لقطات من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض    وكيل تعليم جنوب سيناء تشهد حفل ختام الأنشطة الطلابية بشرم الشيخ    محافظ الجيزة يرصد مخالفات بناء بجزيرة محمد ويوجه بفحص قانونية التراخيص    سكرتيرة البيت الأبيض: ترامب سيلقي خطابًا كبيرًا الليلة    ترامب يتحدث عن عرض إيرانى جديد    رفع 200 طن أنقاض وفتح شارع سيدي الصوري بالعطارين أمام المارة في الإسكندرية    مقتل ضابط أمريكي وإصابة آخر في إطلاق نار داخل مستشفى بشيكاغو    غارتان إسرائيليتان على بدلة حداثا في بنت جبيل    لاعب سعودي يسقط إسرائيليا بضربة رأس في نهائي دوري أبطال آسيا لكرة القدم    محافظ دمياط يتفقد مساجد الغالى والغفور الودود والحمد بدمياط الجديدة ورأس البر    اتصال إيرانى تركى يبحث جهود إنهاء الحرب    اللواء أسامة كبير: إسرائيل تعاني من خسارة وانهيار نفسي وهجرة عكسية في جيشها.. وتعتمد على الدعم الأمريكي    «سلامة الغذاء بالغربية» تضبط مصنع سناكس و200 كيلو فراخ منتهية الصلاحية    الأحد.. نظر استئناف الحكم على المتهمين بقتل المسلماني تاجر الذهب في رشيد    شيرين: دعوات الجمهور وقفتني على رجلي.. ومحمود الليثي وزينة وأحمد سعد وهيفاء وهبي لم يتركوني    شيرين: كنت محتاجة أتولد من جديد.. والنهارده هنام وأنا مش خايفة    نجم باب الحارة، وفاة الفنان السوري أحمد خليفة عن عمر 81 عاما    جولة تفقدية للارتقاء بالخدمات الطبية داخل مستشفيات جامعة الأزهر في دمياط    رئيس قطاع التعليم العام سابقًا: نقابة المعلمين ما زالت تعمل بقانون الاتحاد الاشتراكي    آمال ماهر تدعم شيرين عبدالوهاب: مبروك رجوعك لمحبينك    على مسرح البالون.. سامح يسري يتألق باحتفالية عيد تحرير سيناء    مصرع سيدة إثر سقوطها من الدور ال 15 بسيدي بشر    دراسة حديثة تكشف دور الهواتف الذكية في رصد الاكتئاب قبل ظهور أعراضه    ضبط طالب 13 عاما صدم طفلا بدراجة نارية وفر هاربًا ببني سويف (صور)    وفاة ابنة عم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وتشييع جثمانها في أسيوط    الثلاثاء.. مناقشة ديوان "الطريقة المثلى لإنتاج المشاعر" للشاعر أسامة حداد    اليوم.. الحكم في دعوى تعويض ميار الببلاوي ضد الداعية محمد أبوبكر    حبس المتهمين يإنهاء حياة نجل شقيقهم خلال تأديبه في منشأة القناطر    تفاصيل إصابة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بسرطان البروستاتا    نهايته خلف القضبان.. سقوط "ديلر القليوبية" صاحب فيديو ترويج السموم    شريف أشرف: مباراة إنبى الأهم للزمالك.. والدورى لم يُحسم بعد    مصطفى يونس: أتمنى عدم تتويج الأهلى بالدورى.. والزمالك يمتلك رجالا    مصرع صغيرة سقطت داخل "منور" أسانسير عقار سكني بالبحيرة    من الريلز إلى الدردشة، تنظيم الاتصالات يكشف حجم استهلاك المصريين في المحتوى الترفيهي عبر الإنترنت    تولوز يحقق ريمونتادا ويتعادل أمام موناكو بالدوري الفرنسي    جهاز منتخب مصر يطمئن على