من جديد.. تجرعت النفوس في مصر والعالم العربي.. مرارات من الحزن والأسي - وهي تتابع أحداث الجريمة البشعة التي اقترفتها قرصنة القوة الإسرائيلية البربرية الغاشمة، بحق الأبرياء العُزل من نشطاء حقوق الإنسان والفعاليات التي كانت توجد ضمن قوافل «سفن الحرية» من جنسيات مختلفة، لدي وجودها بالمياه الدولية متجهة إلي شواطئ غزةالمحتلة، مُحملة بمواد الإغاثة والمؤن لتوصيلها لشعبها المحاصر من البر والبحر والجو.. حصاراً خانقاً مُستمراً لثلاث سنوات علي التوالي.. بما يجسد أمام العالم كله، جريمة إرهاب دولة «سادية» مازالت تتلذذ بتجويع وترويع السكان في غزة وباقي الأراضي الفلسطينية الواقعة في براثن الاحتلال الاستيطاني الصهيوني النازي منذ «نكبة» 5 يونيو 1967 التي تُطل علينا هذا الشهر البغيض ذكري مرور ثلاثة وأربعين سنة كاملة من وقوعها.. وخلالها عمل هذا الاحتلال الاستيطاني المدعوم أمريكيا وغربيا والمسكوت عنه عربياً علي تكريس واقع سياسي وديموغرافي جديد لدولة يهودية عرقية خالصة، يتم تفريغها «ولو بالتطهير العرقي» من الفلسطينيين العرب مسلمين ومسيحيين، بمثل ما يجري علي قدم وساق تهويد مدينة القدس بكاملها وتغيير معالم القدسالشرقية التي تضم المسجد الأقصي وكنيسة القيامة وسائر المقدسات الدينية فيها.. كل ذلك في ظلال عجز عربي وانقسام فلسطيني مخزٍ ومخجل عن مواجهة عربدة إسرائيل وجرائمها المستمرة، عدوانا علي الحق العربي والفلسطيني، واستخفافا بمقدرات ومشاعر مائتي مليون عربي واقعين بدورهم تحت حصار أنظمتهم الغاشمة، منذ بداية حقبة الاستقلال الوطني في منتصف القرن الماضي!! ولقد كان استعراض القوة الأخير، للآلة العسكرية الصهيونية النازية، الذي تساقط خلاله العشرات من ناشطي قوافل الحرية ما بين شهيد وجريح محكاً جديداً لمدي صحوة الضمير الإنساني العالمي من موات هذا الضمير، بإزاء جريمة دولية كاملة، ارتكبتها إسرائيل بأعصاب باردة علي مرأي من العالم كله، وعصفت بكل ما تمثله أحكام القانون الدولي وآليات ومواثيق الأممالمتحدة، وما تكفله تلك المواثيق من ضمانات لحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وقد باتت إسرائيل ترتكب جرائمها هذه ضد الشعب الفلسطيني المحتل وضد الإنسانية بمثل ما فعلت العام الماضي في محرقة «هلوكوست» غزة الجماعية الجهنمية وهي واثقة من إفلاتها من العقاب الدولي ومرتكنة إلي «الحماية» التي تكفلها لها وتسبغها عليها الإدارة الأمريكية المتحالفة تحالفاً استراتيجياً مع دولة العصابات النازية الصهيونية، خاصة في حقبة انفراد القوة الأمريكية الإمبريالية بالقطبية العالمية! ومن أسف أن تكررت أخيراً، الحماية والتغطية الأمريكية، لإسرائيل في مجلس الأمن، في مناسبة العدوان الإسرائيلي الماثل - فيما يُصادف مرور عام كامل علي خطاب الرئيس أوباما، الذي ألقاه في جامعة القاهرة يوم 4 يونيو من العام الماضي 2009 - الذي كان قد جاء ببشارة خادعة للعالم، بقدوم عالم جديد تسوده روح العدالة والإنصاف للحقوق العربية والفلسطينية، ورد الاعتبار للإسلام وللعالم الإسلامي الذي كان متهماً من قبل إدارة بوش الصليبية السابقة بنشر الإرهاب الدولي! ومن أسف أن مصداقية هذا التوجه الجديد للإدارة الأمريكيةالجديدة قد سقطت علي الفور في محكاتها العملية فيما ثبت من أن أوباما نفسه لم يستطع الإفلات من هيمنة طاقم المحافظين التجذرين في العصب الاستراتيجي للتوجهات الخارجية الأمريكية الممثلين للقوي الرأسمالية