كوريا الجنوبية تدرس سبل السماح لسفنها بعبور مضيق هرمز    صندوق أوبك يطلق حزمة ب1.5 مليار دولار لمساعدة الدول على إدارة الضغوط المرتبطة بالطاقة    نص مشروع تعديل قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات بعد الموافقة عليه    "الغرف السياحية": لا حج إلا عبر القنوات الرسمية.. ولأول مرة تطبيق خدمة «حاج بلا حقيبة»    الجيش اللبناني يعلن مقتل عسكري وشقيقه في غارة إسرائيلية جنوبي البلاد    الملك تشارلز لترامب: "لولا بريطانيا لكنتم تتحدثون الفرنسية"    «الوطني الفلسطيني» يحذر من مخطط استيطاني جديد بالضفة الغربية    حسونة: استخدمت مع بطل تونس "الخداع الذهبي".. وتدربت عليها كثيرا وأحلم بميدالية عالمية    فيفا يعتمد "قانون فينيسيوس".. طرد مباشر للاعبين بسبب تغطية الفم أثناء الشجار داخل الملعب    فبركة مدينة نصر.. كشف كذب صاحب فيديو "بلطجة الأجانب" وتخريب السيارات    هيئة سلامة الغذاء تضبط منتجات غذائية منتهية الصلاحية بمركز أرمنت    المعاينة: اختلال عجلة القيادة من سائق النقل وراء حادث أتوبيس كرداسة.. صور    محافظ الإسماعيلية يعتمد جداول امتحانات الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي    السجن المشدد 15 عاما للمتهم بقتل مواطن حاول منعه من التعدي على والده في الشرقية    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    "الإحصاء": تراجع معدل البطالة إلى 6.3% عام 2025    تفاصيل لقاء السيسي ورئيس جامعة هيروشيما اليابانية (صور)    وزير الشباب: الصالة المغطاة بالعريش نموذجا لتحويل المنشآت الرياضية لمراكز متكاملة لصناعة الأبطال    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. خيري بشارة: كابوريا نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    عاجل غارات إسرائيلية مكثفة تتجاوز "الخط الأصفر" إلى شمال الليطاني جنوب لبنان    الدوري المصري، الاتحاد السكندري ضيفا على المتصدر دجلة في مجموعة الهبوط    وزير الداخلية: عمال مصر يمثلون أحد أعمدة البناء الأساسية    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    وزير التعليم العالي يتابع أداء الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية    القبض على قاتل زوجته وابنته ب36 طعنة في الجيزة بعد 5 أيام من الهروب    الدولار يسجل 445.39 جنيها للشراء في بنك السودان المركزي    وزير التخطيط: نتطلع لآفاق أوسع من التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية    رئيس الرقابة المالية يشهد توقيع بروتوكولات تعاون لتطوير كوادر القطاع المالي غير المصرفي    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    خلافات على الأرض.. النيابة تحقق في واقعة سرقة محصول قمح بالشرقية بعد ضبط المتهم الرئيسي    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    قمة أوروبية مشتعلة الآن.. أرسنال في اختبار صعب أمام أتلتيكو مدريد بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2026 (بث مباشر + القنوات والتشكيل)    ترامب: الملك تشارلز يتفق مع منع إيران من امتلاك قنبلة نووية    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    الأهلي وسبورتنج يتأهلان إلى نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    مشروب الزعتر البارد الأقوى لتهدئة الكحة والحساسية    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذاكرة إنعام كجه جي بين استعمار وديكتاتورية
نشر في صوت البلد يوم 13 - 11 - 2017

في السطر الثالث من رواية إنعام كجه جي الجديدة «النبيذة» (دار الجديد، بيروت 2017)، يفاجئنا الماضي كما يفاجئ شخصية الرواية «تاج الملوك ذات الأسماء المتعددة»، فيجلس جنبها شامتاً في قطار الأنفاق في باريس التي كانت مسرح أحداث روايات إنعام كجه جي السابقة، مثل «طشاري» روايتها الثالثة و «سواقي القلوب» روايتها الأولى. وتذكرنا تاج الملوك بكاشانية الناجية في «سواقي القلوب» ووردية شماس في «طشاري» حيث تعيشان في المنفى، وتستعيدان الماضي عبر أحداث الرواية. لكنّ حالة التبعثر و»التطشر» ستظل المهيمنة الأساسية في سرد إنعام كجه جي حتى في عملها هذا.