محمد صلاح    أتلتيكو مدريد يحقق ريمونتادا ويفوز على أتلتيك بلباو 3-2 في الدوري الإسباني    رائف: مديونية الإسماعيلي في الفيفا 220 مليون.. ورجل أعمال وحيد في الصورة    مجدي عبد العاطي: لم أحصل على حقوقي من مودرن وتقدمت بشكوى لاتحاد الكرة    أخبار مصر: 7 مستندات مطلوبة لعودة خدمات التموين بعد تعليقها بسبب النفقة.. الأوقاف تكشف مفاجأة جديدة بشأن "شيخ" مدرجات الزمالك.. "الشهر العقاري" يصدر ضوابط اعتماد وإيداع التوكيلات المحررة في الخارج    تعمير سيناء: طفرة تنموية بأرض الفيروز باستثمارات تتجاوز 52 مليار جنيه    ثقافة الفيوم تحتفي بتحرير سيناء في عرض فني يلامس الوجدان    المعهد القومي للبحوث الفلكية يكشف تفاصيل هزة أرضية ضربت اليونان    الصومال وسلطنة عمان يؤكدان أهمية التعاون على المستويين الإقليمي والدولي    البابا تواضروس يزور مقر البطريركية المسكونية ويلتقي برثلماوس الأول في إسطنبول    عميد معهد الأورام بجامعة القاهرة يحذر من وصفات السوشيال ميديا: قد تقتل المرضى وتؤخر العلاج الحقيقي    جولات ميدانية مفاجئة لتعزيز جودة الرعاية الصحية..    برلماني: مخطط لنقل 5 ملايين مواطن لسيناء وزراعتهم في أرض الفيروز    رئيس الوفد: "الأحوال الشخصية" من أهم القوانين فى مصر وكل ما يعنينا الأبناء    أسعار الدواجن مساء اليوم السبت 25 أبريل 2026    عضو القومي لحقوق الإنسان: الحياة الآمنة واقع ملموس في كل رقعة من أرض مصر وفي مقدمتها سيناء    «المصريين»: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى تحرير سيناء وثيقة سياسية واستراتيجية شاملة    وزارة النقل: ميناء أكتوبر الجاف يعزز حركة التجارة ويخفف الضغط عن الموانئ البحرية    عالم أزهري يوضح الدروس المستفادة من قصة قوم عاد وعاقبة الطغيان في القرآن الكريم    رمضان عبد المعز: الدعاء هو العبادة.. والحمد لله أعظم كلمة تطمئن القلوب    خطبة الجمعة من مسجد المشير: تحرير سيناء ملحمة وطن وعقيدة لا تُنسى    بسم الله أرقيك يا وطنى    مختار جمعة: إحياء النفس لا يقتصر على الحياة المادية بل يشمل كل صور الحماية والرعاية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مفهوم المواطنة العالمية ينطلق من المدرسة الرواقية الرومانية
نشر في صوت البلد يوم 30 - 12 - 2017

يطرح هذا الكتاب "الفكر الهيللينستي.. مذاهب وشخصيات" لأستاذ الفلسلفة اليونانية د. حمادة أحمد علي موضوعات وشخصيات لم يتعرض لها الباحثون فى الفلسفة اليونانية وخاصة فى الفكر الهيللينستي فهو يتناول بنية الفكر الهيللينستي ويعرض الخيوط العريضة لمدارس هذا العصر، كما يطرح تصورًا جديدًا لمفهوم الأخلاق فى الفسفة الراوقية، مرتكزا على عاملين أساسين، الأول وهو رؤية جديدة ترى أن الأخلاق تبنى على نظرية النزوع التي تنص على أن الحيوان يولد ولديه مبدأ للحفاظ على ذاته والثاني أنها تعرض لهيروكليس وهو فيلسوف رواقي يتبع الفلسفة الرواقية الرومانية في النص الأول من القرن الثاني.
