وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد الميلاد المجيد (فيديو وصور)    صعود الطماطم وتراجع القلقاس...اسعار الخضروات اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى اسواق المنيا    المالية: توقعات بتزايد معدل النمو الحقيقي إلى 6.2% بحلول 2029 /2030    البنك المركزى: 42.5% زيادة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج    أسعار الفضة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في السوق المصرية    «التنظيم والإدارة» ينظم ورشة عمل حول إعادة هيكلة مديريات الخدمات بالمحافظات    سعر الريال العماني يسجل 123.80 جنيها في البنك المركزي ببداية تعاملات اليوم    وزير الإسكان يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات مبادرة «حياة كريمة» في القرى    الرئيسة الموقتة لفنزويلا تشكّل لجنة للإفراج عن مادورو    «القاهرة الإخبارية»: الشاحنات الإغاثية مستمرة لدعم الفلسطينيين في قطاع غزة    منتخب مصر يسعى لبلوغ ربع نهائي أمم أفريقيا عبر بوابة بنين    المقاولون يستضيف المحلة في كأس عاصمة مصر    ريال مدريد يطارد برشلونة، ترتيب الدوري الإسباني بعد الجولة ال 18    الأرصاد تعلن موعد تحسن الطقس بعد موجة البرودة والصقيع    إحالة 4 عاطلين للمحاكمة بتهمة حيازة وتعاطي مواد مخدرة في عين شمس    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    نجوم الفرقة القومية في سهرة شريعي بالأوبرا    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    أيمن منصور: أمم إفريقيا لا تعترف بالأسماء.. وبنين اختبار حقيقي للفراعنة    مدرب جنوب إفريقيا يوضح أسباب الإقصاء من كأس الأمم    روزينيور في لندن لحسم تعاقده مع تشيلسي    وفاة والدة المخرج حسني صالح، وهذا موعد ومكان تشييع الجنازة    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    وزير الخارجية: نتطلع لزيادة المحفظة الاستثمارية لمصر مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد    الصحة تحذر من خطورة الذبحة الصدرية وتكشف أبرز أسباب الإصابة بها    منشور مفاجئ يعزز مخاوف الأوروبية المتصاعدة من الطموحات الأمريكية حول جرينلاند    فتيات المحافظات الحدودية سعداء بمشروع «أهل مصر»    «دراسة» علماء يتوصلون إلى طريقة لمساعدة الأمعاء المتقدمة في السن على شفاء نفسها    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    تفوق واضح بالأرقام.. الحصر العددي يرجّح كفة أبوالخير وأبوستيت في انتخابات البلينا بسوهاج    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    عمرو مصطفى: علاقتي بعمرو دياب كانت ناقر ونقير.. وصبر عليَ كثير أوي لأنه عارف إني بحبه    رئيس لجنة التصنيع الدوائي: وضع باركود على العبوات لكشف الأدوية المغشوشة    9 أطعمة يمكنك الاستمتاع بها دون خوف من زيادة الوزن    ترامب يهدد فنزويلا مجددا: إذا لم يتصرفوا بشكل جيد فسيتلقون ضربة ثانية    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بدائرة المحمودية بالبحيرة    حسين فهمي: تحمست لفيلم «المُلحد».. والمشاهد لازم يشغل عقله    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات الحصر العددي، اقتراب أبوعقرب ورشوان من حسم مقعدي أبوتيج في أسيوط    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    الاتحاد الأوروبي: احترام إرادة الفنزويليين هو الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة    ديلسي رودريغيز: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يندرجان ضمن مخطط ذي «دلالات صهيونية»    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«الدستور» تواصل نشر اعترافات د. مصطفى محمود الخاصة: الإبداع والحرية
نشر في الدستور الأصلي يوم 29 - 12 - 2009

د. مصطفى محمود: عندما قال لي إحسان عبد القدوس "خليك في البيت.. دي أوامر"
مصطفى محمود
علاقة أزلية هي التي تحكم حركة الإبداع في اقترابه وتنافره مع السلطة، قد تصل أبعاد هذه العلاقة إلي زواج تام أحياناً.. أو إلي خصومة هائلة مشوبة بالقهر والاضطهاد والسجن والتشريد في أحيان أخري كثيرة.