وكما في رواياتها تلك كان الإسترجاع هو سبيل السرد كله. تبدأ الرواية وقد انتهى كل شيء. عاشت تاج الملوك حياتها وتبدلت أسماؤها وأعمالها وسكنها، وخرجت بمرارات ما ضاع منها. لذا كان الماضي شامتاً، لكنها الآن تشركنا في جزئياتها وتبدلاتها الحادّة. تلك التبدلات والتحولات التي يعدها دارسو السرد أساس الرواية وعصبها الرئيس. تحولات جعلت حياتها محتشدة بالرجال، سياسيين وعسكريين، عشاقاً وأزواجاً وأصدقاء، وعبرهم تلقف الزمن صوت السارد وصار سارداً. بل نخرج من الرواية لنصف الزمن بالشخصية الرئيسة، أو البطل بمصطلحات ما قبل الربيع النقدي السردي.
من مفاجأة الزمن المقتحم خلوة القطار يتسلل السارد إلى متن المدونة. يسوق الأحداث المستعادة، ويوازن في فسحات الصمت أو التوقفات السردية بالعودة إلى الحاضر، ولكن بسكون لا يقطعه أو يسرع مجرى أحداثه إلا ذلك اللقاء الذي لم يتم بين تاج الملوك وعاشقها الفلسطيني منصور، زميل الإذاعة الباكستانية بالعربية في الخمسينات.
لقد قذف به الزمن هو الآخر إلى بلدان عدة. فتعادل في النفي والإقصاء مع تاج الملوك، وأخيراً في كاراكاس مستشاراً لرئيسها شافيز ثم مقصى عنه إلى زاوية نسيان تجعله يبحث مجدداً عن حبيبته التي لم يكتمل اقترانه بها وشطت بهما الطرق. هي رواية زمن ماض إذاً، ورواية شتات. الفلسطيني منصور والعراقية تاج الملوك يعيشان قدرهما. لا فرق في اسم المنفى: كاراكاس أو باريس. ولتكتمل المأساة، تأتي الكاتبة بشخصية وديان العراقية الشابة التي ترافق تاج الملوك في منفاها وشيخوختها ، وتشهد- كما نشهد نحن عبرها- لحظات دخول تاج الملوك في غابة من نسيان، هي بدايات شيخوختها ثم أوج الزهايمر. عند هذه النقطة من السرد تنوب عنها صديقتها وديان الصماء المعذبة بماض قريب والهاربة الى المنفى الباريسي. تستكمل وديان ذاكرة تاج وتواصل السرد نيابة عنها لا في المقاطع المخصصة لها فحسب، فهي تحاول إنجاز اللقاء المستحيل بين تاج الملوك والفلسطيني منصور. لقاء يصبح استيهاماً كاذباً لا يتحقق إلا في لا وعي تاج التي تلملم ماضيها وتعرضه لوديان عبر صندوق الصور والرسائل، حيث الزمن المتجمد الذي حملته معها. لكنّ الزمن لا يعني إحصاء الخسارات الشخصية والوطن البعيد فحسب. إنه يقدم هيجان أحداثه ودلالاتها. تحولات رهيبة في مفاصل الحياة العربية تمتد مثل عمر تاج الملوك وعبر صلاتها بالطبقة المتنفذة، وأصحاب القرارات العليا وبواسطة الصحافة والإذاعة واللقاءات والبروتوكولات التي تشهدها.
هي في خصام وتقاطع مع ماضيها. لم تتزوج من تحب. ولم يدم النظام الذي أرادت من خلاله أن تغير الحياة وتؤثر في مجتمعها بل جاءت ثورة 14 تموز (يوليو) لتؤسس الجمهورية على أنقاض الملكية التي تمتعت تاج الملوك بأيامها، قبل أن يتحول الباشا رئيس وزراء العراق الملكي نوري السعيد، ويصبح جلاداً ويوليها ظهره. هكذا تهاجمها ما تسميها «خفافيش ماضيها» وبمقابلها «لعنة الشيخوخة». ولدرء ذلك تستعيد أمجادها.حين كانت «قدماها قد قطعتا جبالاً و عبرتا قارات»، لكنها الآن في كرسيها المتحرك لا تمشي إلا من خلال صور من ماضيها، ضمتها صناديق حملتها معها حيث حلت.