ويعرض لفلسفة ديوجين أوينوندا الأبيقوري والذي لم يرد ذكره في الكتابات العربية ولم يكن معروفا للباحثين الغربيين حتى عام 1884، كما أنه يركز على قضية الموت عند الإمبراطور ماركوس أوريليوس التي صاغها في كتاب "التأملات" الذي كتبه في زمن الحرب، وكذا يعرض لمفهوم المواطنة العالمية عند الرواقية الرومانية كرد فعل لمفهوم الجلوبالية الذي ابدعته القوى الغربية المعاصرة لفائدة عصبة قد اكتسبت قوة للهجوم على كافة الأمم بما فيها أمتها ذاتها وادعت الحق في اغتصاب موارد الأرض فاق كل مصائب الإستعمار العسكري الغربي طول أربعة قرون.
بنية الفكر
قسم المؤلف الكتاب الصادر عن دار آفاق للنشر إلى خمسة فصول تناول خلالها بنية الفكر الهيللينستي وأخلاق الواجب لدى ماركوس أوريليوس الرواقي، وفلسفة ديوجين أوينوندا الأبيقوري، وفكرة الموت في فلسفة ماركوس أوريليوس، وأخيرا المواطنة العالمية عند الرواقية الرومانية.
ورأى المؤلف أنه في الفترة الهيللينستية نجد للفلسفة الإغريقية مملكة عالمية واحدة وتاريخا واحدا للعالم أوجدته روما، ونحن نفرق بين الفترة الكلاسيكية للفكر الإغريقي التي تنتهي بموت أرسطو وبين الفترة الهيللينستية التي تشتمل على الفترة الرواقية والأبيقوريين والفيثاغوريين المحدثين والشكاك والأفلاطونيين المحدثين، وهذه الفنرة الهيللينستية هي المصدر المباشر للكثير من الفكر المسيحي، فالفكر اليوناني الكلاسيكي لم يؤثر في المسيحية المبكرة بقدر ما فعل الفكر الهيللينستي عند حاصرت أسبرطة أثينا وهزمتها في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، فانتقلت السيادة السياسية من اليونان مهد الفلسفة والآداب وهترأت حد العقل الأثيني، وقد حكمت على سقراط بالموت عام 399 ق. م وماتت معه روح أثينا بعد أن تراءت لحقبة في شخص تلميذه العظيم أفلاطون.
وحينما هزم فيليب المقدوني الأثينيين في خايرونا عام 338 ق. م وأحرق الإسكندر مدينة طيبة العظيمة بعد ثلاث سنوات وحتى ادعاء الإبقاء على بيت بندراب لم يغط حقيقية أن الاستقلال الأثيني في الحكم والفكر قد تحطم بلا رجعة. وتعكس سيادة أرسطو المقدوني للفلسفة اليونانية خضوع اليونان السياسي للشعب الفتي البازغ في الشمال.
وقال "إذا كانت أعمال الإسكندر هي التي سيطرت على المدن اليونانية وخطلت بين اليونانيين والأعاجم وقد حققت الظروف اللازمة لنشأة الديانة الفردية، ولتعويض تعددية الإله الأسطورية بواحدانية الإله الكوني المتعالي، فإن الباعث الأصلي لهذه التحولات هو المذهب الأفلاطوني، وهو المؤسس الحقيقي لهذه الديانة، وإن أعمال الاسكندر هي التي أسهمت بنسبة كبيرة في رواجها بين جمهور المثقفين في البداية قبل أن تتسرب تدريجيا بين عامة الناس الذين بقوا مع ذلك خاضعين لديانتهم التقليدية.
