وزارة العمل تكشف عدد المنشآت التي تم التفتيش عليها خلال أسبوع    وزير الخارجية يبحث مع نظيره الأوكراني العلاقات الثنائية وتطورات الأزمة الأوكرانية    توروب والشناوي يتحدثان اليوم في مؤتمر صحفي عن مواجهة شبيبة القبائل    خلافات قديمة تنتهي بحبل المشنقة.. الإعدام لعامل قتل آخر طعنًا بالخصوص    المنتجة ماريان خوري: يوسف شاهين وثق جنازتي عبد الناصر وأم كلثوم بكاميرته الخاصة    الصحة عن وفاة طفل دمياط: حق أسرة محمد لن يضيع.. نحقق في الواقعة وسنعلن النتائج بشفافية تامة    فيه سم قاتل، سحب دفعات من حليب الأطفال "دانون" في النمسا وألمانيا    أسعار الذهب تعاود الارتفاع عالمياً في بداية تعاملات الجمعة    محافظ الجيزة يتابع عمليات إطفاء حريق بمصنع أخشاب في مدينة 6 أكتوبر    طقس اليوم: دافئ نهارا بارد ليلا على أغلب الأنحاء.. والعظمى بالقاهرة 25    القومي للبحوث يختتم برنامج التدريب الميداني لطلاب التكنولوجيا الحيوية بجامعة 6 أكتوبر    باد باني يسجل أكبر مؤتمر صحفي لعرض ما بين شوطي مباراة السوبر بول (صور)    الأمم المتحدة: الضفة الغربية شهدت أعلى نسبة تهجير في يناير    رئيس الوزراء بستعرض التقرير النهائي للجنة تطوير الإعلام المصري    محمود عامر يحذّر من شبكة نصب باسم الإنتاج الإذاعي ويطالب راديو 88.7 برد رسمي فوري    روجينا ترفع سقف التحدي في رمضان 2026.. "حد أقصى" دراما اجتماعية تكشف الوجه الخفي لغسيل الأموال وصراعات البشر    البيت الأبيض: ترامب يريد معرفة إمكانية إبرام اتفاق مع إيران    بعد حجب «روبلوكس» في مصر.. ياسمين عز توجه رسالة حاسمة للأهالي: أولادكم أذكى منكم وممكن يرجعوها بطرق غير شرعية    انتصار تكشف كواليس "إعلام وراثة": صراع الميراث يفضح النفوس ويختبر الأخلاق في دراما إنسانية مشتعلة    انفراجة في ملف تجديد أحمد حمدي مع الزمالك    «صلاح ومرموش» على موعد مع الإثارة في قمة الأسبوع 25 من الدوري الإنجليزي    بصوت مغلف بالدفء، غادة رجب تصدح في أوبر الإسكندرية بعصا المايسترو علاء عبد السلام (صور)    كشف ملابسات واقعة التعدي على مديرة دار رعاية مسنين بالجيزة    محادثات أوكرانية - روسية - أميركية جديدة مرتقبة في الأسابيع المقبلة    شعبة السيارات: هناك شركات أعلنت وصولها إلى نهاية التخفيضات ولن تخفض أسعارها مجددا    اعتداءً على الفقراء والمحتاجين.. ما حكم بيع الدقيق المدعّم في السوق السوداء؟    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    «الأزهر العالمي للفتوى» يختتم دورة تأهيلية للمقبلين على الزواج بالمشيخة    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    إصابة فلسطيني في قصف جوي للاحتلال استهدف منزلًا بخان يونس    الفضة تسجل أكبر تراجع يومي وتكسر مستوى 67 دولارًا للأوقية    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    رئيس شعبة المواد الغذائية: نعيش العصر الذهبي للسلع الغذائية بوجه عام والسكر بشكل خاص    الفنانة حياة الفهد تفقد الوعي نهائيا ومدير أعمالها يؤكد تدهور حالتها ومنع الزيارة عنها    بينهم نائب بمجلس النواب.. أسماء مصابي حادث الحر بالقليوبية    كأس إسبانيا - أتلتيكو إلى نصف النهائي بخماسية في شباك ريال بيتيس    الزمالك يعلن تعاقده مع كاديدو لتدريب فريق الطائرة    تعثر انتقال يوسف أوباما للكرمة العراقي بسبب إجراءات القيد    استعدادا لشهر رمضان المبارك، طريقة عمل مخلل الفلفل الأحمر الحار    بعد إهداء أردوغان "تووج" التركية الكهربائية في مصر .. مراقبون: أين سيارة "صنع في مصر"؟    ترك إرثًا علميًا وتربويًا ..أكاديميون ينعون د. أنور لبن الأستاذ بجامعة الزقازيق    الأخدود ضد الهلال.. بنزيما يعادل إنجاز مالكوم التاريخى مع الزعيم    اتحاد بلديات غزة: أزمة الوقود تُعمق معاناة المواطنين والنازحين    «الرشوة الوهمية» تنتهى فى الزنزانة.. الأمن يكشف كذب ادعاء سائق وعامل ضد ضابط مرور    السجن المشدد 10 سنوات لعاطل حاول التعدى على طفلة بقنا    أتلتيكو مدريد يكتسح ريال بيتيس بخماسية ويتأهل لنصف نهائى كأس ملك إسبانيا    ستراسبورج يتأهل لربع نهائي كأس فرنسا على حساب موناكو    أخبار × 24 ساعة.. الخميس 19 فبراير 2026 أول أيام شهر رمضان فلكيًا    النائبة ولاء الصبان تشارك وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الدقهلية افتتاح المجزر الآلي الجديد ومعارض أهلا رمضان    "مش هشوف ابني تاني".. والدة الطفل ضحية حقنة البنج تبكي على الهواء    شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الكفيفة مريم حافظة كتاب الله ويوجّه بتبنى موهبتها    تعظيم سلام للأبطال| جولات لأسر الشهداء فى الأكاديمية العسكرية    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    رئيس التنظيم والإدارة يشارك في القمة العالمية للحكومات بدبي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عمرو صلاح عضو لجنة الخمسين يكتب: دستورنا ينصف الفقراء والمهمشين
نشر في الدستور الأصلي يوم 13 - 12 - 2013