الخلاصة أن السلطة دائماً تقاوم مسيرة الإبداع، خاصة الأصوات المناوئة لها، ولا تعرف أن الفكر يجب أن يعمل بالأساس ضد استقرارها واحتكارها للحياة وإلا فلن يصبح الفكر فكراً أصلاً، هذه الجدلية التي حكمت العلاقة بين الإبداع والدولة علي مر العصور تستمر حلقاتها حتي عصرنا الراهن بالأساليب القديمة نفسها في القهر والتصفية، لا السلطة تريد أن تتعلم من تجارب التاريخ، ولا الفكر سيغير نفسه بأي حال ليصبح مطية للحكام أيا كانوا.. يبقي دائما كلا المعسكرين يعملان في حركة أبدية قوامها التنافر وصراع الأضداد حتي يأتي الوقت الذي تحترم فيه السلطة حتمية العلاقة بين الإبداع والمقاومة وهي العلاقة التي لو اختفت لتلاشي وجه الإبداع من حيز الوجود.
في الحلقة السادسة من اعترافات د. مصطفي محمود للكاتب الكبير محمود فوزي يتحدث المفكر الراحل عن علاقته بمؤسسة الرئاسة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وعن مدي تدخل السلطة في عملية الإبداع من خلال تجربة حية عاشها الراحل العظيم وحرم فيها من ممارسة فعل الكتابة بأوامر رئاسية.
تجربة مصطفي محمود مع الدولة شهادة مهمة علي عصر عاني فيه الكثير من المبدعين ويلات القهر والاضطهاد والمنع في محاولة لسجن الأفكار ومصادرة حرية الإبداع وحق المبدعين في الحياة والتأمل.
يقول د. مصطفي: أري أن أخطاء عبدالناصر كانت أكثر بكثير من حسناته.. فرض أنك بنيت سداً أو مصنعاً ولكنك هدمت إنساناً.. ما الفائدة إذن؟ ليس هناك أي شيء في الوجود يساوي أن تهدم الشخصية المصرية وتهدم الإنسان.
ويضيف الكبير الراحل: كان إحساسي الصادق أن أفعال عبد الناصر كانت خطأ وأن ثماره التي سنجنيها في النهاية ستكون عواقبها وخيمة.
إنها شهادة عقل كبير علي أحداث مضت لكنها تطل من حين لآخر لتكشف مآسي لا تنتهي حتي مع مرور السنوات واختلاف الظرف التاريخي.

أخطاء عبدالناصر أكثر من حسناته.. فما الفائدة من أن تبني سداً أو مصنعاً وتهدم الشخصية المصرية والإنسان؟ لم أتخيل أن أكتب عن هتلر فيمنعني عبدالناصر من الكتابة.. لكنني أفضل من غيري فقد حصل الجميع علي حصصهم منه سجناً وتشريداً قال لي طبيب عبدالناصر: الرئيس ممكن يوديني في داهية لو طلبت منه إعادتك للعمل لأنه مريض بجنون العظمة وأعتقد أن الطبيب قتل بسموم صلاح نصر لو كان صحيحاً أن هذه العبارة وصلت لعبد الناصر
د. مصطفي.. كتبت مقالتك عن النازية في مجلة صباح الخير في الستينيات فجلست في المنزل عاماً كاملاً؟!
- من الأشياء الغريبة التي صادفتني في حياتي أن أكتب عن هتلر فيرفدني عبد الناصر عاماً!
هل السبب الحقيقي في منعك من الكتابة هو مقالتك الشهيرة عن هتلر والنازية، أم أن هناك سبباً خفياً آخر؟! وكيف بلغت بقرار إيقافك؟!
- بعد أن كتبت مقالة عن هتلر.. فوجئت بإيقافي عن الكتابة مباشرة.. لم يقل لي أحد عن سبب منعي من الكتابة، ولكني بلغت من إحسان عبد القدوس، قال لي يومها:
- خليك في البيت ما تكتبش!
قلت له: إيه يا إحسان اللي حصل؟
فقال لي: دي أوامر!
والحقيقة أنني أخذت الموضوع ببساطة لأن الجميع ابتداء من إحسان عبد القدوس إلي مفيد فوزي حصلوا علي حصصهم من عبد الناصر، منهم من سجن ومنهم من رفد ومنهم من تعرض لمصاعب كثيرة، فقلت في نفسي، إن حظي أفضل من غيري فقد منعت من الكتابة فقط.