ثلاثة أبعاد
وفي دراسته لأخلاق الواجب لدى هيروكليس الرواقي تطرق إلى ثلاثة أبعاد، البعد الأول هو أن هيروكليس جاء بتصور جديد للأخلاق لم يسبقه فيه أي من فلاسفة اليونان ولم يتحدث عنه من الرواقيين الذين سبقوه إلا اليسير، أما البعد الثاني فهو أن الدراسة اعتمدت على كتابي هيروكليس وهما كتاب "عناصر الأخلاق"، وكتاب "الفعل الواجب"، بعد ترجمتهما إلى اللغة العربية حيث تكمن أهمية هيروكليس الفلسفية في أمرين هما الدليل الإضافي الذي يبرهن به على المفاهيم الرواقية الجوهرية والمنهجية التي يستخدمها لبناء أسس الأخلاق الرواقية، أما البعد الثالث أن الدراسة قدمت مجالا للدراسات المقارنة لفكر هيروكليس الرواقي بالفكر الإسلامي والمسيحي خاصة فيما يتعلق بالأخلاق وذلك لمكانة ما جاء به من فكر.
وأضاف المؤلف أن الأخلاق تدور في ذكر هيروكليس حول نظرية النزوع الأخلاقي التي سوَّى بين الإنسان والحيوان، والتي تقوم بدورها حول حفاظ الحيوان على نفسه من ناحية والدخول في علاقات اجتماعية مع الآخرين من ناحية أخرى، وقد صاغ هيروكليس هذه النظرية في نسق جدلي يقوم على الاستفهام بادئا قوله بهل يدرك الحيوان نفسه حسيا وينتهي بالإجابة بأن الحيوان وكذلك الإنسان يدرك نفسه حسيا ويدرك أجزاءه الخاصة وما سلحته به الطبيعة للدفاع عن نفسه ونقاط الضعف والقوة عند الحيوانات الأخرى وقد أسهب هيروكليس في طرح الأمثلة للبرهنة على هذه القضايا ومرد ذلك هو قوة معارضيه الذين يصفهم بضعاف الفهم.
واهتم الباحث في دراسته فكرة الموت عند فلسفة الامبراطور ماركوس أوريليوس بدراسة الموت من حيث هو توقف للوجود الإنسان في كافة صوره وأشكاله، ورأى أن الموت يثير العديد من المشكلات الأخلاقية التي تهتم بالطريقة التي يجب علينا أن نحيا وفقا لها وهذه الطريقة تعتمد على مدى اعتقادنا بالمسئولية الأخلاقية عن أفعالنا التي اقترفناها.
وأضاف أن المدارس الفلسفية اليونانية كانت تستهدف رسم طريق السعادة في الحياة وما بعد الموت لأتباعها، ولما كانت الحياة والموت وجهين لعملة واحدة هي الوجود الإنساني على هذه الأرض ونتائج هذا الوجود هو المصير، فإن الاهتمام بقضية الموت هو في الواقع تفكير في أسلوب الحياة وغايتها وتوابعها، وكان لكل مدرسة فلسفية يونانية اتجاهها الخاص في تفسير طبيعة الروح ومصيرها بعد الموت، وهو اتجاه يتناغم مع موقف هذه المدرسة أو تلك من ماهية الطبيعة نفسها نفسها، وماهية النفس الإنسانية تبعا لذلك، إذ الهدف الرئيسي في هذا التفكير الفلسفي تحرير البشر من الخوف الغريزي من الموت الذي يكبل الإنسان ويقيد حركته ويحبسه ويشكل لديه الإرادة في الإنطلاق.
فقد ذهب الأبيقوريون مثلا إلى القول ما دامت الروح مكونة من مادة أي من ذرات فإنها تفنى مع فناء الجسد، ومن ثم فلا حياة أخرى بعد الموت، ولا ثواب ولا عقاب، فلماذا الخوف إذن من الموت ومن ألوان العذاب الأبدي التي حفظتها الأساطير البالية.
وبين الباحث أن الإمبراطور ماركوس تأثر بالفلسفة الفيثاغورية والأفلاطونية حين رأى أن الموت انعتاق من استجابة الحواس والرغبة وقد أعلن ماركوس أن الموت يتساوى مع الميلاد والإنسان جزء من الطبيعة التي ينبغي أن يعيش في توافق معها، ويعني ذلك أن الموت سر من أسرار الطبيعة، وهو ليس مضادا لها.
