أهل السنة والجماعة. ثمة أيضا حالة من الفوضي الدينية العارمة، خصوصا مع الفضائيات الدينية، يتعاظم معها الحاجة إلي المؤسسة التي تضبط وتقّيم وتكون حكما ومرجعا.. والمفارقة المهمة أننا في لحظة صارت فيها عودة الأزهر مطلبا عاما ليس من المجتمع فقط بل ومن الفاعلين الدينيين أيضا فضلا عن الدولة نفسها التي كان يبدو أن ثمة من تبين فيها أن سياستها السابقة في استلحاق الأزهر كانت ضارة، خاصة بعد أن صار تراجعه عنوانا لتراجع الدولة المصرية نفسها.
الحق أيضا أن تجربة اختيار الشيخ علي جمعة في منصب الإفتاء (2003) كانت ذا دلالة، تجاوز النظام منطقه البائس في اختيار شيوخ أقرب للتكنوقراط إذا ما لم يكونوا مجرد موظفين ديين، وانحاز في اختيار الرجل لمنطق إعادة بناء مؤسسة الفتوي ورد الاعتبار لها ولو بقدر من التسامح مع الاستقلالية، وهو ما فعله الشيخ علي جمعة باقتدار فأفاد الدولة لكن دون أن يتورط في منطق التوظيف السياسي الذي تأكد أن إثمه أكبر من نفعه، خاصة مع حالة الترهل وانعدام الكفاءة التي ضربت غير قليل من مؤسسات الدولة. نجح علي جمعة الذي كان ينظر إليه كوافد علي المؤسسة الدينية وليس من صلبها فيما فشل فيه سابقوه ممن رأوا أنفسهم أكثر أصالة في الأزهرية، أعاد بناء دار الإفتاء وقام بتحديثها وأحدث في تكوينها وتدريبها نقلة كبيرة وفتحها علي أسئلة وتحديات جديدة وغير تقليدية، كما أبعدها عن فوضي الفتوي وعشوائياتها، وأعاد لها هيبة كانت قد أوشكت علي الضياع.. ساعده في ذلك عتاد وعطاء فقهي ومعرفي نادر بين مشايخ هذا الوقت، وخبرات وتجارب دعوية وثقافية إسلامية تمتد قرابة الأربعة عقود!
باختيار الشيخ أحمد الطيب شيخا للأزهر يمكن أن نتوقع أن الدولة استفادت من تجربة الإفتاء ولكن علي مدي أوسع وأعمق يوازي أهمية مشيخة الأزهر وما لها من تاريخ ورمزية ليست لمنصب المفتي، ليس في الأمر مجاملة إذا قلنا أن الطيب كان الاختيار الأنسب بما يمتلكه من مؤهلات كلها تجعلها اختيار المرحلة، بالمعني الإيجابي والدقيق للكلمة: فهو أكاديمي مقتدر ومحل اعتبار وأستاذ في العقيدة والفلسفة يعطي للمنصب بعدا أكثر جدية وصورة تناسب العالم، كما أن له رصيداً من الانفتاح علي الغرب منذ دراسته في فرنسا وعمله فيها، وما زال الرجل يكتب ويترجم من الفرنسية ويتقن معها الإنجليزية أيضا، وهو انفتاح موزون لم يتعثر صاحبه بسببه في فهم المجتمع وتضاريسه وقضاياه كما تعثر حمدي زقزوق في وزارة الأوقاف التي دخلها قادما من مدرسة الاستشراق الألمانية وما زال يحارب طواحين الهواء بعد أن أضاع عهده في مشروع الأذان الموحد الذي يختصر بؤس الرؤية النخبوية للإصلاح الديني!. ينحدر الطيب (ولد 1946) من عائلة كريمة في الأقصر لها تاريخ في العلم والتصوف في مجتمع تقليدي، وما زال يحافظ علي هذا التقليد ولم ينقطع عنه، مازال يحضر في دوار العائلة ويسمع مشاكل أهله وقريته وأهل الطريقة ويحلها، إن هذا الامتداد هو ما يعطي لانفتاحه معني، إنه امتداد لعقد من المشايخ والعلماء الأزهريين كان منهم الشيخ محمد عبد الله دراز الذي كتب بالفرنسية أهم أعماله (دستور الأخلاق في القرآن الكريم) وكان آخرهم الإمام الأكبر عبد الحليم محمود. وأهم ما في الرجل أنه ليس من مدرسة التكنوقراط الأزهريين، بل تسكنه روح أزهرية وولاء للمؤسسة التي يبدو أنه يمتلك تصورا ورؤية لموقعها ودورها، ولديه مشروع لاستعادة دور الأزهر كمركز للتدين الوسطي المعتدل المعنون بالأشعرية والتصوف والتعددية الفقهية.
ما زال الرجل يتلمس خطواته في موقع المشيخة ولم تمض عليه إلا أشهر معدودات (19 مارس 2010) ؛ لكن يمكن استقراء وفهم مشروعه، وأولي خطواته نحو إعادة ترسيم الحدود بين الأزهر والسلطة وبين الأزهر والفاعلين الدينين وبين الأزهر والعالم. كان الطيب عضوا بلجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، وبمجرد اختياره شيخا للأزهر أعاد ترسيم العلاقة بالسلطة ليس لجهة الانفصال عنها أو الاصطدام بها وإنما لجهة التمايز فقط، استقال من موقعه الحزبي ولكن بعد الرجوع إلي رئيس الجمهورية: رأس الدولة أو ولي الأمر، إن الرجل يعرف أنه لا يمكن أن يكون شيخا للأزهر بنفس موقعه الحزبي، لكنه ابن لمؤسسة الأزهر التي لم تنفصل يوما عن الدولة المصرية أو تتمرد عليها. إنه فقط إعادة تعريف للأزهر ضمن الدولة ونقله من الإلحاق السياسي السلطوي إلي قلب الدولة نفسها.
