مدير أمن سوهاج يتفقد محيط الكنائس خلال احتفالات عيد الميلاد المجيد    محافظ الأقصر يزور الكنائس ويهنئ الإخوة المسيحيين بعيد الميلاد    الزراعة تكشف أسباب ارتفاع أسعار الدواجن وموعد الانخفاض    إجازة عيد الميلاد المجيد 2026 مدفوع الأجر للقطاعين العام والخاص    توقعات بتراجع مبيعات السيارات الكهربائية عالميا في 2026 لهذه الأسباب    «الهزار» ممنوع على الطائرات وعقوبات مشددة للمخالفين فوق السحاب    مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة يستنكر قيود إسرائيل على وصول المساعدات إلى غزة    توقيع إعلان نوايا بين فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا لنشر قوات متعددة الجنسيات بكييف    انطلاق مباراة كوت ديفوار وبوركينا فاسو في كأس أمم أفريقيا 2025    موعد مباراة برشلونة وأتلتيك بلباو في نصف نهائي السوبر الإسباني    لزيادة المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.. الداخلية تكشف تفاصيل القبض على إسلام كابونجا    ياسمينا العبد تحاول اثبات التهم على چلا هشام في مسلسل ميد ترم    تعادل بين الجزائر ضد الكونغو الديمقراطية والمباراة تذهب لأشواط إضافية    سكاي: تحديد موعد الكشف الطبي ل سيمينيو مع مانشستر سيتي    الخطوط اليمنية تطلق رحلات جوية مباشرة من سقطرى إلى جدة لإجلاء السياح العالقين    تحصين الكلاب ب«عين شمس»    مطار العريش يستقبل طائرة المساعدات السعودية ال 78 لإغاثة قطاع غزة    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    هيئة الدواء: تراجع الشكاوى من 4500 إلى 3338 مقارنة بالعام الماضي وتطور آليات المتابعة    الداخلية تضبط صانع محتوى لنشره مقاطع خادشة للحياء    3 أهداف أفسدت خطة بنين للمباراة    شركتان عالميتان تقتربان من دخول سوق الأدوات المنزلية في مصر خلال 2026    نوال تلفت الأنظار بالقفطان المغربي في أغنيتها الجديدة «مسكرة»| فيديو    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    محافظ القليوبية يعقد لقاءً جماهيريًا بالقناطر الخيرية لحل مشكلات المواطنين    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    موجة البرد القارس فى كاريكاتير اليوم السابع    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    موجة صقيع تجتاح أوروبا.. 5 وفيات وإلغاء مئات الرحلات الجوية    ضبط مدير ناد صحى بدون ترخيص بتهمة ممارسة أعمال منافية للآداب بالجيزة    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    محمد أنور وكارولين عزمي ورحمة أحمد على قنوات "المتحدة" في رمضان    زيادة الجوائز المالية للسوبر الإسباني    علي ماهر يعلن تشكيل سيراميكا لمواجهة إنبي بكأس عاصمة مصر    وفد من «مستقبل وطن» يهنئ كنيسة العذراء بالتل الكبير بعيد الميلاد المجيد    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    وزارة التعليم تعلن جداول امتحانات الطلبة المصريين فى الخارج للتيرم الأول    البورصة تربح 51 مليار جنيه في أول ارتفاع خلال 2026    زكي عبد الحميد: قمة Creator Universe تخدم المستقبل الرقمي للإعلام العربي    عرفانًا بتضحياتهم، تنبيه مهم من القوات المسلحة لأسر الشهداء والمصابين فى الحروب السابقة    المشدد 3 سنوات وغرامة 50 ألف جنيه لتاجر حشيش بشرم الشيخ    حكاية أزمة أحمد مكى مع مديرة أعماله من كشف الحساب لقسم شرطة العجوزة.. إنفوجراف    هل تتجنب إسرائيل التصعيد مع إيران؟ رسالة نتنياهو عبر بوتين تكشف التفاصيل    محافظ القاهرة يشهد احتفال الأرمن الأرثوذكس بعيد الميلاد    الدنمارك: سيطرة أمريكا على جرينلاند ستؤدي لانهيار الناتو    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    تفشي فيروس شديدة العدوى في مزرعة شمال إسرائيل| تفاصيل    أحمد شوبير: أفشة يمتلك 3 عروض ويرغب فى الرحيل عن الأهلى    عمرو زكي ينتقد أداء الفراعنة: بنين كان الأفضل تكتيكيًا أمام مصر    رئيس الطائفة الإنجيلية يكتب: "ملءالزمان" سلطان الله على التاريخ    الرئيس اللبناني: الجيش نفذ إجراءات الحكومة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سيف الرحبي افتتح آفاقاً شعرية غير مألوفة
نشر في صوت البلد يوم 24 - 05 - 2018

جمع الشاعر العماني سيف الرحبي أعماله الشعرية في ثلاثة مجلدات وأصدرها عن دار رياض الريس للكتب بإشراف مكتب جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب. وتضم الأعمال هذه كلّ مجموعات الشاعر الصادرة حتى الآن مع نصوص نقديّة رافقت تجربته واستقرأت خصائصها الجمالية. هنا قراءة في أعمال الرحبي.