النص الدستورى ألزم الدولة بالتكفل بمجانية التعليم وتشجيع التعليم الفنى وفقًا لمعايير الجودة العالمية

ألزم كل أصحاب العمل بتوفير شروط الأمن للعمال.. وحظر الفصل التعسفى

المادة «78» كفلت الحق فى المسكن الملائم والآمن والصحى بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية

(1)

هل تتحقق العدالة الاجتماعية بالدستور الجديد؟

لا يمكن الحديث عن تأسيس دولة جديدة ونظام سياسى جديد، دون الأخذ فى الاعتبار جملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التى يجب أن تتحمل الحكومات المسؤولية الأساسية والأولى فى جعلها واقعًا قائمًا، وهنا لا يمكن التذرع بنقص الموارد أو اختلاف الرؤية تجاه المنظور الاقتصادى (رأسمالى أو اشتراكى أو مختلط) للتنصل من هذه الحقوق، أى أن هذه الحقوق تمثل الحد الأدنى، الذى يجب أن يكون مضمونًا من قبل الحكومات مع اختلاف رؤاها السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وبالطبع قد تختلف الحالة الاقتصادية التى تمر بها الدول، أو حجم الموارد التى تمتلكها الحكومات، وتكون محكومة فى توجيه نفقاتها وفقًا لذلك، لكن حتى فى مثل تلك الحالات يجب أن تظل الأولوية لتأمين الحد الأدنى من تلك الحقوق، أى أن الأمر ليس من قبيل الرفاهية أو موضعًا للاختيار، بل إن وجود الحد الأدنى من تلك الحقوق والتدرج فى جعل التمتع بها يرتقى للمعايير الدولية، يجب أن يكون إلزاميًّا على الحكومات وعلى الدولة، هذا من منظور حقوقى بحت.