دعوة للانتحار
ورأى أن الرواقية ليست دعوة للانتحار، حيث تصور الموت على أنه من الأمور الوسطى التي لا هي خيرة ولا شريرة في ذاتها، وهو من الأشياء غير المهمة، والانتحار مشروع في حالة تقبل العقل، وقد كان الرواقيون في وضع أفضل من الأبيقوريين في مواجهة الخوف من الموت، وذلك لإيمان الفكر الرواقي بالعود الأبدي في مقابل اللاعودة، أعني نهاية حياة الكائنات الحية إلى ذرات عند الأبيقوريين.
ولفت إلى أن الإمبراطور ماركوس تأرجح موقفه حول مسألة خلود النفس بين الموقف الرواقي الذي ينتمي إليه والمذهب الأبيقوري المعاصر له، وهو يرى أن الأرواح إما إلى تشتت وفوضى أو عناية رحيمة، وقد ذكر هوفن أن ماركوس تردد بين الثنائي الروح والجسد، والثلاثي الروح والجسد والعقل القيادي، ولكن حقيقة الأمر أن ماركوس تحدث عن العقل القيادي وهو يصفه للإنسان كالإلوهية وإن جاز موقف هوفن لجاز هذا التقسيم الرباعي وهو الجسد والروح والعقل القيادي والألوهية. ناهيك عن أن الموقف الرواقي يرى أن النفس لا تفنى إلا بعد الاحتراق الكلي بعد أن تمر ببعض التحولات.
وفي رصده لمفهوم المواطنة العالمية عند الرواقية الرومانية رأى الباحث أن مفهوم المواطنة حالة شعوية لدى المواطن تجاه الوطن، تستلزم أن يكون له حق وعليه واجب، وقد مثلت الرواقية إحدى حلقات التطور للمفهوم، ولم يكن تأثيرها على المفهوم عابرا، بل أثر في الثقافة العالمية إلى يومنا هذه، لدرجة يمكن أن نقول فيها إن الجلوبالية رواقية معاكسة أو نقيضة للرواقية اليونانية، حيث أخذت منها المفهوم النظري وتخلت عن المفهوم العملي، فصار المواطن العالمي كارتونيا في حين تطابق النظر مع العمل عند الرواقية.
وأشار إلى أن دعوة الرواقية لم تكن للمواطنة العالمية جديدة، فقد دعا الكلبيون إلى مثل هذا، ولكنهم نظروا إلى القانون بعين القبح وأن السيادة للانسجام الناشيء عن الغرائز حال استقامتها ونقائها، لذا كانت دعواهم أقرب إلى أن تكون محاولة تحقيق سلام باطني وسط عالم مضطرب مزقته الحروب، وهي تستبدل البكاء بالسخرية والفكاهة. وكانت الرواقية على النقيض حيث احترمت القانون والعرف في آن، وسواء كان المواطن أثينيا أو رومانيا فهو مواطن ينتمي للعالم. وقدمت الرواقية نظرية في المواطنة العالمية لا تبنى على الاستبداد السياسي، بل على إقامة دولة إنسانية يجمع مواطنيها الإخاء والمساوة والحب، لذا كانت دعوتها إرهاصا لتنامي مفهوم الإنسان الذي ظهر في القرن الثامن عشر.
يطرح هذا الكتاب "الفكر الهيللينستي.. مذاهب وشخصيات" لأستاذ الفلسلفة اليونانية د. حمادة أحمد علي موضوعات وشخصيات لم يتعرض لها الباحثون فى الفلسفة اليونانية وخاصة فى الفكر الهيللينستي فهو يتناول بنية الفكر الهيللينستي ويعرض الخيوط العريضة لمدارس هذا العصر، كما يطرح تصورًا جديدًا لمفهوم الأخلاق فى الفسفة الراوقية، مرتكزا على عاملين أساسين، الأول وهو رؤية جديدة ترى أن الأخلاق تبنى على نظرية النزوع التي تنص على أن الحيوان يولد ولديه مبدأ للحفاظ على ذاته والثاني أنها تعرض لهيروكليس وهو فيلسوف رواقي يتبع الفلسفة الرواقية الرومانية في النص الأول من القرن الثاني.