تكشف المجلدات الثلاثة التي تضم الأعمال الشعرية عن تجربة الرحبي الشعرية في تنوّعها وتعدّدها وتطوّرها. لا شكّ في أنّ هناك عناصر ثابتة انتظمت هذه المجاميع وجعلتها متقاربة على تباعدها، متجانسة على تنوّعها. لكن هذا التجانس وذلك التقارب لم يطمسا، مع ذلك، اختلاف بعضها عن بعض فهذه المجموعات تنوّعت بتنوّع المراحل التي كتبت فيها، وتلونت بتلوّن الظروف التي صدرت عنها.
تجربة الرحبي ظلت تجربة نامية، متطورة. لهذا لم تكن العلائق التي انعقدت بين هذه المجموعات علائق توافق وانسجام بقدر ما كانت علائق تجاوز واختلاف. كل مجموعة من مجاميع الشاعر لم تكن إلا مختبراً شعريّاً عمل من خلاله على تطوير خطابه الشعريّ وارتياد آفاق جمالية جديدة.
إنّ قصيدة الرحبي هي سليلة القصيدة الحديثة التي تنكّبت عن شعر الاعتراف والبوح وأقبلت على شعر يستضيء بنور الإدراك العاقل والخبرة المعرفيّة الناقدة، قصيدة لا تغنّي بقدر ما تتأمّل وتستبصر، ولا تنشد بقدر ما تفكّر وتستقصي...
يذهب الشاعر سعدي يوسف إلى أنّ ديوان الجبال «يشكّل خطوة الانعطافة الصّعبة في مسيرة الشاعر الذي ظل يحاول الإمساك بناصية الأرض، أرض وطنه عبر عقدين من كتابة مختلفة، كتابة خاصة، كلفته متاعب حياة بأسرها»، ثمّة عاملان اثنان ويسوّغان، في نظر سعدي يوسف، اعتباره هذا الديوان منعطفاً:
أوّلاً أنّ قصائد هذه المجموعة كانت مكرسة لمشاهد بلاده عمان. من هنا كان الحضور الكثيف للطبيعة.
ثانياً أن هذا الديوان أصّل القصيدة العمانية في أديم تراثها... والحال أنّ هذه القصيدة في نظر سعدي يوسف كانت قبل هذا الديوان تفتقد إلى مرجعيّة، من داخل الوطن، تستند إليها...
ونحن إذْ نقرّ بأنّ ديوان «الجبال «يمثّل، فعلاً، منعطفاً مهمّاً في تجربة سيف الرحبي إلا أننا نؤوّل هذا الانعطاف تأويلاً جماليّاً لا تأويلاً دلاليّاً. فأهمّ خصيصة يتميّز بها شعر سيف الرحبي، كما سنبيّن لاحقاً، افتتانه بالمكان. فمنذ ديوانه الأوّل، شغل المكان حيزاً مهمّاً في قصائده بل بات، في نظرنا، الرحم التي منها تحدرت هذه القصائد تحدّر الوليد من الوالدة.