ولكن لماذا هي النبيذة كما حددها العنوان؟ ترد إشارتان لذلك فضلاً عن الدلالة الكلية للنبذ، مقترناً بوجود الشخصيات مقذوفين أو منتبذين أماكن قصية إن لم نقل إنهم منبوذون بقسوة وعنف تؤكدهما تفاصيل حياتهم. لكنّ تاج تجمع معنيين للنبذ كما يرد في الرواية: الأول يتبادر إلى القراءة من التصريف الذي ذكرته الرواية للنبذ، فالراوي يصفها بالقول: «ظلت العصيّة والنبيذة وعلامة الاستفهام»، ثم ترد في جزء خاص بمنصور الذي يقول عنها(تاجي عنقود من عنب أسود يعاند الأرجل العاصرة.نبيذها حلو..)، لكنه بعد أسطر ينساق للمهيمنة اللسانية فيقلّب النبذ لغوياً بالعودة للمعجم: فيجد المعنيين: النبذ بمعنى طرح الشيء، والنبيذ الذي هو غليان العصير، لكنه لا يتوقف عند المعنى الأخير «انتبذ جلس ناحية» بهذا المعنى تكون تاج قد اتخذت هامش الحياة منتبذاً بعدما عاشت مع صناديق ذكرياتها، وصور ماضيها ممزوجة بالخسارت. تقول في إحدى تداعياتها: «العمر محض تلويحات» وكأنها تكمل مايقوله منصور في تداعياته «يمكن وصف حياتي بأنها تاريخ مضغوط في مفكرات». وتلك هي حصيلة ما خرج به الثلاثة. لا أحد رابح أو سعيد. الشتات الموحش والوحدة والعطب الجسدي والركون إلى الماضي. بذا وضعت إنعام كجه جي شخصياتها في حصار خانق: لا الحاضر ذو جدوى ولا المستقبل ممكن، كما أن الماضي غدا ورقاً وصوراً داخل صناديق تنفتح في وحشة الروح وضعفها، لتنجدها كي تقف ثانية. صحيح أن تاج لم تمت في النهاية، لكنّ وطنها ابتعد، وآلَ كل شيء إلى سراب. ولا يمكن أن ننصرف لتاريخ العراق الذي مرّ متقاطعاً مع حيوات الشخصيات. فالرواية- وهذا من فضائلها ومزاياها الكثيرة- لا تريد تدوين تاريخ للمكان، بقدر ارتباطه بمصائر الشخصيات. لقد كانت أحداث التاريخ الحديث من الاحتلال ونشأة الدولة العراقية ثم الجمهورية والأنظمة الدكتاتورية والمتعسفة ترد فقط لإضاءة زمن داخلي هو زمن حياة الشخصيات. التاريخ هنا بأحداثه وتحولاته يغري بالمتابعة ويلبي فضول القارئ لما حصل في وطنه، لكنّ انعكاس ذلك كله على الشخصيات هو ما كان يشغل الكاتبة.
بذكاء وحرفة سردية، تخلق إنعام كجه جي شخصية مكمّلة لتاج الملوك: مصابة بصمم سبّبه لها المعتوه ابن الشيخ الدكتاتور الصغير، وهذه جزئية من وقائع العراق وما مرّ به من أحداث. لقد نقلتها عبر وديان التي تؤدي مهمة سردية أخرى، فهي تملأ ثغرات السرد وفراغاته بمراقبة تاج ومصاحبتها، وتستكمل حيوات لم تشهدها تاج الملوك. وتعينها على التذكر والعيش ومحاولة استرداد حبيبها الذي لم تقترن به. أما رذاذ ألم زواجها الفاشل وتغير اسمها بسببه فهو من ندوب الذاكرة، وما تعاني من ألم. لقد صار اسمها مارتين شامبيون ومات الرجل الذي خذله استقلال الجزائر كجنرال فرنسي. لكنّ المشكلة ليست في الإسم. لقد تغير اسمها مرات عدة كما تقول وديان. المعضلة في الزمن. حاضرها الكسيح مقابل ماضيها الشريف كما تقول. أما وديان فلا ترى عراق تاج بأنه عراقها. ولا زمن تاج زمنها. هذا تاكيد على أنها بديلتها الشخصية لا الزمنية. يكفيها عذابات الدكتاتورية التي جعلتها تفرّ لاجئة في مصحات باريس. وتدع تاج مثل شاشة: ترى من خلالها أحداث تسعين سنة ترويها- أو تروى عن- امرأة في التسعين أيضاً، وهي تقفز عبر أزمان متعددة وأمكنة متباعدة.
