رئيس جامعة قناة السويس يتابع امتحانات الفصل الدراسي الأول بكلية السياحة والفنادق    خطاب من رئيس الطائفة الإنجيلية لرئيس الوزراء بشأن توحيد إجازات الأعياد للمسيحيين    جولد بيليون: تراجع السيولة بالأسواق يدفع الذهب للهبوط في أولى جلسات 2026    وزير الزراعة يوجه بزيادة ضخ السلع الغذائية بمنافذ الوزارة بتخفيضات كبيرة    سعر الحديد اليوم السبت 3-1-2026 .. وفرة في المعروض    وكالة مهر: مقتل عنصر أمن بالرصاص في إيران    استشهاد طفلة فلسطينية برصاص الاحتلال الإسرائيلي في بيت لاهيا    عاجل- الإمارات تعرب عن قلقها البالغ إزاء التصعيد في اليمن وتدعو إلى التهدئة والحوار    تشكيل مباراة أستون فيلا ضد نوتينجهام فورست فى الدوري الإنجليزي    سبورت: تعاقد برشلونة مع حمزة عبد الكريم «استثمار في المستقبل»    حمزة الجمل: صالح سليم احترم رغبتي وساعدني في العودة للإسماعيلي    كاف يحدد ملعب مباراة الزمالك والمصري في الكونفدرالية    لمدة 21 يوما.. تحويلات مرورية لتوسعة اللوبات بتقاطع محور المشير طنطاوي مع الطريق الدائري بالقاهرة    ضبط قائد توك توك اعتدى بالضرب على شخص بعصا بسبب خلاف على الأجرة بأسيوط    الطقس غدا.. انخفاض جديد بالحرارة وصقيع والصغرى بالقاهرة 8 درجات    في 100 سنة غنا.. الحجار يتألق بألحان سيد مكاوي على المسرح الكبير    وائل جسار يحيى حفلا غنائيا فى مهرجان الفسطاط الشتوى.. الأربعاء المقبل    بيت الزكاة والصدقات يبدأ صرف إعانة شهر يناير 2026 للمستحقين بجميع المحافظات غدا    استثمارات ب 13.5 مليار جنيه لتطوير منشآت منظومة التأمين الصحي الشامل بالأقصر    هات كده حالة ورينى النظام.. مدبولى يستعرض منظومة المرضى بمجمع الأقصر الطبى    وكيل وزارة الصحة بأسيوط يتفقد 4 مستشفيات لمتابعة سير العمل وتوافر أدوية الطوارئ والمستلزمات الطبية    بتكلفة 11 مليون جنيه.. إنشاء 3 مساجد بالشرقية    «حميدة»: المعارض الأثرية الخارجية حققت أرقامًا قياسية في أعداد الزائرين    عيد هيكل يقدم أوراق ترشحه لانتخابات رئاسة حزب الوفد    بين سيطرة الشباب طوال العام ومحاولات عودة القطاع الخاص.. الشروق ترصد أهم الظواهر المسرحية في 2025    انتهاء تنفيذ إنشاءات 670 مشروعًا بالمرحلة الأولى من «حياة كريمة» بمحافظة الأقصر    تحرير 724 مخالفة للممتنعين عن تركيب الملصق الإلكتروني    دون اللجوء للقضاء.. «العمل» تعيد مستحقات عامل بإحدى الشركات    أنجيلينا جولى تزور مستشفى المحور للاطمئنان على مصابى غزة.. صور    وكيل صحة شمال سيناء: خدمة 63 ألف منتفعة بوحدات الرعاية الأولية والمستشفيات    ترامب: ضربنا فنزويلا وألقينا القبض على مادورو وزوجته    أسعار الفاكهة اليوم السبت 3-1-2026 في قنا    عودة مايكل جاكسون والأجزاء الجديدة من dune وSpider-Man.. أفلام مُنتظرة في 2026    موعد مباراة برشلونة وإسبانيول بالدوري الإسباني.. والقنوات الناقلة    هام من التعليم بشأن اشتراط المؤهل العالي لأولياء الأمور للتقديم بالمدارس الخاصة والدولية    لاعب غزل المحلة: علاء عبد