حضور المكان
الفارق بين هذا الديوان/ المنعطف والدواوين السابقة يتمثل في طريقة التعامل مع المكان، في طرائق تصويره، وأساليب تشكيله... فقبل ديوان «الجبال» كان حضور المكان باهتاً في قصائد الشاعر، يتجلّى في بعض الصور والرموز، يشعّ في مقطع أو مقطعين ثمّ يختفي، أما في الدواوين اللاحقة وبدءاً من ديوان «الجبال» فقد تحوّل المكان إلى صورة كليّة واستعارة كبرى تعمّ كامل القصيدة وربّما كامل الديوان. هكذا وجدنا عدداً من دواوين الشاعر تدور حول أمكنة بعينها، منها يستلهم الشاعر صوره ورموزه.
لكن هذه المجموعات لم تسترفد المكان فحسب بل استرفدت أساطيره وتشرّبت رموزه وسعت إلى كتابة تاريخه الروحيّ العميق... قصائد الرحبي هي قصائد الأوابد تتعاوى في البراري والنباتات التي لا أسماء لها، والجبال الرابضة كحيوانات أسطورية على مشارف الصحراء. لكأننا نشهد، في هذه المجموعات، ميلاد الكون، وانبثاق العناصر. لكأنّ الأرض، في شعره، تخرج للتوّ من العماء الأوّل، والجبال تنبثق من البحار، والسماء تتزيّن للمرة الأولى بالنجوم. لكن هذا لا يعني أن سيف الرحبي اكتفى بترديد أساطير جاهزة أو استحضار تاريخ منجز، كلا فالرّحبي، مثل كلّ الشعراء، واضع أساطير وخالق رموز.
كلّ قصائد الرحبي تنطوي على حوار يعقدهُ الشّاعر مع أسلافه الموتى من شعَرَاء وصُنّاع أساطير ورجال حكمة. وخلال هذا الحوار لا يشحنُ الشاعر قصيدته بقوّة الماضي فحسب وإنّما يشحنُ ذلك التّراث بطاقة الحاضر فيبرزُهُ على هيئة جديدة. فكلّ كتابة إنّما هي إحياء لآثار سابقة، إيقاظٌ للأرواح النّائمة فيها، تحرير لطاقاتها الرّمزيّة والتخييليّة.
إنّ غاية هذه القصيدة هي إيقاظ حسّ الدّهشة في القارئ وتشكيكه في تأويلاته النهائية للأشياء ودفعه إلى النّظر إلى العالم بعينين جديدتين. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، عمدت هذه القصيدة إلى استرفاد رؤاها وصورها ورموزها من آفاق ميثيولوجيّة وخرافيّة ودينيّة مختلفة. كل هذا جعل شعر سيف الرحبي ينطوي في الكثير من نماذجه، على بنية سرديّة ذات نَبْضٍ دراميّ. هذا النّمط من الشّعر قد جمع بين صيرورة القصّ، وكينونة الشّعر وانفتح على أجناس أدبيّة وفنيّة أخرى يستدعيها ويستفيدُ منها.
إنّ قصيدة الرّحبي قصيدة مركّبة تجدل خيوطها أصواتٌ عدة متداخلة، تتحدَّر من أزمنة شتّى. هذه القصيدة تنهض على المفارقات، وعلاقات التماثل والتضاد، والحوار المستمرّ بين الصّفات والخصائص النّوعيّة المختلفة. وقد أسهمت البنية السردية في تطوير نزعتها الدراميّة بما انطوت عليه من جدل بين أطراف متقابلة متفاعلة (مثل الحاضر والماضي، والذّات والآخر، والأسطورة والتّاريخ...) وهي في كلّ هذا تختلف عن القصيدة الحديثة، في مرحلتها الأولى، حين كانت قصيدة غنائيّة بسيطة، ذات صوت منفرد، وإيقاع واحد متواتر.