ويعرض لفلسفة ديوجين أوينوندا الأبيقوري والذي لم يرد ذكره في الكتابات العربية ولم يكن معروفا للباحثين الغربيين حتى عام 1884، كما أنه يركز على قضية الموت عند الإمبراطور ماركوس أوريليوس التي صاغها في كتاب "التأملات" الذي كتبه في زمن الحرب، وكذا يعرض لمفهوم المواطنة العالمية عند الرواقية الرومانية كرد فعل لمفهوم الجلوبالية الذي ابدعته القوى الغربية المعاصرة لفائدة عصبة قد اكتسبت قوة للهجوم على كافة الأمم بما فيها أمتها ذاتها وادعت الحق في اغتصاب موارد الأرض فاق كل مصائب الإستعمار العسكري الغربي طول أربعة قرون.
بنية الفكر
قسم المؤلف الكتاب الصادر عن دار آفاق للنشر إلى خمسة فصول تناول خلالها بنية الفكر الهيللينستي وأخلاق الواجب لدى ماركوس أوريليوس الرواقي، وفلسفة ديوجين أوينوندا الأبيقوري، وفكرة الموت في فلسفة ماركوس أوريليوس، وأخيرا المواطنة العالمية عند الرواقية الرومانية.
ورأى المؤلف أنه في الفترة الهيللينستية نجد للفلسفة الإغريقية مملكة عالمية واحدة وتاريخا واحدا للعالم أوجدته روما، ونحن نفرق بين الفترة الكلاسيكية للفكر الإغريقي التي تنتهي بموت أرسطو وبين الفترة الهيللينستية التي تشتمل على الفترة الرواقية والأبيقوريين والفيثاغوريين المحدثين والشكاك والأفلاطونيين المحدثين، وهذه الفنرة الهيللينستية هي المصدر المباشر للكثير من الفكر المسيحي، فالفكر اليوناني الكلاسيكي لم يؤثر في المسيحية المبكرة بقدر ما فعل الفكر الهيللينستي عند حاصرت أسبرطة أثينا وهزمتها في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، فانتقلت السيادة السياسية من اليونان مهد الفلسفة والآداب وهترأت حد العقل الأثيني، وقد حكمت على سقراط بالموت عام 399 ق. م وماتت معه روح أثينا بعد أن تراءت لحقبة في شخص تلميذه العظيم أفلاطون.
وحينما هزم فيليب المقدوني الأثينيين في خايرونا عام 338 ق. م وأحرق الإسكندر مدينة طيبة العظيمة بعد ثلاث سنوات وحتى ادعاء الإبقاء على بيت بندراب لم يغط حقيقية أن الاستقلال الأثيني في الحكم والفكر قد تحطم بلا رجعة. وتعكس سيادة أرسطو المقدوني للفلسفة اليونانية خضوع اليونان السياسي للشعب الفتي البازغ في الشمال.
وقال "إذا كانت أعمال الإسكندر هي التي سيطرت على المدن اليونانية وخطلت بين اليونانيين والأعاجم وقد حققت الظروف اللازمة لنشأة الديانة الفردية، ولتعويض تعددية الإله الأسطورية بواحدانية الإله الكوني المتعالي، فإن الباعث الأصلي لهذه التحولات هو المذهب الأفلاطوني، وهو المؤسس الحقيقي لهذه الديانة، وإن أعمال الاسكندر هي التي أسهمت بنسبة كبيرة في رواجها بين جمهور المثقفين في البداية قبل أن تتسرب تدريجيا بين عامة الناس الذين بقوا مع ذلك خاضعين لديانتهم التقليدية.
