سعر الذهب يتراجع 2% أسبوعيًا.. وعيار 21 يسجل 6960 جنيهًا    تراجع المديونية المتراكمة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز    نائب محافظ الفيوم يتابع آخر المستجدات بملف "التحول الرقمي" ومسابقة "القيادات المحلية"    10 مايو.. تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    استقبال 166226 طنا من القمح المحلي بشون وصوامع الشرقية    هام من السياحة بشأن موسم الحج 1447-2026    وزير الكهرباء يبحث مع "شنايدر إليكتريك" التوسع في مبادرة تحسين كفاءة الطاقة    مستشارة بالناتو: تحركات البنتاجون تؤثر على علاقات واشنطن بحلفائها    القاهرة الإخبارية: الاحتلال الإسرائيلي يجدد إنذارات إخلاء لبلدات في الجنوب اللبناني    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا في القاهرة    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    الإمارات تعلن عودة الملاحة الجوية إلى وضعها الطبيعي    اتحاد السلة يعلن مواعيد مباريات نهائي دوري السوبر للسيدات    أربيلوا قبل مواجهة إسبانيول: دفعنا ثمن غياب العقلية من نقاطنا    وزير الشباب يتفقد أعمال تطوير مركز الطب الرياضي بمدينة نصر    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    برشلونة يعلن حصول رافينيا وبيرنال على التصريح الطبي قبل مواجهة أوساسونا    بلاغ يقود المباحث لضبط المتهم بالتنقيب عن الآثار في المنوفية    السيطرة على حريق بموقع تصوير "بيت بابا 2" دون خسائر بشرية    انقلاب سيارة ملاكي واصطدامها بالجزيرة الوسطى بكورنيش الإسكندرية    إحالة أوراق متهم بتزوير شهادة ميلاد طفلة والتعدي عليها لمدة 6 أعوام في الإسكندرية للمفتي    الحرارة الآن 34 درجة على القاهرة الكبرى.. تحذير عاجل من الأرصاد بسبب حالة الطقس    الأوقاف الأردنية: خطط بديلة لنقل الحجاج وضمان أداء المناسك بأمان    مدير إدارة طور سيناء التعليمية ينفي رصد أي شكاوى في اليوم الأول لامتحانات النقل بالتعليم الفني    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزيرة الثقافة: مشاركة مصر في معرض الرباط للكتاب تعزز القوة الناعمة    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    أول تعليق من مخرج "بيت بابا 2" بعد حريق لوكيشن التصوير    الدكتور خالد عبدالغفار: الصحة النفسية حق أساسي لكل مواطن    محافظ المنوفية يتفقد المركز التكنولوجي والصحة بسرس الليان    هاجمتهم إسرائيل.. نقل 59 ناشطا من أسطول الصمود إلى تركيا    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تكريم تدريسية من كلية المنصور الجامعة في فعالية علمية بمناسبة اليوم العالمي للملكية الفكرية    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    أكاديمية الفنون تحتفل بذكرى تحرير سيناء بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية    الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة الشيخ محمد عبد العزيز حصّان.. من أعلام التلاوة    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    القبض على المتهمين بسرقة 250 ألف جنيه من سيارة بمدينة الشيخ زايد    تشييع جنازة نعمان الوزير كبير مشجعي النادي الإسماعيلي إلى مثواه الأخير (صور)    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    عاجل نائب رئيس الوزراء: القطار الكهربائي السريع شريان تنموي يعزز الاقتصاد ويربط أنحاء الجمهورية    تأجيل محاكمة موظف بتهمة التربح في القطامية ل 13 مايو    باكستان تؤكد للكويت استمرار الجهود الداعمة للسلام بالمنطقة    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    أطباء بنها الجامعي ينجحون في إجراء 3 عمليات بجراحات القلب والصدر    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    ليلة الوفاء، ميادة الحناوي تستعيد زمن الفن الجميل فوق خشبة موازين    بعد وقف إطلاق النار| ترامب يعلن انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإمام الأكبر: التجديد خاصة لازمة من خواص دين الإسلام
نشر في صوت البلد يوم 30 - 03 - 2017

أكد فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أن التجديد خاصة لازمة من خواص دين الإسلام، موضحًا أنه لابد من إعداد قائمة إحصائية بكبريات القضايا التي تطرح نفسها على السَّاحة الآن على أن تكون الأولوية للقضايا التي شكَّلت مبادئ اعتقادية عند جماعات التكفير والعنف والإرهاب المسلح، مثل قضايا الجهاد،الخلافة، التكفير، الولاء والبراء، تقسيم المعمورة وغيرها.