*************

وهنا فإن أبرز ما جاء فى دستور لجنة الخمسين، هو ما يمكن تسميته بأهداف النظام الاقتصادى، فبالعودة إلى الدساتير الحديثة (التى لجأت إلى الاستفاضة فى نصوصها) مثل دستور البرازيل مثلًا فإنك تجد أمرًا مماثلًا، حيث اتجه المشرع الدستورى إلى تحديد أهداف للنظام الاقتصادى، وردت فى عدد من النقاط على عكس ما اتجهت الدساتير الكلاسيكية التى سعت للاختزال فى نصوصها.

وقد قامت مجموعة الشباب داخل اللجنة فى أولى جلساتها العامة بعرض تلك الفكرة، وهى وضع بنود محددة يستهدفها النظام القادم أيًّا كان توجهه (ليبراليًّا أو يساريًّا)، تمثل أطرًا محددة وغايات لعمله، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية بوصفه هدفًا لا أمرًا ثانويًّا. وبالفعل فقد لاقت تلك الفكرة قبولًا لدى أعضاء لجنة المقومات تحديدًا، وهى اللجنة التى وضعت أهدافًا للنظام الاقتصادى مثّل أغلب ما ورد فيها انحيازًا حقيقيًّا إلى العدالة الاجتماعية داخل الدستور، التى من بينها كما ورد فى المادة (27) كأهداف للنظام الاقتصادى:

- تحقيق الرخاء فى البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.

- رفع معدل النمو.

- رفع مستوى المعيشة.

- زيادة فرص العمل.

- تقليل معدلات البطالة.

- القضاء على الفقر.

- ضمان تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للتنمية وتقليل الفوارق بين الدخول.

وبالتالى فإن أى خطة اقتصادية سوف تضعها الدولة سوف تكون ملتزمة بوضع النقاط الآتية كأهداف عامة لهذه الخطة وإلا تصبح غير دستورية.

*******

الحق فى الغذاء والماء والمسكن والموارد الطبيعية:

لقد كفلت المادة (78) «الحق فى المسكن الملائم والآمن والصحى، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية»، وألزمت المادة نفسها «الدولة بوضع خطة وطنية للإسكان تراعى الخصوصية البيئية، وتكفل إسهام المبادرات الذاتية والتعاونية فى تنفيذها، وتنظيم استخدام أراضى الدولة ومدها بالمرافق الأساسية فى إطار تخطيط عمرانى شامل للمدن والقرى»، كما ألزمت المادة نفسها الدولة فى فقرة أخرى «بوضع خطة قومية شاملة لمواجهة مشكلة العشوائيات تشمل إعادة التخطيط وتوفير البنية الأساسية والمرافق وتحسين نوعية الحياة والصحة العامة، كما تكفل الموارد اللازمة للتنفيذ»، وكل هذا «خلال مدة زمنية محددة».

أما المادة (79) فأشارت إلى أحقية كل مواطن فى «غذاء صحى وكافٍ، وماء نظيف»، وألزمت «الدولة بتأمين الموارد الغذائية للمواطنين كافة»، و«الحفاظ على التنوع البيولوجى الزراعى، وأصناف النباتات المحلية للحفاظ على حقوق الأجيال»

************

الحق فى الصحة والتعليم والبحث العلمى:

وفى معرض حديث الدستور عن حقوق اقتصادية واجتماعية مثل الحق فى الصحة والتعليم، فهناك سمات أساسية فى هذا الشأن ينبغى أخذها فى الاعتبار.

السمة الأولى: وهى ربط وجود الحق بالجودة، وهو ما يعد تطورًا على الصعيد الدستورى، وعلى صعيد الرؤية، فما عانينا منه عبر عقود ماضية لم يكن النص على التمتع بالحق من عدمه، ولم يكن مدى إقراره دستوريًّا من عدمه أيضا، لكن مدى جودة ما تقدمه الدولة فى هذا الإطار.

وهنا فعندما تحدث النص الدستورى فى مادته رقم (18) أشار الدستور إلى المبادى الآتية:

إن «لكل مواطن الحق فى الصحة، وفى الرعاية الصحية المتكاملة»، كما فرض إلزامًا على الدولة بإقامة «نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض».. ثم انتقلت المادة لتغطى مساحة أخرى من الحق «بتجريم الامتناع عن تقديم علاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة»، وقد وضعت المادة إطارًا يضمن «خضوع جميع المنشآت الصحية والمنتجات والموارد ووسائل الدعاية المتعلقة بالصحة لرقابة الدولة».