ثلاثة أبعاد
وفي دراسته لأخلاق الواجب لدى هيروكليس الرواقي تطرق إلى ثلاثة أبعاد، البعد الأول هو أن هيروكليس جاء بتصور جديد للأخلاق لم يسبقه فيه أي من فلاسفة اليونان ولم يتحدث عنه من الرواقيين الذين سبقوه إلا اليسير، أما البعد الثاني فهو أن الدراسة اعتمدت على كتابي هيروكليس وهما كتاب "عناصر الأخلاق"، وكتاب "الفعل الواجب"، بعد ترجمتهما إلى اللغة العربية حيث تكمن أهمية هيروكليس الفلسفية في أمرين هما الدليل الإضافي الذي يبرهن به على المفاهيم الرواقية الجوهرية والمنهجية التي يستخدمها لبناء أسس الأخلاق الرواقية، أما البعد الثالث أن الدراسة قدمت مجالا للدراسات المقارنة لفكر هيروكليس الرواقي بالفكر الإسلامي والمسيحي خاصة فيما يتعلق بالأخلاق وذلك لمكانة ما جاء به من فكر.
وأضاف المؤلف أن الأخلاق تدور في ذكر هيروكليس حول نظرية النزوع الأخلاقي التي سوَّى بين الإنسان والحيوان، والتي تقوم بدورها حول حفاظ الحيوان على نفسه من ناحية والدخول في علاقات اجتماعية مع الآخرين من ناحية أخرى، وقد صاغ هيروكليس هذه النظرية في نسق جدلي يقوم على الاستفهام بادئا قوله بهل يدرك الحيوان نفسه حسيا وينتهي بالإجابة بأن الحيوان وكذلك الإنسان يدرك نفسه حسيا ويدرك أجزاءه الخاصة وما سلحته به الطبيعة للدفاع عن نفسه ونقاط الضعف والقوة عند الحيوانات الأخرى وقد أسهب هيروكليس في طرح الأمثلة للبرهنة على هذه القضايا ومرد ذلك هو قوة معارضيه الذين يصفهم بضعاف الفهم.
واهتم الباحث في دراسته فكرة الموت عند فلسفة الامبراطور ماركوس أوريليوس بدراسة الموت من حيث هو توقف للوجود الإنسان في كافة صوره وأشكاله، ورأى أن الموت يثير العديد من المشكلات الأخلاقية التي تهتم بالطريقة التي يجب علينا أن نحيا وفقا لها وهذه الطريقة تعتمد على مدى اعتقادنا بالمسئولية الأخلاقية عن أفعالنا التي اقترفناها.
وأضاف أن المدارس الفلسفية اليونانية كانت تستهدف رسم طريق السعادة في الحياة وما بعد الموت لأتباعها، ولما كانت الحياة والموت وجهين لعملة واحدة هي الوجود الإنساني على هذه الأرض ونتائج هذا الوجود هو المصير، فإن الاهتمام بقضية الموت هو في الواقع تفكير في أسلوب الحياة وغايتها وتوابعها، وكان لكل مدرسة فلسفية يونانية اتجاهها الخاص في تفسير طبيعة الروح ومصيرها بعد الموت، وهو اتجاه يتناغم مع موقف هذه المدرسة أو تلك من ماهية الطبيعة نفسها نفسها، وماهية النفس الإنسانية تبعا لذلك، إذ الهدف الرئيسي في هذا التفكير الفلسفي تحرير البشر من الخوف الغريزي من الموت الذي يكبل الإنسان ويقيد حركته ويحبسه ويشكل لديه الإرادة في الإنطلاق.
فقد ذهب الأبيقوريون مثلا إلى القول ما دامت الروح مكونة من مادة أي من ذرات فإنها تفنى مع فناء الجسد، ومن ثم فلا حياة أخرى بعد الموت، ولا ثواب ولا عقاب، فلماذا الخوف إذن من الموت ومن ألوان العذاب الأبدي التي حفظتها الأساطير البالية.