وقال فضيلته، في مقاله الأسبوعي بصحيفة "صوت الأزهر"، الذي جاء تحت عنوان "التجديد الذي ننتظره"، إن الاجتهاد في توضيح هذه المسائل يجب أن يكون اجتهادًا جماعيًّا وليس فرديًّا، مشيرا إلى أن الاجتهاد الفردي فات أوانه، ولَمْ يَعُد مُمْكِنًا الآن لتعدُّد الاختصاصات العلمية، وتشابك القضايا بين علوم عدة .
وأوضح فضيلة الإمام الأكبر أن التجديد الذي ننتظره ينبغي أن يسير في خطين متوازيين: خط ينطلق فيه من القرآن والسنة أولاً، وبشكل أساس، ثم مما يتناسب ومفاهيم العصر من كنوز التراث بعد ذلك ، وخط موازٍ ننفتح فيه على الآخرين بهدف استكشاف عناصر التقاء يمكن توظيفها في تشكيل إطار ثقافي عام يتصالح فيه الجميع، ويبحثون فيه معاً عن صيغة وسطى للتغلب على المرض المزمن الذي يستنزف طاقة أي تجديد واعد، ويقف لنجاحه بالمرصاد، والمتمثل في الانقسام التقليدي إزاء "التراث والحداثة" إلى: تيار متشبث بالتراث كما هو، وتيار متغرب يدير ظهره للتراث، ثم تيارٍ إصلاحي خافت الصوت لا يكاد يبين.
وذكر شيخ الأزهر أن هذا الاختلاف -في حد ذاته- أمر طبيعي وظاهرة مقبولة، لكنه ليس مقبولاً ولا طبيعيًّا أن يتحول الموقف كلُّه من مواجهة خارجية إلى صراع داخلي يترك الساحة خالية لفرسان أجانب يسحقون الجميع ، لافتًا إلى أن التيار الإصلاحي "الوَسَطي" هو المؤهل لحمل الأمانة، والجدير بمهمة "التجديد" الحقيقي، الذي تتطلع إليه الأمة، وهو -وحده- القادر على تجديد الدين بعيدًا عن إلغائه أو تشويهه، ولكن شريطة أن يتفادى الصراع الذي يستنزف طاقته من اليمين ومن اليسار.
وفيما يلي نص مقال فضيلة الإمام الأكبر :
التجديد الذي ننتظره
أ.د/ أحمد الطيب
شيخ الأزهر الشريف
إن موضوع «تجديد الفكر الديني» أو «تجديد الخطاب الديني» الذي يدور على ألسنة الكثير وأقلامهم في الآونة الأخيرة وعلى شاشات الفضاء وصفحات الجرائد، والذي يزداد غموضًا وإبهامًا والتباسًا من كثرة ما تناولته وسائل الإعلام، بغير إعداد علمي كاف لبيان مفهوم التجديد، وتحديد ما هو الخطاب الذي يُراد له التجديد، وهل صحيح أن ما سموه بالخطاب الديني كان هو وحده أصل الأزمات التي يُعاني منها العالم العربي أمنيًّا وسياسيًّا، وكذلك التحديات التي تقف عائقًا أمام نهضته وتقدمه.
ويكفي دليلًا على هذا التخبط في تناول تجديد الخطاب الديني أنك تسمع بعض الأصوات التي تنادي بإلغاء الخطاب الديني جملةً وتفصيلًا، وتراه جزءا من الأزمة أو تراه هو الأزمة نفسها، وليس حلًّا لها، وهؤلاء لا يفصحون عن مقتضى دعوتهم هذه ولازمها المنطقي، وهو تحويل مؤسسة الأزهر إلى متحف من متاحف التاريخ، بكل تجلياتها العلمية والروحية والثقافي، وعبر أكثر من عشرة قرون، وبعد أن بات الغرب والشرق يُقرَّان بأنها أقدم وأكبر جامعة على ظهر الأرض.
