لست ناقدا سينمائيا؛ لكني أعرف جيّدا تلك الأفلام التي هزّتني أو أبكتني أو أضحكتني أو جعلتني أفكّر طويلا.. أعرفها وأحتفظ بها جميعا في الحافظة الزرقاء العتيقة التي تمزّقت أطرافها، وسوف أدعوك لتشاهدها معي لكنها أثمن من أن أقرضها! معظم هذه الأفلام قديم مجهول أو لا يُعرض الآن، لكنها تجارب ساحرة يكره المرء ألا يعرفها مَن يحب. في تلك الفترة كانت عبارة "الرقص على الهيدروجين" في كل مكان وكانت الموضوع المفضّل لأي مثقّف.. والعبارة هي ترجمة الموزّع العربي لعنوان الفيلم "يوم طفت الأسماك ميتة"، ولا أُنكر أن العنوان العربي أكثر تشويقا وجاذبية. أحيانا يكون الموزّع موفّقا جدا، كما حدث مع فيلم "الفك المفترس" مثلا؛ فيختار عنوانا أكثر جاذبية من العنوان الأصلي، وأحيانا يختار عنوانا غبيا يضمن ألا يتسلّل قط شارد إلى دار السينما.. كان هناك فيلم اسمه "القاتل التتابعي" -على ما أذكر- فغيّره الموزّع إلى "المؤسسة"... وهكذا ضمن أن يفشل الفيلم للأبد.
كاكويانس الذي قدم أفلاما رائعة مثل "زوربا اليوناني" فيلم اليوم كان ملء السمع والبصر في السبعينيات وعُرِض في التليفزيون مرارا، لكني أشكّ في أن تجد نسخة منه اليوم.. أنا قمت بتسجيله من قناة TCM وهي قناة خاصة تَعرض الأفلام الكلاسية بلا توقّف. اشْتُهر الفيلم كذلك بموضات الأزياء العجيبة التي ظهرت فيه، حتى بدا كأنه عرض أزياء لمصمّم عبقري مجنون، والحقيقة أن المصمّم هو نفسه مخرج الفيلم، واشْتُهر بشريط الصوت الساحر الذي أبدعه عبقري حقيقي هو تيدوراكيس.. تيدوراكيس الموسيقار اليوناني المناضل الذي تحدّى حكومة الجنرالات.. أنت سمعته في لحن زوربا اليوناني الشهير، واليوم تسمعه في لحن الرقص على الهيدروجين الرائع، وسوف تتذكّر على الفور أنك سمعت هذا اللحن مرارا في الأفلام العربية المواكبة لتلك الفترة:
إضغط لمشاهدة الفيديو: كما قلنا من قبل؛ هناك مخرجان يونانيان عظيمان وضعا اسم اليونان على قائمة السينما العالمية؛ أولهما كاكويانس الذي نلقاه للمرة الثانية، وكوستا جافراسِ الذي قابلناه هنا في فيلم "مفقود" و"زد". كاكويانس المخرج اليوناني العبقري الذي رأيناه عندما جاء مهرجان القاهرة السينمائي؛ فوجده النقّاد رجلا يونانيا لطيفا أشبه بالخواجات (الإجريج) الذين عرفوهم في الإسكندرية (بالطبع حدث خطأ كالمعتاد، ووجد نفسه في الزحام وحيدا بلا مقعد ولا مرشد ولا سيارة تعود به للفندق، لكنه ظلّ يبتسم)، وهو الذي قدّم أفلاما لا يمكن نسيانها؛ مثل: "زوربا اليوناني" و"يوم طفت الأسماك" و"إلكترا"، وبالطبع كان وصوله للعالمية يمرّ بمحلية شديدة صادقة.. إنه يوناني جدا ولهذا تميّز؛ نَفس ما يُقال عن صلاح أبو سيف عندنا. إنه العام 1967 عندما كتب المخرج الكبير قصة وسيناريو هذا الفيلم، وأنتجه ناطقا بالإنجليزية كإنتاج مشترك بريطاني يوناني.. العالم في ذروة الحرب الباردة، وأزمة الصواريخ الكوبية مشتعلة، وفي كل صباح يتوقّع الناس أن اليوم هو اليوم، ربما لا يأتي الليل أبدا وربما يفقد أحد الأطراف أعصابه، ويضغط زرا ما من ثم تبيض الدنيا ولا تعود هناك حياة ولا يعود هناك "نحن".. في هذا الوقت بالذات ظهر هذا الفيلم الكوميدي الجميل فلاقى نجاحا ساحقا. منذ البداية يحكي لنا خبرا مخيفا لحادثة حقيقية ربما رأيتها بالتفصيل في فيلم آخر: في العام 1966 سقطت طائرة تحمل أسلحة ذرية قرب المدينة الإسبانية الصغيرة بالوماريس وأحدثت ذعرا شديدا.. اقتضى الأمر وقتا حتى عرف الإسبان أن القنابل لم تُلوّث بلادهم. ينقل لنا الخبر مع ضربات صاجات إيقاعية لراقصة فلامنجو إسبانية، ثم نرى على المسرح 3 راقصات يردّدن: "أنت لا تستطيع أن تتأكّد متى سقطت القنابل ولا متى ستسقط المرة القادمة.. الشيء الوحيد المؤكّد هو