العال ليس مدربا دفاعيا    "الهيئة الوطنية" تعقد مؤتمرًا صحفيًا لإطلاع الرأى العام على جولة الإعادة بالدوائر الملغاة    الاتصالات: ارتفاع عدد مستخدمي منصة مصر الرقمية إلى 10.7 مليون مستخدم في 2025    شركة إيطالية تبدأ إجراءات تصنيع قطار سياحي فاخر للتشغيل على خطوط السكك الحديدية    ثقافة الأقصر ينظم جولات ل110 فتاة من المحافظات الحدودية بمعبد الأقصر.. صور    ابن عم الدليفري قتيل المنيرة الغربية: دافع عن صديقيه ففقد حياته طعنا بالقلب    ما حكم تلقين الميت بعد دفنه؟.. الإفتاء توضح    تعرف على سعر الريال العماني في البنوك المصرية    في محكمة الأسرة.. حالات يجوز فيها رفع دعوى طلاق للضرر    التضامن: فتح باب التقديم لمسابقة الأم المثالية ل2026 غدًا.. اعرف الشروط    السيطرة على حريق محل ملابس أسفل عقار سكني في شبرا الخيمة    محاكمة 49 متهما بخلية الهيكل الإداري بالعمرانية.. اليوم    مواعيد مباريات اليوم السبت 3- 1- 2026 والقنوات الناقلة    رامي وحيد: ابتعدت عامين لأن الأدوار أقل من أحلامي    «الشبكة» من المهر وردها واجب عند «الفسخ»    كأس الأمم الأفريقية.. منتخب تونس يسعى لفك العقدة أمام مالي بدور ال16 اليوم    فلسطين.. آليات الاحتلال تطلق النار على مناطق جنوب قطاع غزة    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    مجدي الجلاد: مصر تعزل تحركات إسرائيل في الصومال عبر دبلوماسية ذكية    نائب محافظ كفر الشيخ يشهد ختام الدوري الرياضي لمراكز الشباب    لأول مرة.. توسيع للمريء باستخدام البالون لمسن بمستشفى كفر شكر بالقليوبية    ننشر مواقيت الصلاه اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    إيبارشية القاهرة الكلدانية تحتفل بعيد مار أنطونيوس الكبير    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فيلم «ذاكرة باللون الخاكي».. مرآة الزمن السوري
نشر في صوت البلد يوم 13 - 03 - 2017

يبدأ الفيلم لمخرجه السوري الفوز طنجور بطفل يرتدي الخاكي يلتقط بجسده المطر التي تتلون قطراته بالأحمر، ما أن تلامس البدلة العسكرية، ثم نسمع دوي رصاصة وتتوالى الأحداث وكأنها لوحة سينمائية ملونة بالخاكي والأحمر.
مع الخاكي نعود كسوريين إلى ذاكرتنا المدبوغة بالاستبداد العسكري، وإلى اللون الذي اختطف طفولتنا وجعلنا أبناء غير شرعيين للون الواحد والحزب الواحد.
أما الأحمر فهو نقيض الخاكي ورمز الانعتاق منه، ولطالما استحضره المخرج الفوز طنجور في أفلامه السابقة، فكان حاضراً في السيارة الحمراء في فيلم «شمس صغيرة»، وفي فيلم «نهاية بالون أحمر»، ليعاود الظهور مجدداً في فيلمه الحالي كرمز للثورة السورية مع البالون الأحمر والورود الحمراء التي حملها المتظاهرون السلميون، أو محاكياً الحرية في كنزة الطفل الذي يركض هارباً من السترة العسكرية المعلقة وكأنها «الذاكرة باللون الخاكي»، ذاكرة جيل القمع الأسدي. وكما يقول الراوي/المخرج طنجور في الفيلم: «في أوروبا بدأت الهروب إلى ذاكرتي، التي تركتها أمام البيت بصور هشة معطوبة بلون الخاكي». وفي مسار البحث عن ذاكرته تلك يجمع طنجور نتف الحكايات والآلام من ذاكرة الأصدقاء، وهم أربع شخصيات تظهر تباعاً في الفيلم وتتداخل حكاياتها، لنعثر كسوريين في نهاية الفيلم على ذاكرتنا أيضاً وهذه الشخصيات هي:
إبراهيم صموئيل (بين قسوة السجن وهوى الشام):
«أنا وإبراهيم والشام أصدقاء»… هكذا يعرف المخرج طنجور بصديقيه الكاتب «إبراهيم صموئيل» ومدينة «دمشق» المشتهاة والمكروهة في آن، حيث كان كتاب صموئيل «رائحة الخطو الثقيل» رفيق طنجور في رحلته لدراسة السينما في مولدافيا، وكأنه كان يحدس بأن سينماه ستتقاطع مع الكاتب ومدينته يوماً. يظهر إبراهيم في البداية في لقطة تعود إلى عام 2009 وهو يطل على دمشق، وحيث الحلم لم يكن يتعدى الماء والكهرباء بلا انقطاع، وعندما تعود الكاميرا إليه في عمان عام 2016 يبدو وقد هرم قليلاً بعد خمس سنوات على اندلاع الثورة وخروجه من دمشق، من غير أن تخرج المدينة من دمه المركب من حجارتها وياسمين بيوتها، بل حتى رائحة المازوت فيها، كما يقول. ومع ذلك لم تكن حكاية إبراهيم مع دمشق رومانسية دائماً، فإبراهيم أمضى جل عمره يحاول تلوين الحياة وتحريرها من سطوة الخاكي، ودفع بسبب ذلك سنوات من عمره في السجن، حيث لا تتجاوز المساحة المتاحة للمعتقل فيه مساحة البقرة في الحظيرة، كما يؤكد صموئيل في أحد مشاهد الفيلم. بعد الثورة انتهى إبراهيم منفياً، يحاول عبثاً تصفية دمه من روائح الياسمين والمازوت وتصفية روحه من عفونة السجن. تلتقطه الكاميرا وهو يحاول إزاحة الغشاوة عن النافذة التي يرى المدينة من خلالها، ولا سلاح في يديه إلا قلمه يشذبه وينظف فوهته ليكتب، كمن يقاوم ليعيش.
خالد الخاني (هل تمسح الألوان قهر حماة؟):
«خالد يرسم وكما العاصي يروي لحماة كي تنام»، هكذا يقدم طنجور التشكيلي خالد الخاني، الذي لم تتوقف عيناه عن رؤية المجزرة، منذ اقتلع النظام عينيّ والده الطبيب الحموي.. خالد هو الصرخة المكبوتة لمدينة حماة، التي كان مجرد التلفظ باسمها تهمة في ثمانينيات القرن الماضي. وخالد يرسم حتى يشفى من الألم، كما يتجسد في لقطة ذكية له وهو يغسل يديه بالماء، فيسيل الأحمر لا دماً بل ألواناً مائية، هي الألوان التي يحتاجها ليمحي زمن الخاكي، وكما يعترف في الفيلم: «الخاكي هو لون يغطي الأوساخ التي أصابتنا في زمنه، ونحتاج لكثير من الأبيض لنستطيع إزاحة كل هذا الاتساخ». في مشهد آخر نراه في الريف الفرنسي، وهو يتأمل الأخضر الواسع من خلف أسلاك شائكة، وكأنه مازال سجيناً في الماضي الخاكي، الذي كانت فيه الباصات تعود من دمشق إلى حماة محملة بالناجين من السجون، والأمهات ينتظرن على قارعة الطريق أسماء أولادهن، فالسجون السورية قادرة على تغيير الملامح والأصوات والروائح إلى الحد الذي تعجز فيه حتى الأمهات عن التعرف إلى أبنائهن.
«هو اللون الذي أبكى أمي وأبكى مدينة بكاملها»، بهذه الجملة يختصر خالد الخاكي، وزمنه الذي جعل أما محنية الظهر تركض من فرع أمن إلى آخر لتسأل عن ابنها.
وأمام جبروت الخاكي لا يمتلك خالد إلا الألوان والذاكرة، فالنسيان خيانة للضحية واستسلام للقتلة.