وفي المقابل تسمع أصواتًا تنبعث من العُدوة القصوى لا تفهم من تجديد الخطاب الديني إلَّا العودة فقط إلى ما كان عليه سالف الأمة وصالح المؤمنين في القرون الثلاثة الأولى، وهؤلاء أيضًا يحلمون باليوم الذي يضعون فيه أيديهم على مؤسسة الأزهر ويَجْمدون برسالته وعلومه ودعوته عند حدود التَّعبُّد بمذهب واحد واعتقاد معين وأشكال ورسوم يرونها الدين الذي لا دين غيره، وهؤلاء يهددون سماحة هذا الدين الحنيف وشريعته التي تأسست على التعددية واختلاف الرأي في حرية لا نعرف لها نظيرًا في الشرائع الأخرى، وهؤلاء لا يطيقون أن يتسع الأزهر في عصره الحديث لما اتسع له عبر عشرة قرون من إجماع واتفاق على الأصول وقواطع النصوص وكليات الدين، فإذا تجاوز النظر هذه الأصول والقواطع والكليات فبابُ الاختلاف وحرية الرأي والأخذ والرد بين العلماء مفتوح على مصراعيه، وبوحي من هذا المنهج التعددي اتسعت أروقة الأزهر وكلياته –ولازالت تتسع ليوم الناس هذا- لدراسة المذاهب الفقهية السُّنيَّة وغير السُّنيَّة دراسة علمية، لا انتقاص فيها من مذهب ولا إغضاء من شأنه أو شأن أئمته، وبنفس هذا المنظور الذي يتسع للرأي والرأي الآخر، بل الآراء الأخرى، درَّس الأزهر للدنيا كلها مذاهب علم الكلام والأصول، وكل علوم التراث النقلي والعقلي.
إن التجديد هو خاصة لازمة من خواص دين الإسلام، نبَّه عليها النبي ﷺ في قوله الشريف: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ، وهذا هو دليل النقل على وجوب التجديد في الدين، أما دليل العقل فهو أنَّنا إذا سَلَّمنا أن رسالة الإسلام رسالة عامَّة للنَّاس جميعًا، وأنها باقية وصالحة لكل زمان ومكان، وأن النُّصوص محدودة والحادثات لا محدودة.. فبالضَّرورة لا مفرَّ لك من إقرار فرضية التَّجديد آلة محتَّمة لاستكشاف حُكم الله في هذه الحوادث.
والتجديد الذي ننتظره ينبغي أن يسير في خطين متوازيين :
1. خط ينطلق فيه من القرآن والسنة أولاً، وبشكل أساس، ثم مما يتناسب ومفاهيم العصر من كنوز التراث بعد ذلك. وليس المطلوب -بطبيعة الحال- خطابًا شموليًا لا تتعدد فيه الآراء ولا وجهات النظر، فمثل هذا الخطاب لم يعرفه الإسلام في أي عصر من عصور الازدهار أو الضعف، وإنما المطلوب خطاب خال من "الصراع" ونفي الآخر واحتكار الحقيقة في مذهب، ومصادرتها عن مذهب آخر مماثل.
2. وخط موازٍ ننفتح فيه على الآخرين بهدف استكشاف عناصر التقاء يمكن توظيفها في تشكيل إطار ثقافي عام يتصالح فيه الجميع، ويبحثون فيه معاً عن صيغة وسطى للتغلب على المرض المزمن الذي يستنزف طاقة أي تجديد واعد، ويقف لنجاحه بالمرصاد، وأعنى به: الانقسام التقليدي إزاء "التراث والحداثة" إلى: تيار متشبث بالتراث كما هو، وتيار متغرب يدير ظهره للتراث، ثم تيارٍ إصلاحي خافت الصوت لا يكاد يبين.