بعد هذا العام استدعاك هيكل إلي مكتبه وقال لك: إيه انت استويت؟!.. لماذا قال لك ذلك؟ هل كنت لحمة مشوية؟!
- وضحك د. مصطفي قبل أن يقول:
قال لي: هذا فعلاً حين دخلت عليه مكتبه.. قال لي: هيه إنت استويت؟ ويبدو أنهم كانوا يريدون أن يسووني علي السفود ويرعبوني!
سألت هيكل: لماذا منعت من الكتابة عاماً؟ فبماذا أجاب عليك؟!
- كانت إجابته: لا تفكر في شيء.. ارجع اكتب وخلاص.. ولم يتحدث في هذا الموضوع مطلقاً.. فأنا قلت له: أريد أن أعرف غلطتي حتي لا أعود إليها.. ما الغلطة التي ارتكبتها؟ فقال لي: لا تفكر في شيء.. ارجع واكتب تاني!
وهل من أجل ذلك هاجمت عبد الناصر في مقالتك الأخيرة «سقوط اليسار»، التي نشرت منذ أسابيع قليلة، والتي قلت فيها إنه قدم 50% رشوة للعمال والفلاحين وأنه حول الجامعات إلي كتاتيب؟!
ألست متجنياً علي عبد الناصر؟ أليست له حسنات وإيجابيات في نفس الوقت؟!
- سبحان من يحصي علي أحد أخطاءه وحسناته.. لكن أنا أري أن أخطاء عبد الناصر كانت أكثر كثيراً من حسناته.. افرض إنك بنيت سداً أو مصنعاً ولكنك هدمت إنساناً.. ما الفائدة إذن؟ ليس هناك أي شيء في هذا الوجود يساوي أن تهدم الشخصية المصرية وتهدم الإنسان.
وإذا كنا بصدد الحديث عن الإنشاءات، فإنه في عهد الرئيس حسني مبارك، ومن قبله الرئيس السادات، أنشئت مدن كاملة ومجموعة من الإنشاءات، وكذلك محطات الكهرباء التي أنشأها ماهر أباظة ومشاريع المجاري هذا فضلاً عن البنية الأساسية..
ألا يمثل كل ذلك إنشاءات تفوق السد العالي عشرات المرات بل لها تأثير مباشر في حياتنا دون أن يسجن فرد.. أم أنه لا بد من إنشاء سد عال، ثم في مقابل ذلك نهدم الشخصية المصرية.
بعد 30 عاماً علي إنشاء السد العالي هل تري أنه كان خيراً علي مصر أو وبالاً عليها؟!
- بلا شك السد العالي مشروع حيوي وضروري لتنظيم مياه النيل، والسدود موجودة في السعودية الآن أكثر من 20 سداً علي امتداد المملكة، وحجمهم يفوق السد العالي أربع أو خمس مرات مثل سد أبها في الجنوب.
الإنشاءات موجودة في العالم كله، وأبلغ دليل علي ذلك هتلر الذي أنشأ الأتوستراد والتصنيع الألماني الخرافي حتي وصل إلي الفيي تو الذي كان يضرب الصواريخ فتصل إلي قلب لندن.. ولكن ماذا حدث في النهاية؟ ضرب بالأحذية!! فما الفائدة أن تبني منشآت حديد وصلب ثم تدمر الناس؟ هذه هي القضية؟
فأنا أضع المصنع في كفة، والإنسان في كفة أخري ولا شيء أغلي من الإنسان أبداً.
ما مصدر الدخل الذي كنت تعتمد عليه أثناء منعك من الكتابة؟!
- حمدت الله أيامها علي أنه كان لي عدة كتب حققت توزيعاً كبيراً، وبالطبع فإنني كنت أعتمد علي إيرادها كدخل ثابت، ثم شغلت بالمسرح فكتبت في هذا العام ثلاث مسرحيات: الزلزال والإنسان والظل والإسكندر الأكبر.
معظم هذه المسرحيات تتناول الديكتاتورية بصورة أو بأخري.. فهل حاولت أن تمسرح الديكتاتورية؟!