تأتي النهاية في ما يشبه ميتا سرد، تفصح فيه وديان عن مصائر الشخصيات الثلاثة. لم تمت مارتين- تاج الملوك «لا تزال تنام فوق صناديقها» تعاني «وجع الذاكرة»، ومنصور الحبيب المستحيل «ما زال غارقاً في اضطرابات فنزويلا، يتأمل كراساته المتراكمة على أمل أن يكتب مذكراته ذات يوم». أما وديان التي اختارت الوحدة وإشباع رغباتها بالخيال، فقد نسيت حبيبها البغدادي يوسف، وجربت جرعة الإيمان: «تغطي رأسها بوشاح، وتحضر حلقات حوار الأديان»، وبدل أن تبعث ملَكَتها الموسيقية كعازفة، راحت تبحث عن فتاوى حُكم سماع الموسيقى.
ماذا تريد إنعام من مثل هذه النهاية؟ التصويت للانسحاب الذي يعيشه الجيل الحاضر كما صوتت بفشل الجيل الثالث في «الحفيدة الأميركية»؟ ربما. فهي من جيل شهد النكسات وتشظى في المنافي وتعذب كثيراً ولم يعد يرى مستقبلاً قريباً للوطن، وللمتمسكين بقشة باقية قد تنقذ ذاكرتهم وحدها من دون شك.
يصف السارد حياة تاج الملوك بأنها «مثل قلائد السحرة والمشعوذين. ملضومة من بقايا خشب وخزف وعاج وريش وجلود. توليفة قديمة من الماضي. لم تعد متوافرة إلا في صور الأسود والأبيض». وأحسب أن هذا ما كانت الكاتبة حريصة على رصده في روايتها ذات النكهة المدهشة في أزمنتها وأمكنتها وشخصياتها ولغتها.
في السطر الثالث من رواية إنعام كجه جي الجديدة «النبيذة» (دار الجديد، بيروت 2017)، يفاجئنا الماضي كما يفاجئ شخصية الرواية «تاج الملوك ذات الأسماء المتعددة»، فيجلس جنبها شامتاً في قطار الأنفاق في باريس التي كانت مسرح أحداث روايات إنعام كجه جي السابقة، مثل «طشاري» روايتها الثالثة و «سواقي القلوب» روايتها الأولى. وتذكرنا تاج الملوك بكاشانية الناجية في «سواقي القلوب» ووردية شماس في «طشاري» حيث تعيشان في المنفى، وتستعيدان الماضي عبر أحداث الرواية. لكنّ حالة التبعثر و»التطشر» ستظل المهيمنة الأساسية في سرد إنعام كجه جي حتى في عملها هذا.
وكما في رواياتها تلك كان الإسترجاع هو سبيل السرد كله. تبدأ الرواية وقد انتهى كل شيء. عاشت تاج الملوك حياتها وتبدلت أسماؤها وأعمالها وسكنها، وخرجت بمرارات ما ضاع منها. لذا كان الماضي شامتاً، لكنها الآن تشركنا في جزئياتها وتبدلاتها الحادّة. تلك التبدلات والتحولات التي يعدها دارسو السرد أساس الرواية وعصبها الرئيس. تحولات جعلت حياتها محتشدة بالرجال، سياسيين وعسكريين، عشاقاً وأزواجاً وأصدقاء، وعبرهم تلقف الزمن صوت السارد وصار سارداً. بل نخرج من الرواية لنصف الزمن بالشخصية الرئيسة، أو البطل بمصطلحات ما قبل الربيع النقدي السردي.
من مفاجأة الزمن المقتحم خلوة القطار يتسلل السارد إلى متن المدونة. يسوق الأحداث المستعادة، ويوازن في فسحات الصمت أو التوقفات السردية بالعودة إلى الحاضر، ولكن بسكون لا يقطعه أو يسرع مجرى أحداثه إلا ذلك اللقاء الذي لم يتم بين تاج الملوك وعاشقها الفلسطيني منصور، زميل الإذاعة الباكستانية بالعربية في الخمسينات.