وفى التعليم فقد ألزم النص الدستورى الدولة بتوفير التعليم سواء كان قبل الجامعى أو التعليم العالى وفقًا لمعايير الجودة، دون أن ينتقص ذلك من «كفالة الدولة مجانية التعليم بمراحله المختلفة»، كما ورد فى متن المادة (19) وهنا فإن الحديث عن التعليم لم يقتصر على شكل محدد منه، بل تطرق فى المادة (20) إلى إلزامية الدولة «بتشجيع التعليم الفنى والتقنى والتدريب المهنى وتطويره والتوسع فيه وفقًا لمعايير الجودة العالمية».

أما السمة الثانية: فهى مرتبطة بتخصيص نسب تمثل طفرة حقيقية فى ما اعتادت أن تخصصه الدولة المصرية للتعليم والصحة، وهنا يقول الخبير الاقتصادى د. أحمد النجار «نسبة 3% على الأقل من الناتج القومى الإجمالى للإنفاق العام على الصحة. هو نص يجبر أى حكومة على تخصيص هذه النسبة، وإلا أصبح مشروع موازنتها العامة غير دستورى. وهذا النص يضمن تحقيق الرعاية الصحية الحقيقية والشاملة للفقراء ولكل الشعب فى المستشفيات العامة، ويضمن تطوير تجهيزات ومعدات المستشفيات، ويضمن تقديم أجور كريمة للأجهزة الطبية والتمريضية والإدارية والعمالية بقطاع الصحة». والنقطة المضيئة الثانية، هى النص فى المادتين 19، و21 على تخصيص 4% من الناتج القومى كإنفاق عام على التعليم، و2% للإنفاق على التعليم العالى، بما مجموعه 6% من الناتج القومى الإجمالى، مقارنة بأقل من 4% فى موازنة د. مرسى وموازنات مبارك، وهى طفرة ستتيح تطويرًا جبارًا للعملية التعليمية، عبر تقديم أجور كريمة للأجهزة التعليمية والإدارية والعمالية بقطاع التعليم بكل مستوياته، وتطوير المعدات والأجهزة والمعامل والمناهج، وتطوير وتوسيع الأبنية التعليمية وتخفيف كثافة الطلاب بالفصول، والقضاء على الدروس الخصوصية وتجريمها نهائيًّا، وإنقاذ الأسر المصرية من أعبائها التى تزيد على 20 مليار جنيه سنوى.

ويكمل د. أحمد النجار حديثه قائلًا «النقطة المضيئة الثالثة هى النص فى المادة 23 على تخصيص نسبة لا تقل عن 1% من الناتج القومى الإجمالى للإنفاق على البحث والتطوير العلميين، وهى نسبة تعادل بين خمسة وعشرة أمثال ما كان يخصص للإنفاق العام فى هذا المجال فى عهدى مبارك ومرسى، وهو ما سيمكن مصر من تطوير مؤسساتها البحثية وإمدادها بأحدث المعدات، وتقديم رواتب كريمة للعلماء، وتمويل كافٍ للأبحاث العلمية. وللعلم فإن أكثر من 60% من زيادة إنتاجية العمل ورأس المال فى العالم، تعود إلى التحديث التقنى الذى تتيحه الإنجازات العلمية وبراءات الاختراع الجديدة».

أما السمة الثالثة: فهى وضع نصوص دستورية تحمى المقومات التى تقوم عليها تلك الحقوق، وهو أمر دونه يستحيل توافر تلك الحقوق، أو وجودها بمقدار الجودة الذى استهدفه المشرع الدستورى.

وهنا فعند الحديث عن الرعاية الصحية، فقد فرض الدستور التزامًا «بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين فى القطاع الصحى» (المادة 18).