إنّ مفهوم ”البناء“ أصبح يمثّل، لدى سيف، هاجساً من هواجس الكتابة الشعريّة، فسيف أصبح يعوّل على الفكر في تشكيل القصيدة، وصوغ بنائها. سيف خرج منذ مجموعته الأولى، من بساطة التجربة الغنائية التي تهيب، في الغالب الأعمّ، ببناء جاهز، وجنح إلى كتابة قصيدة جديدة تحفر كلّ مرّة شكلها كما يحفر النّهر مجراه.
من المؤكد أنّ هذا التصوّر لفعل الكتابة يجعل القصيدة أفقاً مفتوحاً على شتّى الأجناس الأدبيّة والألوان الفنيّة، فيها تتضَامُّ أمْشاجٌ من الفنون القصصية والمسرحية والسينمائيّة لتشيد كلّهَا هذا البناء وفق نظرة جديدة لا تلقي بالاً للحدود من الأجناس والأنواع. من هنا كان تواتر تقنيات فنيّة في القصيدة الدّراميّة تؤول إذا تأمّلناها إلى فنون أخرى، من بين هذه التقنيات الحوار، والحوار الدّاخلي، وتعدّد الأصوات، والمفارقة، والسخريّة، ومنها الإهابة بالتعبير القصصيّ الذي يشدّ إليه كلّ حركات القصيدة وعناصرها، ومنها المزج بين السّكون والحركة والصّمت والكلام، والبياض والسّواد.
كلّ هذه التقنيات جعلت نصّ سيف الرحبي لا يقتصر على الصّور الفنّيّة التقليديّة، في بناء خطابه. بل أصبح قيمة تشكيليّة مركّبة لا ترى إلا متقاطعة الخيوط، متداخلة العناصر. والواقع أنّ كل قصائد الرحبي إنّما هي تأمّل في فاعلية الكتابة، وتفكير في وظيفة الشعر واستقراء لإمكانات اللغة... هكذا تمكن الرحبي من نقل أسئلة الشّعر من خارج القصيدة إلى داخلها، وأسهم في استبدال الأسئلة الاجتماعيّة والإيديولوجيّة التي كانت تستبدّ باهتمام القصيدة بأسئلة الكتابة وقضايا الشعر.
إنّ وظيفة الشّعر، في هذا الديوان، هي خلخلة الموجود من أجل الظّفر بوجود أبهى وأزكى، فباللّغة يعرف الكائن العالم، لكن باللّغة أيضاً يستدرك على هذا العالم ويعيد ترتيب أشيائه، يحرّض الاسم على المسمّى، يفصل الدّالّ والمدلول، يهيّئ العالم ليكون شيئاً آخر، يسلّط الثّقافة على الطّبيعة ليكون الاختلاف وتكون المغايرة.
يرفض الرحبي اللّغة الجاهزة السّابقة على تجربته ويسعى إلى ابتكار «لغته» التي تقول تجربته المخصوصة. فاللّغة عنده ليست صندوقاً يستخرج منه الألفاظ ليضعها علامة على الأشياء، وإنّما هي مجلاه، تجربته، أو بعبارة أدونيس «مجده». لكنّ قصيدة الرحبي ليست مجرّد رسالة تنطوي على رؤى الشاعر الفكرية فحسب، وإنما هي قبل كلّ شيء خطاب شعري، تشدّنا دوالّه إلى حضورها الذاتيّ قبل أن تشدّنا إلى شيء آخر خارج عنها.
ويعدّ هذا الاحتفاء بالدالّ ملمحاً مهمّاً من ملامح شعريّة الحداثة. هذه الشعريّة التي تعتبر الكلمة «الفعل الخلّاق للرّوح» وأنّ من تمام حريّتها أن تنسلخ عن مرجعيّتها ”وتترك لحركاتها الخالصة التي توجّهها كيف تشاء أن تبعث إيقاعاتها وإيحاءاتها“.