وهذا الاختلاف -في حد ذاته- أمر طبيعي وظاهرة مقبولة، لكنه ليس مقبولاً ولا طبيعيًا أن يتحول الموقف كلُّه من مواجهة خارجية إلى صراع داخلي يترك الساحة خالية لفرسان أجانب يسحقون الجميع. وقد لاحظنا في تجارب القرن الماضي أن أصحاب التيار الأول كانوا يراهنون على أن "بالإمكان العيش في إطار التقليد الضيق، الموروث عن السلف، وإيصاد الأبواب في وجه أمواج الحضارة الغربية وثقافتها المتدفقة"غير أنهم ما لبثوا أن تراجعوا دون أن يهيئوا المجتمع لأن يتعامل مع المتغيرات العالمية بأسلوب مدروس، وكانت النتيجة أن أصبح المجتمع أعزل أمام ثقافة غربية مكتسحة، والشيء نفسه يمكن أن يقال على "المتغربين"، الذين أداروا ظهرهم للتراث، ولم يجدوا في الاستهزاء به والسخرية منه حرجاً ولا حياء، وأعلنوا مقاطعة التراث شرطاً لا مفر منه في حداثة التجديد والإصلاح. وكانت النتيجة أن أدارت الأمة ظهورها لهم، بعد ما تبينت أنهم لا يعبرون عن آلامها وآمالها، وأنهم يغردون وحدهم خارج السرب، هؤلاء خسروا المعركة أيضاً، ولم يحلوا مشكلة واحدة من مشكلات المجتمع، إن لم نقل: زادوا الأمور ظلاماً على ظلام.
أما التيار الإصلاحي "الوَسَطي" فإننا نحسبه التيار المؤهل لحمل الأمانة، والجدير بمهمة "التجديد" الحقيقي، الذي تتطلع إليه الأمة، وهو -وحده- القادر على تجديد الدين بعيداً عن إلغائه أو تشويهه، ولكن شريطة أن يتفادى الصراع الذي يستنزف طاقته من اليمين ومن اليسار.
هذا ولابد من إعداد قائمة إحصائية بكبريات القضايا التي تطرح نفسها على السَّاحة الآن. وأرى أن تكون الأولوية للقضايا التي شكَّلت مبادئ اعتقادية عند جماعات التكفير والعنف والإرهاب المسلح، وهي على سبيل المثال لا الحصر قضايا: الجهاد – الخلافة – التكفير – الولاء والبراء – تقسيم المعمورة وغيرها..
و أرى أن يكون الاجتهاد في توضيح هذه المسائل اجتهادًا جماعيًّا وليس فرديًّا، فالاجتهاد الفردي فات أوانه، ولَمْ يَعُد مُمْكِنًا الآن لتعدُّد الاختصاصات العلمية، وتشابك القضايا بين علوم عدة..
أكد فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أن التجديد خاصة لازمة من خواص دين الإسلام، موضحًا أنه لابد من إعداد قائمة إحصائية بكبريات القضايا التي تطرح نفسها على السَّاحة الآن على أن تكون الأولوية للقضايا التي شكَّلت مبادئ اعتقادية عند جماعات التكفير والعنف والإرهاب المسلح، مثل قضايا الجهاد،الخلافة، التكفير، الولاء والبراء، تقسيم المعمورة وغيرها.
وقال فضيلته، في مقاله الأسبوعي بصحيفة "صوت الأزهر"، الذي جاء تحت عنوان "التجديد الذي ننتظره"، إن الاجتهاد في توضيح هذه المسائل يجب أن يكون اجتهادًا جماعيًّا وليس فرديًّا، مشيرا إلى أن الاجتهاد الفردي فات أوانه، ولَمْ يَعُد مُمْكِنًا الآن لتعدُّد الاختصاصات العلمية، وتشابك القضايا بين علوم عدة .
وأوضح فضيلة الإمام الأكبر أن التجديد الذي ننتظره ينبغي أن يسير في خطين متوازيين: خط ينطلق فيه من القرآن والسنة أولاً، وبشكل أساس، ثم مما يتناسب ومفاهيم العصر من كنوز التراث بعد ذلك ، وخط موازٍ ننفتح فيه على الآخرين بهدف استكشاف عناصر التقاء يمكن توظيفها في تشكيل إطار ثقافي عام يتصالح فيه الجميع، ويبحثون فيه معاً عن صيغة وسطى للتغلب على المرض المزمن الذي يستنزف طاقة أي تجديد واعد، ويقف لنجاحه بالمرصاد، والمتمثل في الانقسام التقليدي إزاء "التراث والحداثة" إلى: تيار متشبث بالتراث كما هو، وتيار متغرب يدير ظهره للتراث، ثم تيارٍ إصلاحي خافت الصوت لا يكاد يبين.