وعند الحديث عن التعليم فقد أكدت المادة التالية كفالة الدولة لتنمية كفاءة المعلمين وأعضاء هيئة التدريس العلمية ومهاراتهم المهنية ورعاية حقوقهم المادية والأدبية بما يضمن جودة التعليم وتحقيق أهدافه (المادة 22)، كما أكد الدستور الجديد استقلال الجامعات والمجامع اللغوية وإعداد الكوادر من أعضاء هيئة التدريس والباحثين(المادة 21).

ماذا سيجنى العمال من الدستور الجديد؟

فى مصر مثلت نسبة العمال والفلاحين (الخمسون بالمئة من مقاعد البرلمان) غير الموجودة فى أى موضع فى العالم ما يمكن أن نطلق عليه بأنه الأكذوبة الكبرى، التى صنعها نظام يوليو، كى يحظى بظهير شعبى فى ثورته ضد النظام الملكى، إلا أن النظامين التاليين (السادات ومبارك) مع إدراكهما حقيقة الأكذوبة لم يستطع أى منهما المساس بتلك النسبة، خوفًا من اكتساب أعداء فى ظل سياسات اقتصادية فاشلة اتبعها كلاهما، وجعلت مصادر التوتر التى تهدد حكمهما قائمة طوال الوقت، فالتجربة التاريخية أثبتت أن النسبة لم تحقق شيئًا للعمال أو الفلاحين، بل إنها قادت إلى أن يشغل تلك المقاعد أناس بعيدون كل البعد عن تلك الفئة، فى وقت كان الحراك الاجتماعى فى دول عدة، وفى العقدين الأخيرين يحصد مكاسب حقيقية للعمال من خلال نقابات مستقلة(حقيقية)، وجملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التى أقرتها الدساتير الحديثة، بشكل تفصيلى. وهنا فقد كان أمام لجنة الخمسين أن تسلك طريقين، إما طريق شعبوى يتعامل مع الأمر بالإبقاء كما هو عليه، خشية أن تكتسب أعداءً فى لحظة سياسية متوترة، وإما أن تتخذ قرارًا بأن تلعب دور الجراح، الذى يستبدل تلك الأكذوبة بحقوق أساسية، ترد إلى أصحابها، وهى حقوق تفرض التزامات دستورية على الدولة، وأرى أنها سوف تمثل تحديًّا حقيقيًّا أمام أى نظام قادم، كون هذه المقاربة لم تكن موجودة لدى أنظمة الحكم السابقة مع اختلافاتها السياسية والفكرية.

لقد سعت لجنة الخمسين إلى صنع تطور دستورى أراه إنجازًا حقيقيًّا فى ما يتعلق بحقوق العمال بالنص على ما يزيد عن اثنتى عشرة مبدأ أصبحت تمثل حقوقًا دستورية لهؤلاء، وهنا فقد أدرجت المواد المتعلقة بالعمال مبادئ على سبيل المثال منها وليس الحصر:

* الحق فى المفاوضة الجماعية الوارد فى المادة 13 وكفالة استقلال النقابات الوارد فى المادة 76، هى مبادئ تحقق وجود علاقات عمل متوازنة بين أصحاب العمل والعمال، فكفالة استقلال النقابات وعدم جواز حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائى، هو مبدأ يقوى ويدعم حرية العمل النقابى بعيدًا عن يد الدولة وأصحاب المصالح، ويتيح لمن تعبر عنهم النقابات القدرة على التأثير والضغط فى سبيل تحقيق أكبر قدر من المكاسب للمنخرطين فى كل عمل على حدة، أما المفاوضة الجماعية، التى ذكرها الدستور المصرى لأول مرة فقد جاءت كمبدأ فى اتفاقية الحق فى التنظيم النقابى والمفاوضة الجماعية اعتمدتها منظمة العمل الدولية فى عام 1949، هو مبدأ يوفر السبل والوسائل التى من ينتظم من خلالها العمال (عادة فى اتحادات أو نقابات أو كيانات) يتفاوضون بشأن أوضاع العمل مع أصحابه من القطاع الخاص أو العام، وهو ما يضمن ضبط الأجور، وساعات العمل، وغيرهما من حقوق متعلقة بأوضاع العمال وشكاويهم، ويقود إلى صياغة اتفاقيات جماعية تعتبر ملزمة لأطرافها الموقعين عليها، ومن يمثلونهم، وهى اتفاقات لا يجوز مخالفتها إلا إذا كان فى ذلك مصلحة للعامل. وهو حق ينص لأول مرة عليه فى الدساتير المصرية.