إنّ هذا الازدواج في طبيعة القصيدة التي كتبها سيف الرحبي بوصفها كتابة وتأمّلاً لتلك الكتابة من شأنه أن يستدرج القارئ للإسهام في صوغ معانيها وتأويل رموزها. فاللّغة فيها ليست أداة توصيل شفّافة أو حياديّة وإنّما هي بمثابة الزّجاج الذي تملأه الصّور وتغطّيه الألوان فيشدّ الانتباه إليه بقدر ما يشدّه إلى ما وراءه.
جمع الشاعر العماني سيف الرحبي أعماله الشعرية في ثلاثة مجلدات وأصدرها عن دار رياض الريس للكتب بإشراف مكتب جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب. وتضم الأعمال هذه كلّ مجموعات الشاعر الصادرة حتى الآن مع نصوص نقديّة رافقت تجربته واستقرأت خصائصها الجمالية. هنا قراءة في أعمال الرحبي.
تكشف المجلدات الثلاثة التي تضم الأعمال الشعرية عن تجربة الرحبي الشعرية في تنوّعها وتعدّدها وتطوّرها. لا شكّ في أنّ هناك عناصر ثابتة انتظمت هذه المجاميع وجعلتها متقاربة على تباعدها، متجانسة على تنوّعها. لكن هذا التجانس وذلك التقارب لم يطمسا، مع ذلك، اختلاف بعضها عن بعض فهذه المجموعات تنوّعت بتنوّع المراحل التي كتبت فيها، وتلونت بتلوّن الظروف التي صدرت عنها.
تجربة الرحبي ظلت تجربة نامية، متطورة. لهذا لم تكن العلائق التي انعقدت بين هذه المجموعات علائق توافق وانسجام بقدر ما كانت علائق تجاوز واختلاف. كل مجموعة من مجاميع الشاعر لم تكن إلا مختبراً شعريّاً عمل من خلاله على تطوير خطابه الشعريّ وارتياد آفاق جمالية جديدة.
إنّ قصيدة الرحبي هي سليلة القصيدة الحديثة التي تنكّبت عن شعر الاعتراف والبوح وأقبلت على شعر يستضيء بنور الإدراك العاقل والخبرة المعرفيّة الناقدة، قصيدة لا تغنّي بقدر ما تتأمّل وتستبصر، ولا تنشد بقدر ما تفكّر وتستقصي...
يذهب الشاعر سعدي يوسف إلى أنّ ديوان الجبال «يشكّل خطوة الانعطافة الصّعبة في مسيرة الشاعر الذي ظل يحاول الإمساك بناصية الأرض، أرض وطنه عبر عقدين من كتابة مختلفة، كتابة خاصة، كلفته متاعب حياة بأسرها»، ثمّة عاملان اثنان ويسوّغان، في نظر سعدي يوسف، اعتباره هذا الديوان منعطفاً:
أوّلاً أنّ قصائد هذه المجموعة كانت مكرسة لمشاهد بلاده عمان. من هنا كان الحضور الكثيف للطبيعة.
ثانياً أن هذا الديوان أصّل القصيدة العمانية في أديم تراثها... والحال أنّ هذه القصيدة في نظر سعدي يوسف كانت قبل هذا الديوان تفتقد إلى مرجعيّة، من داخل الوطن، تستند إليها...
ونحن إذْ نقرّ بأنّ ديوان «الجبال «يمثّل، فعلاً، منعطفاً مهمّاً في تجربة سيف الرحبي إلا أننا نؤوّل هذا الانعطاف تأويلاً جماليّاً لا تأويلاً دلاليّاً. فأهمّ خصيصة يتميّز بها شعر سيف الرحبي، كما سنبيّن لاحقاً، افتتانه بالمكان. فمنذ ديوانه الأوّل، شغل المكان حيزاً مهمّاً في قصائده بل بات، في نظرنا، الرحم التي منها تحدرت هذه القصائد تحدّر الوليد من الوالدة.