وذكر شيخ الأزهر أن هذا الاختلاف -في حد ذاته- أمر طبيعي وظاهرة مقبولة، لكنه ليس مقبولاً ولا طبيعيًّا أن يتحول الموقف كلُّه من مواجهة خارجية إلى صراع داخلي يترك الساحة خالية لفرسان أجانب يسحقون الجميع ، لافتًا إلى أن التيار الإصلاحي "الوَسَطي" هو المؤهل لحمل الأمانة، والجدير بمهمة "التجديد" الحقيقي، الذي تتطلع إليه الأمة، وهو -وحده- القادر على تجديد الدين بعيدًا عن إلغائه أو تشويهه، ولكن شريطة أن يتفادى الصراع الذي يستنزف طاقته من اليمين ومن اليسار.
وفيما يلي نص مقال فضيلة الإمام الأكبر :
التجديد الذي ننتظره
أ.د/ أحمد الطيب
شيخ الأزهر الشريف
إن موضوع «تجديد الفكر الديني» أو «تجديد الخطاب الديني» الذي يدور على ألسنة الكثير وأقلامهم في الآونة الأخيرة وعلى شاشات الفضاء وصفحات الجرائد، والذي يزداد غموضًا وإبهامًا والتباسًا من كثرة ما تناولته وسائل الإعلام، بغير إعداد علمي كاف لبيان مفهوم التجديد، وتحديد ما هو الخطاب الذي يُراد له التجديد، وهل صحيح أن ما سموه بالخطاب الديني كان هو وحده أصل الأزمات التي يُعاني منها العالم العربي أمنيًّا وسياسيًّا، وكذلك التحديات التي تقف عائقًا أمام نهضته وتقدمه.
ويكفي دليلًا على هذا التخبط في تناول تجديد الخطاب الديني أنك تسمع بعض الأصوات التي تنادي بإلغاء الخطاب الديني جملةً وتفصيلًا، وتراه جزءا من الأزمة أو تراه هو الأزمة نفسها، وليس حلًّا لها، وهؤلاء لا يفصحون عن مقتضى دعوتهم هذه ولازمها المنطقي، وهو تحويل مؤسسة الأزهر إلى متحف من متاحف التاريخ، بكل تجلياتها العلمية والروحية والثقافي، وعبر أكثر من عشرة قرون، وبعد أن بات الغرب والشرق يُقرَّان بأنها أقدم وأكبر جامعة على ظهر الأرض.
وفي المقابل تسمع أصواتًا تنبعث من العُدوة القصوى لا تفهم من تجديد الخطاب الديني إلَّا العودة فقط إلى ما كان عليه سالف الأمة وصالح المؤمنين في القرون الثلاثة الأولى، وهؤلاء أيضًا يحلمون باليوم الذي يضعون فيه أيديهم على مؤسسة الأزهر ويَجْمدون برسالته وعلومه ودعوته عند حدود التَّعبُّد بمذهب واحد واعتقاد معين وأشكال ورسوم يرونها الدين الذي لا دين غيره، وهؤلاء يهددون سماحة هذا الدين الحنيف وشريعته التي تأسست على التعددية واختلاف الرأي في حرية لا نعرف لها نظيرًا في الشرائع الأخرى، وهؤلاء لا يطيقون أن يتسع الأزهر في عصره الحديث لما اتسع له عبر عشرة قرون من إجماع واتفاق على الأصول وقواطع النصوص وكليات الدين، فإذا تجاوز النظر هذه الأصول والقواطع والكليات فبابُ الاختلاف وحرية الرأي والأخذ والرد بين العلماء مفتوح على مصراعيه، وبوحي من هذا المنهج التعددي اتسعت أروقة الأزهر وكلياته –ولازالت تتسع ليوم الناس هذا- لدراسة المذاهب الفقهية السُّنيَّة وغير السُّنيَّة دراسة علمية، لا انتقاص فيها من مذهب ولا إغضاء من شأنه أو شأن أئمته، وبنفس هذا المنظور الذي يتسع للرأي والرأي الآخر، بل الآراء الأخرى، درَّس الأزهر للدنيا كلها مذاهب علم الكلام والأصول، وكل علوم التراث النقلي والعقلي.
إن التجديد هو خاصة لازمة من خواص دين الإسلام، نبَّه عليها النبي ﷺ في قوله الشريف: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ، وهذا هو دليل النقل على وجوب التجديد في الدين، أما دليل العقل فهو أنَّنا إذا سَلَّمنا أن رسالة الإسلام رسالة عامَّة للنَّاس جميعًا، وأنها باقية وصالحة لكل زمان ومكان، وأن النُّصوص محدودة والحادثات لا محدودة.. فبالضَّرورة لا مفرَّ لك من إقرار فرضية التَّجديد آلة محتَّمة لاستكشاف حُكم الله في هذه الحوادث.