أماثل ياغي (الخالة وازدواج الهوية بين الهروب والتخفي):
«أماثل» هي خالة طنجور والجزء الذاتي من الفيلم، وهي أيضاً «ثناء» المعارضة السياسية التي اضطرت لتغيير اسمها، والتخفي هرباً من بطش النظام، هي حكاية امرأة عاشت أكثر من عشرين سنة بهوية مزدوجة، وهي حكاية طفل صغير يزور خالته ولا يعرف بأي أسمائها يخاطبها. وهو زمن ازدواج الهوية، حيث الجميع يعيشون بأقنعة خوفاً من بطش الخاكي، الذي يتسرب حتى إلى الدم، ويضيف إلى كرياته الحمراء والبيضاء كريات خاكية. اليوم تعيش «أماثل» في فنلندا ولا تتوقف عن النظر من نافذتها إلى الماضي وكأن سورية هناك على مرمى حجر من الذاكرة. تلتقطها الكاميرا وهي تفرط حبات الرمان الحمراء، الرمان تلك الفاكهة الأنثوية هي حصة أماثل من الأحمر ومن الحرية. أما الألم فلا ترجمة له، وكما تقول: «اللغة الصامتة تترسب في قاع النفس ألما».
شادي أبو فخر (ثلاثية السينما والثورة والمنفى):
بين شادي وطنجور سينما وثورة ومنفى.. شادي هو سينمائي شارك في المظاهرات السلمية منذ البداية واعتقل ثلاث مرات، وانتهى به المطاف في المنفى الفرنسي دون أن يمنعه هذا من التسلل سراً إلى سورية ومواصلة عمله في السينما. ورغم رفض شادي للسلاح والمآلات الأخيرة للثورة، لكنه مازال يؤمن بأحقيتها في محاربة الشمولية والديكتاتورية، ومازال يؤمن بأن التاريخ لن يعود إلى الوراء أبداً، فزمن الخاكي ولى إلى غير رجعة. تلتقط الكاميرا شادي أمام نافذته الباريسية وكأن النافذة قدر المنفى، والحيز الذي يسمح بالتلصص على الشارع والجيران وعلى الأوطان البعيدة أيضاً. وفي مشهد آخر نراه مستلقياً على الكنبة وهو يردد بضع كلمات فرنسية أثيرة لقلبه وكأنه بها يختصر علاقته بالوطن والمنفى: شباك، مدينة، صديق، حرية، ثورة، أنا ابكي.
الطفل ذو الكنزة الحمراء:
سيرة المخرج وجيله يبوح بها طنجور بصوته في الفيلم، وترافقها غالباً مشاهد لطفل يرتدي كنزة حمراء حيناً أو بدلة خاكية حيناً آخر، فنراه مثلاً مرتدياً الأحمر وهو يركض هارباً من السترة الخاكية المعلقة على حبل الغسيل وكأنه يهرب من سطوة العسكر، وفي مشهد آخر نراه يرتدي بدلة الفتوة الإعدادية وينظر بقلق إلى صورته في المرآة، وكأنه يعي خطورة تحوله من طفل إلى عسكري يطيع الأوامر. وكبقية شخصيات الفيلم يطل الطفل أيضاً من وراء نافذة بقضبان حديدية هذه المرة، وفي يده مذياع محاولاً تغيير برنامج «حكم العدالة» إلى أغاني فيروز الرومانسية، وكأنه يحاول الهروب من سجن الخاكي إلى عالم أكثر جمالا. ثم تتعقبه الكاميرا إلى سينما الزهراء المهدمة في مدينة السلمية، وكأنه ينبش الذاكرة الشخصية للمخرج طنجور وعلاقته بالسينما، وفي الخلفية يأتي صوت طنجور متذكراً: «في السلمية كنت أهرب إلى السينما والقراءة عندما أختنق». وفي مشهد آخر نراه يكتب وظائفه المدرسية ومن خلفه يدور فيلم «نوستالجيا»، وليس صدفة أن يكون الفيلم عن علاقة الإنسان بالوطن والحنين، وأن يكون لتاركوفسكي أحد المخرجين المفضلين لطنجور، فالطفل هو وسيلة المخرج المشروعة للعودة إلى طفولته وأحلامه في مدينة السلمية. وليس صدفة أيضاً أن تكون الكلمات التي يتعلمها طنجور بالألمانية هي كلمات شادي أبو فخر نفسها بالفرنسية: شباك، مدينة، حرية، أنا أبكي… الخ. فللمنفى لغته الواحدة وإن نطقتها ألسنة ولغات مختلفة.