حضور المكان
الفارق بين هذا الديوان/ المنعطف والدواوين السابقة يتمثل في طريقة التعامل مع المكان، في طرائق تصويره، وأساليب تشكيله... فقبل ديوان «الجبال» كان حضور المكان باهتاً في قصائد الشاعر، يتجلّى في بعض الصور والرموز، يشعّ في مقطع أو مقطعين ثمّ يختفي، أما في الدواوين اللاحقة وبدءاً من ديوان «الجبال» فقد تحوّل المكان إلى صورة كليّة واستعارة كبرى تعمّ كامل القصيدة وربّما كامل الديوان. هكذا وجدنا عدداً من دواوين الشاعر تدور حول أمكنة بعينها، منها يستلهم الشاعر صوره ورموزه.
لكن هذه المجموعات لم تسترفد المكان فحسب بل استرفدت أساطيره وتشرّبت رموزه وسعت إلى كتابة تاريخه الروحيّ العميق... قصائد الرحبي هي قصائد الأوابد تتعاوى في البراري والنباتات التي لا أسماء لها، والجبال الرابضة كحيوانات أسطورية على مشارف الصحراء. لكأننا نشهد، في هذه المجموعات، ميلاد الكون، وانبثاق العناصر. لكأنّ الأرض، في شعره، تخرج للتوّ من العماء الأوّل، والجبال تنبثق من البحار، والسماء تتزيّن للمرة الأولى بالنجوم. لكن هذا لا يعني أن سيف الرحبي اكتفى بترديد أساطير جاهزة أو استحضار تاريخ منجز، كلا فالرّحبي، مثل كلّ الشعراء، واضع أساطير وخالق رموز.
كلّ قصائد الرحبي تنطوي على حوار يعقدهُ الشّاعر مع أسلافه الموتى من شعَرَاء وصُنّاع أساطير ورجال حكمة. وخلال هذا الحوار لا يشحنُ الشاعر قصيدته بقوّة الماضي فحسب وإنّما يشحنُ ذلك التّراث بطاقة الحاضر فيبرزُهُ على هيئة جديدة. فكلّ كتابة إنّما هي إحياء لآثار سابقة، إيقاظٌ للأرواح النّائمة فيها، تحرير لطاقاتها الرّمزيّة والتخييليّة.
إنّ غاية هذه القصيدة هي إيقاظ حسّ الدّهشة في القارئ وتشكيكه في تأويلاته النهائية للأشياء ودفعه إلى النّظر إلى العالم بعينين جديدتين. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، عمدت هذه القصيدة إلى استرفاد رؤاها وصورها ورموزها من آفاق ميثيولوجيّة وخرافيّة ودينيّة مختلفة. كل هذا جعل شعر سيف الرحبي ينطوي في الكثير من نماذجه، على بنية سرديّة ذات نَبْضٍ دراميّ. هذا النّمط من الشّعر قد جمع بين صيرورة القصّ، وكينونة الشّعر وانفتح على أجناس أدبيّة وفنيّة أخرى يستدعيها ويستفيدُ منها.
إنّ قصيدة الرّحبي قصيدة مركّبة تجدل خيوطها أصواتٌ عدة متداخلة، تتحدَّر من أزمنة شتّى. هذه القصيدة تنهض على المفارقات، وعلاقات التماثل والتضاد، والحوار المستمرّ بين الصّفات والخصائص النّوعيّة المختلفة. وقد أسهمت البنية السردية في تطوير نزعتها الدراميّة بما انطوت عليه من جدل بين أطراف متقابلة متفاعلة (مثل الحاضر والماضي، والذّات والآخر، والأسطورة والتّاريخ...) وهي في كلّ هذا تختلف عن القصيدة الحديثة، في مرحلتها الأولى، حين كانت قصيدة غنائيّة بسيطة، ذات صوت منفرد، وإيقاع واحد متواتر.
إنّ مفهوم ”البناء“ أصبح يمثّل، لدى سيف، هاجساً من هواجس الكتابة الشعريّة، فسيف أصبح يعوّل على الفكر في تشكيل القصيدة، وصوغ بنائها. سيف خرج منذ مجموعته الأولى، من بساطة التجربة الغنائية التي تهيب، في الغالب الأعمّ، ببناء جاهز، وجنح إلى كتابة قصيدة جديدة تحفر كلّ مرّة شكلها كما يحفر النّهر مجراه.