- هذا ما حدث بالفعل، فهو مسرح القوة لقد حاولت مسرحة الأزمة وقتها، وبرهاناً علي صدق كلامك فإنك تحس بالحرارة، بالذات في هذه المسرحيات الثلاث من مسرحياتي.. لأنها خرجت في صدق نفسي.
ماذا كان إحساسك في فترة إيقافك عن الكتابة؟!
- كان إحساسي الصادق أيامها أن كل أفعال عبد الناصر كانت خطأ، وأن ثماره التي سيجنيها في النهاية ستكون عواقبها وخيمة. بعد منعي من الكتابة بحوالي عام تدخل وتوسط الشاعر الكبير كامل الشناوي بل فكر الطبيب الكبير أنور المفتي الذي كان يعالج عبد الناصر شخصياً في التحدث إليه بشأني وقال لي: لقد فكرت جدياً يا مصطفي حينما علمت بمنعك من الكتابة أن أتحدث إلي عبد الناصر الذي أُشرِفُ علي علاجه يومياً وفكرت أن أتحدث إليه فعلاً لولا أن عبد الناصر للأسف الشديد لديه عيب فظيع جداً.. إذا طلب منه أحد المقربين إليه شيئاً.
فقد طلب منه حلاقه الخصوصي طلباً فرفده في اليوم نفسه وأتي بغيره في اليوم التالي، لأنه كان يتصور بالحديث إليه أنه مقصر وأنه أتي فعلاً خطأ بإبعاد فلان وإيقافه عن العمل فلما يأتي هذا من طبيبه الخاص فسوف يترتب علي ذلك إبعادي عن عملي!
وسوف يبعدني عن وظيفتي كطبيب خاص له مثلما أبعد حلاقه الخاص.
عبد الناصر يمكن أن يوديني في داهية لو تحدثت إليه بشأنك؟! فقلت للدكتور أنور المفتي:
إلي هذه الدرجة؟!
فرد عليّ الدكتور أنور المفتي بمفاجأة مذهلة قال لي بالحرف الواحد:
عبد الناصر مريض بجنون العظمة!!
جنون العظمة وعنده عصبية غير عادية!!
وخطورة هذا التصريح أنه من طبيب عبد الناصر الخاص!
وبعد ذلك بعدة سنوات مات الدكتور أنور المفتي فجأة وقيل كلام كثير.. زوجته قالت ليلة موته أنه نظر في المرآة وقال: لن أعيش أكثر من 8 ساعات!!
لأنه وجد بقبق عينيه يتحرك.. وهذا دليل تسمم!.. زوجته قالت هذا في التحقيق.. وهناك كلام كثير بخصوص أنور المفتي وهل مات موتاً طبيعياً أم قتل؟
وأيهما ترجح أنت شخصياً خاصة أنك كنت من أقرب المقربين للدكتور أنور المفتي؟.
- والله بعد أن قال الدكتور أنور المفتي: إن عبد الناصر عنده جنون عظمة.. أعتقد أن هذه العبارة لو وصلت لعبد الناصر فإن أنور المفتي في هذه الحالة لم يمت ولكنه قتل!!
وأنت تعلم بالطبع اعترافات صلاح نصر في التحقيقات بأنه كان لديه سموم قاتلة لا يستعملها إلا بأمر من الرئاسة فإذا تسرب مثل هذا القول لعبد الناصر.
ومن قائله؟!.. طبيبه الخاص فإنني أرجح ألفاً في المائة مقتل أنور المفتي!!
ولماذا لا يكون قد تسرب هذا القول عن طريقك أنت؟!
- لا.. ليس عن طريقي ولكن من الجائز أن يكون قد تسرب عن آخر.. ولو وصل إلي عبد الناصر مثل هذا الكلام لأصبح هذا دليلاً علي مقتل أنور المفتي خاصة في ظل أقوال زوجته في التحقيقات والتي أكدت من خلالها مقتله بالسم!
المهم أن كامل الشناوي قد توسط لدي هيكل.. فهو الوسيط الوحيد.
لماذا هيكل هو الوسيط الوحيد لدي عبد الناصر؟!