أنها لن تسقط في المرة القادمة في إسبانيا". شاهد المقدّمة المليئة بالحيوية هنا إضغط لمشاهدة الفيديو: لهذا ندرك أن دور اليونان جاء هذه المرة!! هذه هي جزيرة كاروس اليونانية حيث الحياة هادئة.. ربما أكثر من اللازم.. جزيرة صحراوية فقيرة بائسة سكانها بلهاء نوعا، وبالنسبة للماعز هي جنة. فوق هذه الجزيرة البريئة تحلّق طائرة أمريكية تحمل قنابل هيدروجينية، ثم تقع حادثة ويثب الطيار الأمريكي ورجاله ومعهم صندوق أسود يحوي القنبلة الهيدروجينية التي تهبط بمظلة إلى الجزيرة. هنا فاصل كوميدي ممتاز للطيار العاري ومساعده اللذين لا يلبسان سوى السروال الداخلي، وهما يريدان الاتصال بالقاعدة والأكل والفرار من السكان المرتابين. الكليب التالية تلخّص جزءا طويلا من الفيلم إضغط لمشاهدة الفيديو: بالطبع يهرع سكان الجزيرة لمكان السقوط لأنهم يتوقّعون وجود الكثير من الخير.. الحكومة الأمريكية في مأزق لعين، ويخطر لبعض قوادها شراء الجزيرة كلها لاحتواء الفضيحة! بالطبع كما هو متوقّع تسقط القنبلة في اليد الخطأ.. راعي أغنام فقير خارج من عوالم قصص كازنتزاكس يجد الصندوق الغامض ويحمله إلى بيته مع زوجته.. إن صندوقا يهوي من طائرة أمريكية لا بد أنه مليء بالكنوز. أما الحكومة الأمريكية فترسل فريقا من العسكريين للجزيرة بحثا عن القنبلة، ويتنكّر رجال الفريق في ثياب وفد سياحي يبحث عن مكان مناسب لفندق.. هكذا نرى أغرب تشكيلة من الثياب التي صمّمها كاكويانس نفسه، وهي الثياب التي جعلت الفيلم درسا بصريا مهما. يدبّ الجنون في القرية الفقيرة، عندما يفاجأ أهلها بكل هؤلاء السيّاح الأثرياء هنا، وتعيش الجزيرة أجمل أيامها.. الصحافة تنشر أخبار جزيرة كاروس والسيّاح الذين اكتشفوا أنها جنة.. كل هذا ونحن نراقب مغامرات الراعي مع الصندوق اللعين الذي لا ينفتح، وكيف يلهو طفله به وكيف يضعه جوار الموقد.. الفيلم بعد هذا يرينا جنونا كاملا.. السياح بثيابهم الغريبة يرقصون ليلا ونهارا، ومعظم رجال القوة الأمريكية المتنكرين تفرّقوا في مغامرات عاطفية مع حسناوات الجزيرة.. إضغط لمشاهدة الفيديو: في النهاية ينجح الراعي الذي امتلأ رأسه بالأحلام في فتح الصندوق.. فماذا وجد؟ كبسولات لا قيمة لها "هي أجزاء القنبلة".. هكذا يحمل الصندوق على حماره ويلقي به في البحر المتوسط.. هكذا تموت الأسماك ويبدأ التلوّث.. نرى الموت وهو ينتقل عبر أكواب الماء والمشروبات الملوّنة.. أسوأ وقت لحدوث تلوّث إشعاعي على جزيرة هو عندما تكون مزدحمة بالسياح.. فقط يدرك الأمريكيون معنى هذا.. هناك حمار ما قد فتح الصندوق، ويتقبّل الطيار ومساعده مصيرهما ويقبلان على مائدة عامرة بالأكل يلتهمان ما عليها.. لقد استطاعا الاتصال بالبنتاجون أخيرا ولكن بعد فوات الأوان.. لقد بدأ يوم القيامة لهما.
نرى مشهد الأسماك الطافية فوق الماء.. مشهد رهيب (لم أجده على يوتيوب مع الأسف)، ويدوي صوت ينذر الراقصين: - "انتبهوا من فضلكم! انتبهوا!" لكن الرقص يستمر.. غير عالمين أنهم يرقصون فعلا على الهيدروجين.. هنا فقط تدرك أن هذا ليس فيلما كوميديا بل هو فيلم رعب مخيف، والحقيقة أن هؤلاء الراقصين البلهاء هم نحن.. انتبهوا من فضلكم.. نحن نفقد عالمنا.. هذه هي القصة البديعة التي كتبها وأخرجها كاكويانس، ولا يمكن لشخص يعرف القراءة والكتابة في أواخر الستينيات إلا أن يذكر هذا الفيلم كعلامة ثقافية بارزة. قال كاكويانس في حوار مع مندوب شركة فوكس: - رغبتي في عمل أفلام ليست رغبة تعليمية أبدا.. شعرت أننا عرائس خشبية تجري حولها الأحداث بسرعة، وهكذا صنعت هذا الفيلم الذي لا يدعو للتفاؤل أبدا الذي يضحك سوف يتوقّف فجأة عندما يدرك أنه يضحك على نفسه!". هكذا طفت الأسماك في ذلك اليوم من عام 1967 فلم يرها أحد!