وفي مواقفه السياسية تظهر هذه الرؤية التي تعيد ترسيم علاقة الأزهر بالسياسة وتبدو استعادة للخبرة التاريخية السنية، رفض الفتوي في مسألة جدار غزة الذي كانت قد قامت بسببه معركة فتوي بين الشيخ يوسف القرضاوي وبين المؤسسة الأزهرية نهاية عهد الشيخ طنطاوي رحمه الله الذي رد علي فتوي التحريم بفتوي تقول إنه حلال وأكبر الحلال! قال الشيخ الطيب إنها أمور لا يصلح أن يفتي فيها الفقيه الذي ستغيب عنه معطيات عسكرية واستراتيجية وسياسية لا علم له بها. إنه موقف دال يعيد التمييز بين الديني والسياسي بمنطق الخبرة التاريخية الإسلامية السنية علي الأقل التي شهدت هذا التمايز وليس بالمنطق العلماني الذي يستبعد الدين من أمور الدنيا. وهو حين يدخل بالأزهر في السياسة يدخل به كجامع وموحد ورافع لقضايا الإجماع أو ما صار يعرف بقضايا الأمة: رفض التطبيع مع إسرائيل، رفض التورط في علاقات أو مواقف سياسية تفصيلية: زيارة القدس بتأشيرة إسرائيلية، لقاء مسئولين إسرائيليين.. إلخ وفي القضية الفلسطينية دعم المصالحة عموما والفتوي بوجوبها دون تفصيلات تفسر لمصلحة فصيل سياسي علي حساب غيره..
ويعيد الطيب ترسيم علاقة الأزهر بالعالم من خلال انفتاح واسع وواثق يلتقط حاجة الأزهر لهذا الانفتاح لدعم كفاءته العلمية وقدرته علي ملاحقة العصر وكفرصة للتمدد بخطاب الاعتدال الإسلامي الذي يمثله، مع ثقته بأن الحاجة متبادلة خاصة مع تفاقم مشكلات الاندماج والتشدد الإسلامي التي جعلت دوائر علمية وسياسية غربية كثيرة تتجه للأزهر كمركز للوسطية ومواجهة تيارات الغلو والتشدد الديني، في هذا الصدد كانت رعاية الطيب، مؤخرا، للتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني الذي أسهم في دراسة وتدريب عدد من طلاب الشريعة وفي سعيه لإنشاء مركز بالأزهر لدراسة الإنجليزية، ودفاعه القوي عن التعاون مع بريطانيا في هذا الشأن.كما يعيد الطيب ترسيم العلاقة مع الفاعلين الدينيين الآخرين، تجاوز الرجل في علاقته بجماعة الإخوان أزمة ميليشيا طلاب الأزهر التي وقعت أثناء رئاسته الجامعة وكان موقفه فيها صارما، وتمكن من احتواء المعارضة الشرسة والحادة من جبهة علماء الأزهر التي لم يمنع حلها قانونيا وإبعاد رموزها عن الجامعة في منعها من خوض حرب شرسة ضد سلفه الشيخ طنطاوي، ووصل الأمر إلي ما يشبه المبايعة من الجبهة للطيب أمانا أكبر تقر بقيادته الدينية، كما كان موقف الطيب من الشيخ القرضاوي أكبر مرجعية سنية خارج الأزهر بالغ الحكمة حيث أعطاه منزلته وأقر له بمقامه بشكل أعاد لمشيخة الأزهر الكثير من هيبتها ووقارها دون أن يغير من موقع الشيخ أو المشيخة الفكري والعقدي، كمؤسسة أشعرية تمثل إسلام الدولة. يمكن الاسترسال كثيرا في مؤشرات عودة المؤسسة الدينية، لكن أن هذه العودة لن تمر إلا بمعركة كبيرة لإعادة تحديد التيار السائد في التدين والفاعل في الحالة الدينية، وهي معركة سيكون عنوانها الأبرز مواجهة المد السلفي الوهابي الذي بلغ منتهاه، وهي معركة يتوقف علي نتيجتها مصير الحالة الدينية في مصر لكنها لن تقتصر في حدودها عليها بل ستمتد لكل العالم السني ومؤسساته الدينية خصوصا في مراكزها التاريخية (مصر والمغرب والشام وتركيا والهند)، وهو ما بدا واضحا في المؤتمر العالمي الذي رعاه الشيخ (8-11 مايو 2010) عن الإمام أبي الحسن الأشعري وشارك فيه كل خصوم السلفية في العالم الإسلامي السني.. إن عودة أخري للأزهر قد لا تكون ممكنة إلا بإعادة تجديد أطروحته العقدية والفكرية وهو ما سيخلق صداما لا مفر منه مع التيار الأكثر نفوذا ودينامية في العالم الإسلامي: «السلفية».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.