- هيكل هو الوحيد الذي كان له مدخل علي عبد الناصر.. وأنا أعتقد أن الاشتراكية نفسها خرجت من هيكل.. والميثاق الوطني أيضاً كلام هيكل.. وعبد الناصر لم يكن يفهم كل هذا الكلام، هذه هي أفكار هيكل.. ولهذا كان اعتقاد هيكل بأنه الوريث الشرعي للحكم بعد موت عبد الناصر.. لأنه هو الذي صعد هذه الأفكار.. وهو صانع الاشتراكية.. فأنا أؤكد أن صانع خرافة الاشتراكية ليس عبد الناصر ولكنه هيكل.. فعبد الناصر لم يكن لديه وقت يقرأ فيه أو يعرف شيئاً عن كل هذه الأفكار ولم يكن يعرف ماركسية ولا ماركسي ولا كل هذه الأفكار.
هل كان هيكل من وجهة نظرك هو الحاكم الفعلي لمصر من وراء ستار؟!
- كان هو الحاكم الفعلي، وكان وراء كل هذه الاتجاهات التي حدثت ابتداء من الاتجاه الاشتراكي حتي كل الأحداث التي عشناها.
هل كلمة هيكل لك أحدثت نوعاً من الرقابة علي سن قلمك؟.
- لا لم تكن هناك رقابة من داخلي ولكنني أحسست من هو الذي أتعامل معه؟. نوعية السلطة التي أتعامل معها؟.. فأنت في لحظة تكون داخل السجن وحتي ما يمكن أن تكتبه لا يخرج إلي حيز الوجود فما هي قيمة التضحية إذن؟!.. قديماً كان الكاتب يعبر عن رأيه وينشره ثم بعد ذلك يتم إعدامه، ولكن بعد أن تكون كلمته قد وصلت إلي الناس بالفعل.. إنما في حالتنا هذه فإن الكلمة لن تصل، وغاية ما هناك أنك سوف تسجن ولا يعرف أحد أين أنت؟ ولا يعرف أحد من قتلك؟! إذن ليست هناك أي قيمة لأي تضحية يمكن أن تضحي بها؟
ألم تحدث رقابة داخلك من الخوف بعد عودتك إلي الكتابة.. ماذا كنت تكتب بعد هذه المرحلة؟!
- بدأت أكتب موضوعات غريبة عن أينشتاين وغيره، وكأنني لست في مصر ولكن في المريخ! لكن كنت في الوقت نفسه أحس كأنما هناك شيء داخلي يريد أن يخرج.. كنت أريد أن أقول رأيي في الاشتراكية ولكني كنت مخنوقاً.. ولكن كيف أقول رشأيي إذن.. اهتديت إلي طريقة هي أن أكتب وأحفظ ما أكتبه في «سحارة» ولهذا فقد كتبت كتاب «الإسلام والماركسية» كاملاً في ذلك الوقت ووضعته في السحارة حتي مات عبد الناصر وجاء عصر السادات، وبعد ذلك أخرجت الكتاب لينشر في صباح الخير.. وكان وقتها عبد الرحمن الشرقاوي رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة واعترض صلاح حافظ وزملاؤه بالطبع علي نشر هذا الكتاب فذهبت فوراً إلي صديقي عبد القادر حاتم وكان وزيراً للإعلام وصارحته بالأمر فقال لي: سوف أتصل بالرئيس السادات فقال له السادات: كتاب مصطفي محمود ينشر كاملاً وبصورة لائقة في صباح الخير!
فأبلغ حاتم ما قاله السادات للشرقاوي وقال له: هذه هي أوامر الرئيس!
ولكن يبدو أن الشرقاوي ظن أن هذا الكلام غير حقيقي فلم يهتم بالكتاب.
فقلت ثانية لعبد القادر حاتم فحدد موعداً للشرقاوي في الأهرام لمقابلته.. وما أن رآني الشرقاوي في مكتب حاتم بالأهرام حتي أخذني بالأحضان وقال لي: كتابك تحفة رائعة وأنا سوف أنشره ابتداء من هذا الأسبوع؟!
هل تستطيع علي حد تعبير الشاعر محمد إقبال أن نطبق الإسلام كنظام اجتماعي وأن نرفضه كنظام سياسي؟
- هناك فرق بين أن تستمد وتستلهم الأصول، وبين أن تطبق تطبيقاً مشرفاً لعصر سلفي لدرجة أن يخرج من يقول: إن الناس كانت تأكل بأصابعها ويجب أن نأكل بأصابعنا.. وإن الذقون كانت الشكل الفلاني.. طويلة كانت أو قصيرة ويجب أن نقلدها.. ويجب أن نقصر الثوب ونركب البغلة!