وبين الباحث أن الإمبراطور ماركوس تأثر بالفلسفة الفيثاغورية والأفلاطونية حين رأى أن الموت انعتاق من استجابة الحواس والرغبة وقد أعلن ماركوس أن الموت يتساوى مع الميلاد والإنسان جزء من الطبيعة التي ينبغي أن يعيش في توافق معها، ويعني ذلك أن الموت سر من أسرار الطبيعة، وهو ليس مضادا لها.
دعوة للانتحار
ورأى أن الرواقية ليست دعوة للانتحار، حيث تصور الموت على أنه من الأمور الوسطى التي لا هي خيرة ولا شريرة في ذاتها، وهو من الأشياء غير المهمة، والانتحار مشروع في حالة تقبل العقل، وقد كان الرواقيون في وضع أفضل من الأبيقوريين في مواجهة الخوف من الموت، وذلك لإيمان الفكر الرواقي بالعود الأبدي في مقابل اللاعودة، أعني نهاية حياة الكائنات الحية إلى ذرات عند الأبيقوريين.
ولفت إلى أن الإمبراطور ماركوس تأرجح موقفه حول مسألة خلود النفس بين الموقف الرواقي الذي ينتمي إليه والمذهب الأبيقوري المعاصر له، وهو يرى أن الأرواح إما إلى تشتت وفوضى أو عناية رحيمة، وقد ذكر هوفن أن ماركوس تردد بين الثنائي الروح والجسد، والثلاثي الروح والجسد والعقل القيادي، ولكن حقيقة الأمر أن ماركوس تحدث عن العقل القيادي وهو يصفه للإنسان كالإلوهية وإن جاز موقف هوفن لجاز هذا التقسيم الرباعي وهو الجسد والروح والعقل القيادي والألوهية. ناهيك عن أن الموقف الرواقي يرى أن النفس لا تفنى إلا بعد الاحتراق الكلي بعد أن تمر ببعض التحولات.
وفي رصده لمفهوم المواطنة العالمية عند الرواقية الرومانية رأى الباحث أن مفهوم المواطنة حالة شعوية لدى المواطن تجاه الوطن، تستلزم أن يكون له حق وعليه واجب، وقد مثلت الرواقية إحدى حلقات التطور للمفهوم، ولم يكن تأثيرها على المفهوم عابرا، بل أثر في الثقافة العالمية إلى يومنا هذه، لدرجة يمكن أن نقول فيها إن الجلوبالية رواقية معاكسة أو نقيضة للرواقية اليونانية، حيث أخذت منها المفهوم النظري وتخلت عن المفهوم العملي، فصار المواطن العالمي كارتونيا في حين تطابق النظر مع العمل عند الرواقية.
وأشار إلى أن دعوة الرواقية لم تكن للمواطنة العالمية جديدة، فقد دعا الكلبيون إلى مثل هذا، ولكنهم نظروا إلى القانون بعين القبح وأن السيادة للانسجام الناشيء عن الغرائز حال استقامتها ونقائها، لذا كانت دعواهم أقرب إلى أن تكون محاولة تحقيق سلام باطني وسط عالم مضطرب مزقته الحروب، وهي تستبدل البكاء بالسخرية والفكاهة. وكانت الرواقية على النقيض حيث احترمت القانون والعرف في آن، وسواء كان المواطن أثينيا أو رومانيا فهو مواطن ينتمي للعالم. وقدمت الرواقية نظرية في المواطنة العالمية لا تبنى على الاستبداد السياسي، بل على إقامة دولة إنسانية يجمع مواطنيها الإخاء والمساوة والحب، لذا كانت دعوتها إرهاصا لتنامي مفهوم الإنسان الذي ظهر في القرن الثامن عشر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.