* لقد عمل المشرع الدستورى أيضًا على الإشارة إلى حماية العمال من مخاطر العمل، وتوافر شروط الأمن والصحة المهنية، وهى مبادئ واردة فى المادة 13، وهنا فقد انصرف ذهن المشرع إلى ما يشهده سوق العمل الآن من أخطار، تهدد حياة العامل فى المجمل أو تجعله عرضة للإصابات، خصوصًا أن الدارج عن هذا المفهوم هو ما مكن أن يرى بالعين المجردة فقط من أمور عامة، فى وقت اتجه فيه العاملون على هذا النوع من الحماية إلى النظر إلى الأمر بصورة أكثر عمقًا، وتوسيع إطار تلك المخاطر لتشمل المخاطر الهندسية، والفيزيائية (مثل الحرارة والاهتزازات والإشعاعات والرطوبة والضجيج) والكيميائية (مخاطر المواد الكيميائية)، والبيولوجية (الفيروسات والجراثيم التى قد تنتقل للعامل من الطعام أو المكان حال تلوثه)، بل وتمتد إلى العنصر البشرى لينضوى تحتها (الحالة الصحية والنفسية والعمرية وغيرها من عوامل أخرى)، وهو ما التفت إليه المشرع الدستورى بعين الاعتبار بإدراج فقرة تتحدث عن الحماية من مخاطر العمل وشروط السلامة والصحة المهنية.

* وقد مثل «حظر الفصل التعسفى» الوارد فى المادة 13 بمثابة مصطلح مهم، أضيف إلى الدستور المصرى، فما عانته العمالة المصرية، خصوصًا مع اتساع مجال العمل القطاع الخاص، واتساع نطاق حركة الخصخصة فى العقدين الأخيرين مثل فى بعض الأوقات بسبب غياب الرقابة وغياب النقابات القوية مدخلًا واسعًا لإهدار حقوق العمال، وهنا كان التوسع فى فكرة الفصل التعسفى سيفًا مشهرًا على رقاب هؤلاء بشكل دائم من أصحاب العمل، غير أن النص على عدم جواز الفصل التعسفى فى عبارة دستورية واضحة يمثل إضافة حقيقية لحماية العمال من هذا الخطر الذى اتسع نطاقه فى الآونة الأخيرة.

* أما المادة 42 من الدستور، التى تمت الموافقة عليها بالإجماع فتنص على الآتى التزام الدولة بأن «يكون للعاملين نصيب فى إدارة المشروعات وفى أرباحها، ويلتزمون بتنمية الإنتاج, وتنفيذ الخطة فى وحداتهم الإنتاجية, وفقًا للقانون، والمحافظة على أدوات الإنتاج واجب وطنى. ويكون تمثيل العمال فى مجالس إدارة وحدات القطاع العام بنسبة خمسين فى المائة من عدد الأعضاء المنتخبين، ويكون تمثيلهم فى مجالس إدارات شركات قطاع الأعمال العام وفقًا للقانون»، وهو ما يعنى فقد حددت المادة للعمال نصيبًا فى إدارة المشروعات، وفى أرباحها، وتمثيلًا فى مجالس الإدارات وحدات القطاع العام بنسبة 50 بالمئة.

* تشكل تلك المبادئ السابقة منظومة من الحقوق الاقتصادية المكتملة للعمال، خصوصًا إذا أضفنا إليها ما ورد فى المادة 27 من التزام من قبل الدولة بحد أدنى من الأجور والمعاشات، وما أوردته المادة 17 من مسؤولية للدولة على توفير «معاش مناسب للعمالة غير المنتظمة»، وهى عمالة تمثل وجود المادة 20 من الدستور، التى تنص بإلزام الدولة «بتشجيع التعليم الفنى والتقنى والتدريب المهنى وتطويره، والتوسع فى أنواعه كافة، وفقًا لمعايير الجودة العالمية، وبما يتناسب مع احتياجات سوق العمل»