لقد قذف به الزمن هو الآخر إلى بلدان عدة. فتعادل في النفي والإقصاء مع تاج الملوك، وأخيراً في كاراكاس مستشاراً لرئيسها شافيز ثم مقصى عنه إلى زاوية نسيان تجعله يبحث مجدداً عن حبيبته التي لم يكتمل اقترانه بها وشطت بهما الطرق. هي رواية زمن ماض إذاً، ورواية شتات. الفلسطيني منصور والعراقية تاج الملوك يعيشان قدرهما. لا فرق في اسم المنفى: كاراكاس أو باريس. ولتكتمل المأساة، تأتي الكاتبة بشخصية وديان العراقية الشابة التي ترافق تاج الملوك في منفاها وشيخوختها ، وتشهد- كما نشهد نحن عبرها- لحظات دخول تاج الملوك في غابة من نسيان، هي بدايات شيخوختها ثم أوج الزهايمر. عند هذه النقطة من السرد تنوب عنها صديقتها وديان الصماء المعذبة بماض قريب والهاربة الى المنفى الباريسي. تستكمل وديان ذاكرة تاج وتواصل السرد نيابة عنها لا في المقاطع المخصصة لها فحسب، فهي تحاول إنجاز اللقاء المستحيل بين تاج الملوك والفلسطيني منصور. لقاء يصبح استيهاماً كاذباً لا يتحقق إلا في لا وعي تاج التي تلملم ماضيها وتعرضه لوديان عبر صندوق الصور والرسائل، حيث الزمن المتجمد الذي حملته معها. لكنّ الزمن لا يعني إحصاء الخسارات الشخصية والوطن البعيد فحسب. إنه يقدم هيجان أحداثه ودلالاتها. تحولات رهيبة في مفاصل الحياة العربية تمتد مثل عمر تاج الملوك وعبر صلاتها بالطبقة المتنفذة، وأصحاب القرارات العليا وبواسطة الصحافة والإذاعة واللقاءات والبروتوكولات التي تشهدها.
هي في خصام وتقاطع مع ماضيها. لم تتزوج من تحب. ولم يدم النظام الذي أرادت من خلاله أن تغير الحياة وتؤثر في مجتمعها بل جاءت ثورة 14 تموز (يوليو) لتؤسس الجمهورية على أنقاض الملكية التي تمتعت تاج الملوك بأيامها، قبل أن يتحول الباشا رئيس وزراء العراق الملكي نوري السعيد، ويصبح جلاداً ويوليها ظهره. هكذا تهاجمها ما تسميها «خفافيش ماضيها» وبمقابلها «لعنة الشيخوخة». ولدرء ذلك تستعيد أمجادها.حين كانت «قدماها قد قطعتا جبالاً و عبرتا قارات»، لكنها الآن في كرسيها المتحرك لا تمشي إلا من خلال صور من ماضيها، ضمتها صناديق حملتها معها حيث حلت.
ولكن لماذا هي النبيذة كما حددها العنوان؟ ترد إشارتان لذلك فضلاً عن الدلالة الكلية للنبذ، مقترناً بوجود الشخصيات مقذوفين أو منتبذين أماكن قصية إن لم نقل إنهم منبوذون بقسوة وعنف تؤكدهما تفاصيل حياتهم. لكنّ تاج تجمع معنيين للنبذ كما يرد في الرواية: الأول يتبادر إلى القراءة من التصريف الذي ذكرته الرواية للنبذ، فالراوي يصفها بالقول: «ظلت العصيّة والنبيذة وعلامة الاستفهام»، ثم ترد في جزء خاص بمنصور الذي يقول عنها(تاجي عنقود من عنب أسود يعاند الأرجل العاصرة.نبيذها حلو..)، لكنه بعد أسطر ينساق للمهيمنة اللسانية فيقلّب النبذ لغوياً بالعودة للمعجم: فيجد المعنيين: النبذ بمعنى طرح الشيء، والنبيذ الذي هو غليان العصير، لكنه لا يتوقف عند المعنى الأخير «انتبذ جلس ناحية» بهذا المعنى تكون تاج قد اتخذت هامش الحياة منتبذاً بعدما عاشت مع صناديق ذكرياتها، وصور ماضيها ممزوجة بالخسارت. تقول في إحدى تداعياتها: «العمر محض تلويحات» وكأنها تكمل مايقوله منصور في تداعياته «يمكن وصف حياتي بأنها تاريخ مضغوط في مفكرات». وتلك هي حصيلة ما خرج به الثلاثة. لا أحد رابح أو سعيد. الشتات الموحش والوحدة والعطب الجسدي والركون إلى الماضي. بذا وضعت إنعام كجه جي شخصياتها في حصار خانق: لا الحاضر ذو جدوى ولا المستقبل ممكن، كما أن الماضي غدا ورقاً وصوراً داخل صناديق تنفتح في وحشة الروح وضعفها، لتنجدها كي تقف ثانية. صحيح أن تاج لم تمت في النهاية، لكنّ وطنها ابتعد، وآلَ كل شيء إلى سراب. ولا يمكن أن ننصرف لتاريخ العراق الذي مرّ متقاطعاً مع حيوات الشخصيات. فالرواية- وهذا من فضائلها ومزاياها الكثيرة- لا تريد تدوين تاريخ للمكان، بقدر ارتباطه بمصائر الشخصيات. لقد كانت أحداث التاريخ الحديث من الاحتلال ونشأة الدولة العراقية ثم الجمهورية والأنظمة الدكتاتورية والمتعسفة ترد فقط لإضاءة زمن داخلي هو زمن حياة الشخصيات. التاريخ هنا بأحداثه وتحولاته يغري بالمتابعة ويلبي فضول القارئ لما حصل في وطنه، لكنّ انعكاس ذلك كله على الشخصيات هو ما كان يشغل الكاتبة.