النهاية:
عن السينما يقول طنجور أنها رغبته في البحث عن الحقيقة، وهو في فيلمه هذا يبدو كمن يبحث عن الحقيقة في داخله وفي محيط الأصدقاء، ليصل إلى حقيقة ما جرى ويجري في سورية اليوم. ويأخذنا الفيلم في نهايته إلى البحر، حيث انتهى الكثير من السوريين العابرين في قوارب الموت، ثم إلى مقبرة في اليونان تبرع بها أحد السوريين لدفن أجساد من لم يلتهمهم البحر، قبور بأسماء وأخرى بأرقام لبشر، كان لهم يوماً أهل وأصدقاء ووطن. ثم تعود بنا الكاميرا من جديد إلى الشاطئ، وهناك نشاهد أسماكاً معلقة ومعروضة ووراءها يرفرف علم الاتحاد الأوروبي، تماماُ كالمقتلة السورية المعروضة على الملأ أمام عدم المبالاة الدولية.
ينتهي الفيلم كما بدأ بالطفل راكضاً، ثم نسمع صوت رصاصة من دون أن نرى موت الطفل أو نجاته، وكأنها طلقة تحذير لما هو آتٍ إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، تماماً كما هو الفيلم مرآة وضعها المخرج أمام أعيننا، لنرى أنفسنا، علّنا نعثر على سبيل الخلاص من الخاكي.
...
٭ كاتبة سورية
يبدأ الفيلم لمخرجه السوري الفوز طنجور بطفل يرتدي الخاكي يلتقط بجسده المطر التي تتلون قطراته بالأحمر، ما أن تلامس البدلة العسكرية، ثم نسمع دوي رصاصة وتتوالى الأحداث وكأنها لوحة سينمائية ملونة بالخاكي والأحمر.
مع الخاكي نعود كسوريين إلى ذاكرتنا المدبوغة بالاستبداد العسكري، وإلى اللون الذي اختطف طفولتنا وجعلنا أبناء غير شرعيين للون الواحد والحزب الواحد.
أما الأحمر فهو نقيض الخاكي ورمز الانعتاق منه، ولطالما استحضره المخرج الفوز طنجور في أفلامه السابقة، فكان حاضراً في السيارة الحمراء في فيلم «شمس صغيرة»، وفي فيلم «نهاية بالون أحمر»، ليعاود الظهور مجدداً في فيلمه الحالي كرمز للثورة السورية مع البالون الأحمر والورود الحمراء التي حملها المتظاهرون السلميون، أو محاكياً الحرية في كنزة الطفل الذي يركض هارباً من السترة العسكرية المعلقة وكأنها «الذاكرة باللون الخاكي»، ذاكرة جيل القمع الأسدي. وكما يقول الراوي/المخرج طنجور في الفيلم: «في أوروبا بدأت الهروب إلى ذاكرتي، التي تركتها أمام البيت بصور هشة معطوبة بلون الخاكي». وفي مسار البحث عن ذاكرته تلك يجمع طنجور نتف الحكايات والآلام من ذاكرة الأصدقاء، وهم أربع شخصيات تظهر تباعاً في الفيلم وتتداخل حكاياتها، لنعثر كسوريين في نهاية الفيلم على ذاكرتنا أيضاً وهذه الشخصيات هي:
إبراهيم صموئيل (بين قسوة السجن وهوى الشام):
«أنا وإبراهيم والشام أصدقاء»… هكذا يعرف المخرج طنجور بصديقيه الكاتب «إبراهيم صموئيل» ومدينة «دمشق» المشتهاة والمكروهة في آن، حيث كان كتاب صموئيل «رائحة الخطو الثقيل» رفيق طنجور في رحلته لدراسة السينما في مولدافيا، وكأنه كان يحدس بأن سينماه ستتقاطع مع الكاتب ومدينته يوماً. يظهر إبراهيم في البداية في لقطة تعود إلى عام 2009 وهو يطل على دمشق، وحيث الحلم لم يكن يتعدى الماء والكهرباء بلا انقطاع، وعندما تعود الكاميرا إليه في عمان عام 2016 يبدو وقد هرم قليلاً بعد خمس سنوات على اندلاع الثورة وخروجه من دمشق، من غير أن تخرج المدينة من دمه المركب من حجارتها وياسمين بيوتها، بل حتى رائحة المازوت فيها، كما يقول. ومع ذلك لم تكن حكاية إبراهيم مع دمشق رومانسية دائماً، فإبراهيم أمضى جل عمره يحاول تلوين الحياة وتحريرها من سطوة الخاكي، ودفع بسبب ذلك سنوات من عمره في السجن، حيث لا تتجاوز المساحة المتاحة للمعتقل فيه مساحة البقرة في الحظيرة، كما يؤكد صموئيل في أحد مشاهد الفيلم. بعد الثورة انتهى إبراهيم منفياً، يحاول عبثاً تصفية دمه من روائح الياسمين والمازوت وتصفية روحه من عفونة السجن. تلتقطه الكاميرا وهو يحاول إزاحة الغشاوة عن النافذة التي يرى المدينة من خلالها، ولا سلاح في يديه إلا قلمه يشذبه وينظف فوهته ليكتب، كمن يقاوم ليعيش.