والتجديد الذي ننتظره ينبغي أن يسير في خطين متوازيين :
1. خط ينطلق فيه من القرآن والسنة أولاً، وبشكل أساس، ثم مما يتناسب ومفاهيم العصر من كنوز التراث بعد ذلك. وليس المطلوب -بطبيعة الحال- خطابًا شموليًا لا تتعدد فيه الآراء ولا وجهات النظر، فمثل هذا الخطاب لم يعرفه الإسلام في أي عصر من عصور الازدهار أو الضعف، وإنما المطلوب خطاب خال من "الصراع" ونفي الآخر واحتكار الحقيقة في مذهب، ومصادرتها عن مذهب آخر مماثل.
2. وخط موازٍ ننفتح فيه على الآخرين بهدف استكشاف عناصر التقاء يمكن توظيفها في تشكيل إطار ثقافي عام يتصالح فيه الجميع، ويبحثون فيه معاً عن صيغة وسطى للتغلب على المرض المزمن الذي يستنزف طاقة أي تجديد واعد، ويقف لنجاحه بالمرصاد، وأعنى به: الانقسام التقليدي إزاء "التراث والحداثة" إلى: تيار متشبث بالتراث كما هو، وتيار متغرب يدير ظهره للتراث، ثم تيارٍ إصلاحي خافت الصوت لا يكاد يبين.
وهذا الاختلاف -في حد ذاته- أمر طبيعي وظاهرة مقبولة، لكنه ليس مقبولاً ولا طبيعيًا أن يتحول الموقف كلُّه من مواجهة خارجية إلى صراع داخلي يترك الساحة خالية لفرسان أجانب يسحقون الجميع. وقد لاحظنا في تجارب القرن الماضي أن أصحاب التيار الأول كانوا يراهنون على أن "بالإمكان العيش في إطار التقليد الضيق، الموروث عن السلف، وإيصاد الأبواب في وجه أمواج الحضارة الغربية وثقافتها المتدفقة"غير أنهم ما لبثوا أن تراجعوا دون أن يهيئوا المجتمع لأن يتعامل مع المتغيرات العالمية بأسلوب مدروس، وكانت النتيجة أن أصبح المجتمع أعزل أمام ثقافة غربية مكتسحة، والشيء نفسه يمكن أن يقال على "المتغربين"، الذين أداروا ظهرهم للتراث، ولم يجدوا في الاستهزاء به والسخرية منه حرجاً ولا حياء، وأعلنوا مقاطعة التراث شرطاً لا مفر منه في حداثة التجديد والإصلاح. وكانت النتيجة أن أدارت الأمة ظهورها لهم، بعد ما تبينت أنهم لا يعبرون عن آلامها وآمالها، وأنهم يغردون وحدهم خارج السرب، هؤلاء خسروا المعركة أيضاً، ولم يحلوا مشكلة واحدة من مشكلات المجتمع، إن لم نقل: زادوا الأمور ظلاماً على ظلام.
أما التيار الإصلاحي "الوَسَطي" فإننا نحسبه التيار المؤهل لحمل الأمانة، والجدير بمهمة "التجديد" الحقيقي، الذي تتطلع إليه الأمة، وهو -وحده- القادر على تجديد الدين بعيداً عن إلغائه أو تشويهه، ولكن شريطة أن يتفادى الصراع الذي يستنزف طاقته من اليمين ومن اليسار.
هذا ولابد من إعداد قائمة إحصائية بكبريات القضايا التي تطرح نفسها على السَّاحة الآن. وأرى أن تكون الأولوية للقضايا التي شكَّلت مبادئ اعتقادية عند جماعات التكفير والعنف والإرهاب المسلح، وهي على سبيل المثال لا الحصر قضايا: الجهاد – الخلافة – التكفير – الولاء والبراء – تقسيم المعمورة وغيرها..
و أرى أن يكون الاجتهاد في توضيح هذه المسائل اجتهادًا جماعيًّا وليس فرديًّا، فالاجتهاد الفردي فات أوانه، ولَمْ يَعُد مُمْكِنًا الآن لتعدُّد الاختصاصات العلمية، وتشابك القضايا بين علوم عدة..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.