هل تعلم أنه كان من المتوقّع ألا يكون هناك ما يسمى بنصر أكتوبر أو احتفالات أكتوبر من الأساس؟! وستسأل لماذا، وسأجيب عليك بأنه بالرغم من خطة الخداع التي اتّبعها الجيش المصري، استطاعت إسرائيل أن تعلم بنيّة مصر وسوريا شنّ الحرب، وعرفت أن الحرب ستكون يوم عيد الغفران (6 أكتوبر) ألا أنها لم تدرك أبدا متى ستكون ساعة الصفر. وفُضِح الأمر عندما تقدّم السفير السوفيتي بالقاهرة بطلب عاجل إلى الرئيس السادات من الرئيس السوفيتي "برجنييف" يطلب فيه بالسماح بإجلاء المستشارين السوفييت وعائلاتهم من مصر، وكان ذلك موضع استياء الرئيس السادات إلا أنه لم يكن ليملك الخيار، وفي اليوم التالي وصلت بالفعل ستّ طائرات سوفيتية لنقل المستشارين وأسرهم إلى بلادهم، وتكرّر الأمر نفسه في سوريا. ووصلت هذه المعلومة إلى إسرائيل، وبدأ العدو يفهم ما يجري، وبدأت آثار الخداع تزول شيئا فشيئا، ألا إنه لم يتوقّع ساعة الصفر التي بقيت لغزا بالنسبة إليه. اجتماع في إسرائيل لاكتشاف ميعاد الحرب واتّصلت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير بكل من وزير الدفاع ومدير المخابرات ورئيس الأركان؛ لتسألهم عن مدلول رحيل السوفييت من مصر، لكن لم يجزم أحدهم بأن حربا مصرية سورية يمكن أن تشنّ في غضون ساعات، وأن ترحيل السوفييت يمكن أن يسبق أي عمليات عسكرية بأيام أو ربما أسابيع، ألا أنهم رغم ذلك اتّفقوا على عقد اجتماع مساء اليوم نفسه (5 أكتوبر) وعقد الاجتماع بالفعل مساء، وحضره كل الوزراء الموجودين بتل أبيب. واقترح وزير الصناعة "حاييم بارليف" (صاحب فكرة إقامة الخط الذي يحمل اسمه) إلغاء الإجازات، ورفع حالة الاستعداد، خاصة في أجهزة الدفاع الجوي تحسّبا لأي خطر، وانتهى الاجتماع على ذلك دون التطرّق إلى استدعاء الاحتياط. ولم يكن هناك وقت حقيقة ليفعلوا، فقد بدأ العيد، وتوقّفت أجهزة الإعلام تماما، ومعها كل وسائل الاستدعاء العلنية. وصباح يوم السادس عُلِم أن مصر وسوريا ستدخلان الحرب ضد إسرائيل قبل الغروب، فعندها تمّ استدعاء الاحتياط، وفتح قنوات الاتصال مع أمريكا، وإجلاء النساء والأطفال من الجولان، وتأجيل الضربة الوقائية مع الإعداد لها، بحيث تتم فقط على الجبهة السورية، وإلى قواعدها الجوية الداخلية، ونظام دفاعها الصاروخي بالتحديد. توقّع الضربة المصرية السورية مساء السادس من أكتوبر وأمرت جولدا مائير السفير الإسرائيلي بالولايات المتحدة والموجود وقتها بتل أبيب بالسفر إلى واشنطن فورا، كما استدعت السفير الأمريكي بإسرائيل، وقالت له إن هجوما مصريّا سوريّا سيشنّ على إسرائيل مساء اليوم، وأكدت له أن إسرائيل لن تبدأ بالهجوم، وطلبت منه إبلاغ ذلك إلى وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، وإلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون. ولكنه كان متأخرا للغاية، فالسفير الأمريكي حينما توجّه إلى مكتبه لتنفيذ تعليمات جولدا مائير كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرا أي قبل ساعتين فقط من ساعة الصفر. الخداع حتى آخر لحظة.. والجنود المصريون يلعبون الكرة على شاطئ القناة أما في مصر فكان الموقف مختلفا، فكان الرجال بغرفة العمليات يتساءلون هل أدرك الإسرائيليون الأمر، وزادت الأسئلة اشتعالا بعد رصد طائرتي استطلاع إسرائيليتين بالقرب من قناة السويس، إلا أن الموقف زاد ارتباكا لدى الإسرائيليين عندما رصدت الطائرات الجنود المصريين يلعبون الكرة على حافة القناة، بينما يسبح بعضهم في مياه القناة نفسها!! ولم ترصد طائرتا الاستطلاع هذا العدد الضخم من مكبّرات الصوت التي بدأ توزيعها على الوحدات دون أن يعرف أحد أنها مخصصة لترديد صيحة "الله أكبر". وفي تمام الساعة الواحدة بعد الظهر وصل الرئيس السادات بملابسه العسكرية إلى المركز رقم 10 (غرفة العمليات)، وصدرت التعليمات للدكتور "محمد عبد القادر حاتم" ببدء تنفيذ الشقّ الإعلامي من الخطة، وقبل ساعة الصفر ب35 دقيقة بالضبط قطعت الإذاعة المصرية برامجها فجأة لتذيع الخبر التالي.. "جاءنا الآن أن عناصر من القوات الإسرائيلية المسلّحة هاجمت مواقعنا في الزعفرانة، وهذا الهجوم يمثّل خرقا خطيرا لوقف إطلاق النار، وقد تمّ إبلاغ مجلس الأمن الدولي بهذا العدوان". واستأنفت الإذاعة برامجها بعد هذا النبأ لتقطعها مرة أخرى في تمام الساعة الثانية لتذيع المارشات العسكرية، في الوقت الذي صدرت فيه أوامر التنفيذ من المركز 10 إلى جميع القواعد الجوية، وعبرت 210 طائرة مصرية لتطلق قذائفها على أهداف إسرائيلية محدّدة مسبقا، في الوقت الذي انطلقت قذائف 2050 مدفع مصري نحو أهدافها في سيناء، وتحت هذا الغطاء النيراني المكثّف عبر الجنود المصريون القناة في زوارقهم المطّاطية، ليقودوا الجيش إلى النصر.
وجاء النصر على عكس ما توقّع الجميع، واستطاع الجنود المصريون البواسل كسر أنف العدو الإسرائيلي المغرور، ليكتبوا بأيديهم صفحات تاريخ جديدة مليئة بالعزة والنصر. ولمعرفة تفاصيل الحرب وكيف فعلها المصريون.. انتظرونا في الحلقة القادمة.. وتابعونا،،،
شكر واجب لموقع المؤرخ الذي استقينا منه هذه المادة.