هؤلاء للأسف الشديد فهموا السنة فهماً خاطئاً.. فالسنة ليست الأعراف السائدة لعصر من العصور.. ماذا تأكل؟ وماذا تشرب؟ وهل نأكل بملاعق أو سكاكين أم نأكل بأصابعنا؟!
ليست هذه هي السنة.. ولكن السنة هي أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.
فما فائدة أن يقصر الإنسان ذقنه أو يطولها وهو في الأصل إرهابي؟ وهل هناك ذقن أكبر من ذقن الخميني؟ بل إن ذقن كارل ماركس أطول من ذقن الخميني.. ما الفائدة أن تطول ثوبك أو تقصره؟ المهم هو الأخلاق أولا وأخيراً.
الآن تجد البعض يقف في خطبة الجمعة ساعتين بينما كان الرسول صلي الله عليه وسلم يلقي خطبة لا تتعدي دقائق معدودات.. لماذا لا نأخذ السنة في هذه؟!
النبي صلي الله عليه وسلم كان يخفف علي الناس.. كان لا يسبب رعباً أو يثير مشاعر الناس بل كان رحيماً بهم. فالنبي حين دخل مكة منتصراً سأل الذين كانوا يضربون المسلمين.. ما تظنون أني فاعل بكم؟!
قالوا:
أخ كريم وابن أخ كريم
قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ولكن حين دخل الخميني ماذا فعل بخصومه؟ علقهم علي الأبواب بأحبال المشانق!!
هذا إسلام وهذا إسلام.. ولكن أيهما الإسلام الحقيقي؟
ولا بد أن نكون متفهمين لجوهر الموضوع؛ فالإسلام أولاً: إحياء ضمائر وإصلاح أفراد من غيرهم لا يتقدم المجتمع.
هل تري تطبيق الشريعة الإسلامية كلياً مثل تجارب إيران والسودان أو تري تطبيقها تدريجياً؟!
- لا شك أن الشريعة الإسلامية هي المطمع الذي لا يختلف عليه اثنان، ولكن أن يأتي طالب ساقط ثانوية عامة ويمسك شمروخاً في يده محاولاً عمل انقلاب إسلامي في 24 ساعة من أجل تطبيق الفضيلة في 24 ساعة فهل يمكن أن يتحقق ذلك في 24 ساعة؟!.. هل يمكن أن تأتي الفضيلة بمرسوم وزاري؟!
هؤلاء فهموا المسائل خطأ.. فلا يغير الله ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم.. يبقي الأول تغيير النفس.. هذه هي المرحلة الأولي: إذن.. أن تطبق الشريعة أولاً علي نفسك ثم بعد ذلك علي المجتمع.
أريد أن أوضح مسألة في غاية الخطورة وهي أن عملية التغيير الاجتماعي لا يستطيع أن يقوم بها إلا الله سبحانه وتعالي.
فالله عز وجل يخاطب النبي صلي الله عليه وسلم «لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم».
إذن فالله يقول: أنت يا نبي ومعك الأموال لن تستطيع، فهل يمكن لساقط ثانوية عامة أن يمسك في يده شمروخاً ويعمل وحدة عربية كيف؟! إذا كان النبي ومعه أموال الدنيا كلها لم يستطع، إذن فالمرحلة الأولي ابدأ بنفسك.. وهذا منتهي التدريج، طبق الشريعة علي نفسك أولاً.. ربنا يقول لعيسي في حديثه القدسي:
«يا عيسي عظ نفسك فإذا اتعظت فعظ الآخرين وإلا فاستح مني».
إذا كان الإسلام تقدمياً بطبعه وديناً اجتهادياً معاصراً فلماذا إذن العودة إلي السلفية الجامدة؟!.
هذا خطأ كبير، وأمراض نفسية أولاً وأخيراً فكل شخص يتصور أنه مفتي الإسلام، وإذا اختلفت معه في رأي يكفرك.. وهذه أصلاً أخلاق غير إسلامية.. الإسلام دين اجتهاد، ودين عقل، ودين معاصر جداً، وليس ديناً شكلياً أو دين طقوس لدرجة أنه لا يوجد شيء اسمه زي إسلامي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.