المتحالفة مع اللوبي الصهيوني، وهي القوي التي لا تزال تسيطر علي مقدرات الشعب الأمريكي، والتي يبدو أنها لا تخدم المصالح الأمريكية في العالم في المدي المنظور أو البعيد، بقدر ما تخدم مخططات وبرتوكولات الحركة الصهيونية الماسونية العالمية، التي تتبني مقولة «شمشون» الشهيرة «عليَّ وعلي أعدائي»! والتي سوف تؤدي في آخر الأمر إلي التعجيل بنهاية العالم وتدمير الحضارة البشرية المعاصرة واستدعاء يوم القيامة مبكراً !! - كما وأنها سوف تكون نذيراً بسقوط «إمبراطورية الشر الأمريكية» وصيغتها الفيدرالية، بمثل ما سقطت قبلها إمبراطورية الاتحاد السوفيتي غير مأسوف عليهما! ومن جانب آخر استبان من ردود الأفعال العربية الرسمية الخافتة تجاه حدث العدوان الإسرائيلي الأخير مقارنة بردود الأفعال الساخنة القوية لدي الشعب التركي والشعوب الإسلامية والشعوب المحبة للسلام والعدالة في العالم، مدي عجز الأنظمة العربية الحاكمة ومرآتها الجامعة العربية عن اتخاذ أي موقف أو وقفة إيجابية عملية تجاه الإدارة الأمريكية الحامية والداعمة لربيبتها إسرائيل المكلفة من جانبها بوقف نمو الوطن العربي وتجزئته وتصفية القوة العربية -موقفا يشعر ببداية يقظة عربية باتت تحتمها الكرامة والنخوة العربية، تنهض بتبعاتها قمة عربية طارئة وعاجلة - تتخذ من القرارات الحاسمة - ودون إعلان للحرب - ما يصون الأمن العربي المشترك الذي بات في خبر كان، ويؤسس لرابطة عربية جديدة للنهوض العربي ولاستعادة الحق العربي والفلسطيني السليب، وتدارك الخلل الاستراتيجي المتزايد مع العدو بمعناه الشامل. إلا أنه يبدو مع موات الحراك العربي الرسمي أنه لم يعد هنالك أمل في نهوض تلك الأنظمة العربية المتهاوية والفاسدة بتبعات مسئولياتها التاريخية تجاه حاضر ومستقبل وأمن واستقلال شعوبها. وليس ثمة ما يُفسر هذا العجز النظامي العربي، في مواجهة العدو، الذي خرج من دائرة الصمت والخفوت إلي مدارات تقرب من «التوافق» مع ما يستهدفه العدو الإسرائيلي من مخططات.. إلا أن حاميته الولاياتالمتحدةالأمريكية أصبحت هي الملاذ في الواقع لاستمرارية كل نظام عربي في موقعه من حكم بلاده - استبدالا للرضاء الشعبي بالرضاء الأمريكي السامي- وتلك حقائق مرة تفضي في التحليل الأخير إلي أن طريق العودة والنهضة عربيا وفلسطينيا الذي لا طريق غيره هو تحرير الشعوب العربية، وخروج كل منها من أقفاص الشمولية، وإمساكها بإرادتها الحرة وبمقدراتها في ظلال نظم ديمقراطية دستورية يتم بناؤها علي أنقاض الأنظمة الاستبدادية العميلة الفاسدة الحاكمة. وهكذا يأبي شهر يونيو إلا أن يعود إلينا كل عام بهداياه المُحملة بالأسي والأحزان، وكانت هدية هذا العام في مصرنا هي تزوير وتزييف إرادة الأمة المصرية في انتخابات التجديد النصفي الصورية لمجلس الشوري - وبصورة أكثر فجاجة هذه المرة - بما يلقي ظلالاً قاتمة علي فرص التغيير السلمي الديمقراطي من داخل النظام أو من خارجه وهو مأتم جديد للحرية والديمقراطية في مصر. وبعد.. فلابد من خاتمة لهذا المقال، نقدم فيها تحية لشعب تركيا المسلم الأبي ولحكومته الإسلامية الراشدة وتحية كذلك إلي «دول الجوار» الإسلامية الأخري التي باتت قواها البازغة تُشكل سياجاً جديداً لأمن الشعوب العربية والإسلامية وإلي أن تستعيد القوي العربية «المُحاصرة» بدورها عافيتها.. ويومها سوف تدور علي إسرائيل الباغية الدوائر.. وإنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا بإذن الله.