* أما الحديث عن عدم جواز العمل الجبرى فقد جاء متسقًا مع ما ورد فى الاتفاقية الدولية رقم 29 الخاصة بالعمل الجبرى والإلزامى، ولهذا فقد نصت المادة 12 فى دستور «الخمسين» على «العمل حق، وواجب، وشرف تكفله الدولة. ولا يجوز إلزام أى مواطن بالعمل جبرًا، إلا بمقتضى قانون، ولأداء خدمة عامة، لمدة محددة، وبمقابل عادل، ودون إخلال بالحقوق الأساسية للمكلفين بالعمل. «وهنا فقد استثنت الاتفاقية الدولية -التى أصبحت موضعًا للنفاذ فى عام 1930- وهى قوانين الخدمة العسكرية الإلزامية ذات الصبغة العسكرية، أو أى أعمال تمثل جزءًا من الواجبات المدنية للمواطنين أو الخدمات الاجتماعية البسيطة التى يؤديها الأفراد لتحقيق نفع مباشر للمجتمع، وهو ما جاء متماشيًّا معه النص الدستورى ذات الصلة.

* لقد اشتملت المادة (17) على نص يدفع الدولة نحو «العمل على توفير معاش للعمالة غير المنتظمة»، وهو ما يمثل إدراجًا لفئات تصل وفق تقديرات أنها تمثل ما يزيد على 60 بالمئة من إجمالى العمالة المصرية، وتعمل فى جميع القطاعات بداية من قطاع المقاولات ومرورًا بقطاع النقل والباعة الجائلين والمناجم والمحاجر وعمال اليومية الزراعة وحارسى العقارات وغيرهم من عمال غير مسجلين فى السجلات الرسمية للدولة.. لقد ظل هؤلاء بفعل العمل داخل ما يطلق عليه البعض اقتصادًا موازيًّا بلا رعاية اجتماعية حقيقية، وبعيدين كل البعد عن التفات من قبل الدولة تجاه قضاياهم ومشكلاتهم.. وبالتى فإن وجود نص ممثل هذا يعد توسيعًا للمظلة التى تشملها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فى الدستور، وتشجيعًا لهؤلاء على الانخراط فى السجلات الرسمية للدولة بما يشجع من ناحية أخرى توسيع الوعاء الضريبى بجزء كبير خارجه، وهو الاقتصاد الموازى أو غير الرسمى، وأدخل هذا النوع داخل الاقتصاد الرسمى للدولة.

حقوق الفلاحين فى الدستور الجديد:

- معاش مناسب لصغار الفلاحين والعمال الزراعيين (المادة 17).

- تمثيل لصغار الفلاحين بنسبة لا تقل عن ثمانين بالمئة من مجالس إدارات الجمعيات التعاونية الزراعية والصناعية والحرف (المادة 42).

- التزام من الدولة بتنمية مناطقهم، ورفع مستوى معيشتهم وحمايتهم من المخاطر البيئية (المادة 29).

- التزام من الدولة بتوفير مستلزمات الإنتاج وشرائها المحاصيل الاستراتيجية يحقق هامش ربح للفلاح (المادة 29).

- حصول صغار الفلاحين على نسبة من الأراضى المستصلحة (المادة 29).

أما الحديث عن مبدأ «السيادة الغذائية»، فهو يعكس رؤية سوف تجد الدولة نفسها مجبرة دستوريًّا على الالتزام بها فى إطار علاقتها مع منتجى الغذاء المباشرين. وتعتمد تلك الرؤية على مبدأ أن يكون لمنتجى الغذاء المباشرين، من صغار المزارعين والصيادين والرعاة، الكلمة العليا فى تحديد منظومة إنتاج الغذاء. وتعتمد أيضًا على قوة موقفهم ومدى قدرتهم على مواجهة سيطرة الشركات العالمية الكبرى العاملة فى مجال تجارة مستلزمات الإنتاج (البذور والسماد)، وتحكم الشركات الكبرى وكبار التجار فى مجال التسويق. (راجع المادة 79).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.