من المؤكد أنّ هذا التصوّر لفعل الكتابة يجعل القصيدة أفقاً مفتوحاً على شتّى الأجناس الأدبيّة والألوان الفنيّة، فيها تتضَامُّ أمْشاجٌ من الفنون القصصية والمسرحية والسينمائيّة لتشيد كلّهَا هذا البناء وفق نظرة جديدة لا تلقي بالاً للحدود من الأجناس والأنواع. من هنا كان تواتر تقنيات فنيّة في القصيدة الدّراميّة تؤول إذا تأمّلناها إلى فنون أخرى، من بين هذه التقنيات الحوار، والحوار الدّاخلي، وتعدّد الأصوات، والمفارقة، والسخريّة، ومنها الإهابة بالتعبير القصصيّ الذي يشدّ إليه كلّ حركات القصيدة وعناصرها، ومنها المزج بين السّكون والحركة والصّمت والكلام، والبياض والسّواد.
كلّ هذه التقنيات جعلت نصّ سيف الرحبي لا يقتصر على الصّور الفنّيّة التقليديّة، في بناء خطابه. بل أصبح قيمة تشكيليّة مركّبة لا ترى إلا متقاطعة الخيوط، متداخلة العناصر. والواقع أنّ كل قصائد الرحبي إنّما هي تأمّل في فاعلية الكتابة، وتفكير في وظيفة الشعر واستقراء لإمكانات اللغة... هكذا تمكن الرحبي من نقل أسئلة الشّعر من خارج القصيدة إلى داخلها، وأسهم في استبدال الأسئلة الاجتماعيّة والإيديولوجيّة التي كانت تستبدّ باهتمام القصيدة بأسئلة الكتابة وقضايا الشعر.
إنّ وظيفة الشّعر، في هذا الديوان، هي خلخلة الموجود من أجل الظّفر بوجود أبهى وأزكى، فباللّغة يعرف الكائن العالم، لكن باللّغة أيضاً يستدرك على هذا العالم ويعيد ترتيب أشيائه، يحرّض الاسم على المسمّى، يفصل الدّالّ والمدلول، يهيّئ العالم ليكون شيئاً آخر، يسلّط الثّقافة على الطّبيعة ليكون الاختلاف وتكون المغايرة.
يرفض الرحبي اللّغة الجاهزة السّابقة على تجربته ويسعى إلى ابتكار «لغته» التي تقول تجربته المخصوصة. فاللّغة عنده ليست صندوقاً يستخرج منه الألفاظ ليضعها علامة على الأشياء، وإنّما هي مجلاه، تجربته، أو بعبارة أدونيس «مجده». لكنّ قصيدة الرحبي ليست مجرّد رسالة تنطوي على رؤى الشاعر الفكرية فحسب، وإنما هي قبل كلّ شيء خطاب شعري، تشدّنا دوالّه إلى حضورها الذاتيّ قبل أن تشدّنا إلى شيء آخر خارج عنها.
ويعدّ هذا الاحتفاء بالدالّ ملمحاً مهمّاً من ملامح شعريّة الحداثة. هذه الشعريّة التي تعتبر الكلمة «الفعل الخلّاق للرّوح» وأنّ من تمام حريّتها أن تنسلخ عن مرجعيّتها ”وتترك لحركاتها الخالصة التي توجّهها كيف تشاء أن تبعث إيقاعاتها وإيحاءاتها“.
إنّ هذا الازدواج في طبيعة القصيدة التي كتبها سيف الرحبي بوصفها كتابة وتأمّلاً لتلك الكتابة من شأنه أن يستدرج القارئ للإسهام في صوغ معانيها وتأويل رموزها. فاللّغة فيها ليست أداة توصيل شفّافة أو حياديّة وإنّما هي بمثابة الزّجاج الذي تملأه الصّور وتغطّيه الألوان فيشدّ الانتباه إليه بقدر ما يشدّه إلى ما وراءه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.