بذكاء وحرفة سردية، تخلق إنعام كجه جي شخصية مكمّلة لتاج الملوك: مصابة بصمم سبّبه لها المعتوه ابن الشيخ الدكتاتور الصغير، وهذه جزئية من وقائع العراق وما مرّ به من أحداث. لقد نقلتها عبر وديان التي تؤدي مهمة سردية أخرى، فهي تملأ ثغرات السرد وفراغاته بمراقبة تاج ومصاحبتها، وتستكمل حيوات لم تشهدها تاج الملوك. وتعينها على التذكر والعيش ومحاولة استرداد حبيبها الذي لم تقترن به. أما رذاذ ألم زواجها الفاشل وتغير اسمها بسببه فهو من ندوب الذاكرة، وما تعاني من ألم. لقد صار اسمها مارتين شامبيون ومات الرجل الذي خذله استقلال الجزائر كجنرال فرنسي. لكنّ المشكلة ليست في الإسم. لقد تغير اسمها مرات عدة كما تقول وديان. المعضلة في الزمن. حاضرها الكسيح مقابل ماضيها الشريف كما تقول. أما وديان فلا ترى عراق تاج بأنه عراقها. ولا زمن تاج زمنها. هذا تاكيد على أنها بديلتها الشخصية لا الزمنية. يكفيها عذابات الدكتاتورية التي جعلتها تفرّ لاجئة في مصحات باريس. وتدع تاج مثل شاشة: ترى من خلالها أحداث تسعين سنة ترويها- أو تروى عن- امرأة في التسعين أيضاً، وهي تقفز عبر أزمان متعددة وأمكنة متباعدة.
تأتي النهاية في ما يشبه ميتا سرد، تفصح فيه وديان عن مصائر الشخصيات الثلاثة. لم تمت مارتين- تاج الملوك «لا تزال تنام فوق صناديقها» تعاني «وجع الذاكرة»، ومنصور الحبيب المستحيل «ما زال غارقاً في اضطرابات فنزويلا، يتأمل كراساته المتراكمة على أمل أن يكتب مذكراته ذات يوم». أما وديان التي اختارت الوحدة وإشباع رغباتها بالخيال، فقد نسيت حبيبها البغدادي يوسف، وجربت جرعة الإيمان: «تغطي رأسها بوشاح، وتحضر حلقات حوار الأديان»، وبدل أن تبعث ملَكَتها الموسيقية كعازفة، راحت تبحث عن فتاوى حُكم سماع الموسيقى.
ماذا تريد إنعام من مثل هذه النهاية؟ التصويت للانسحاب الذي يعيشه الجيل الحاضر كما صوتت بفشل الجيل الثالث في «الحفيدة الأميركية»؟ ربما. فهي من جيل شهد النكسات وتشظى في المنافي وتعذب كثيراً ولم يعد يرى مستقبلاً قريباً للوطن، وللمتمسكين بقشة باقية قد تنقذ ذاكرتهم وحدها من دون شك.
يصف السارد حياة تاج الملوك بأنها «مثل قلائد السحرة والمشعوذين. ملضومة من بقايا خشب وخزف وعاج وريش وجلود. توليفة قديمة من الماضي. لم تعد متوافرة إلا في صور الأسود والأبيض». وأحسب أن هذا ما كانت الكاتبة حريصة على رصده في روايتها ذات النكهة المدهشة في أزمنتها وأمكنتها وشخصياتها ولغتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.