خالد الخاني (هل تمسح الألوان قهر حماة؟):
«خالد يرسم وكما العاصي يروي لحماة كي تنام»، هكذا يقدم طنجور التشكيلي خالد الخاني، الذي لم تتوقف عيناه عن رؤية المجزرة، منذ اقتلع النظام عينيّ والده الطبيب الحموي.. خالد هو الصرخة المكبوتة لمدينة حماة، التي كان مجرد التلفظ باسمها تهمة في ثمانينيات القرن الماضي. وخالد يرسم حتى يشفى من الألم، كما يتجسد في لقطة ذكية له وهو يغسل يديه بالماء، فيسيل الأحمر لا دماً بل ألواناً مائية، هي الألوان التي يحتاجها ليمحي زمن الخاكي، وكما يعترف في الفيلم: «الخاكي هو لون يغطي الأوساخ التي أصابتنا في زمنه، ونحتاج لكثير من الأبيض لنستطيع إزاحة كل هذا الاتساخ». في مشهد آخر نراه في الريف الفرنسي، وهو يتأمل الأخضر الواسع من خلف أسلاك شائكة، وكأنه مازال سجيناً في الماضي الخاكي، الذي كانت فيه الباصات تعود من دمشق إلى حماة محملة بالناجين من السجون، والأمهات ينتظرن على قارعة الطريق أسماء أولادهن، فالسجون السورية قادرة على تغيير الملامح والأصوات والروائح إلى الحد الذي تعجز فيه حتى الأمهات عن التعرف إلى أبنائهن.
«هو اللون الذي أبكى أمي وأبكى مدينة بكاملها»، بهذه الجملة يختصر خالد الخاكي، وزمنه الذي جعل أما محنية الظهر تركض من فرع أمن إلى آخر لتسأل عن ابنها.
وأمام جبروت الخاكي لا يمتلك خالد إلا الألوان والذاكرة، فالنسيان خيانة للضحية واستسلام للقتلة.
أماثل ياغي (الخالة وازدواج الهوية بين الهروب والتخفي):
«أماثل» هي خالة طنجور والجزء الذاتي من الفيلم، وهي أيضاً «ثناء» المعارضة السياسية التي اضطرت لتغيير اسمها، والتخفي هرباً من بطش النظام، هي حكاية امرأة عاشت أكثر من عشرين سنة بهوية مزدوجة، وهي حكاية طفل صغير يزور خالته ولا يعرف بأي أسمائها يخاطبها. وهو زمن ازدواج الهوية، حيث الجميع يعيشون بأقنعة خوفاً من بطش الخاكي، الذي يتسرب حتى إلى الدم، ويضيف إلى كرياته الحمراء والبيضاء كريات خاكية. اليوم تعيش «أماثل» في فنلندا ولا تتوقف عن النظر من نافذتها إلى الماضي وكأن سورية هناك على مرمى حجر من الذاكرة. تلتقطها الكاميرا وهي تفرط حبات الرمان الحمراء، الرمان تلك الفاكهة الأنثوية هي حصة أماثل من الأحمر ومن الحرية. أما الألم فلا ترجمة له، وكما تقول: «اللغة الصامتة تترسب في قاع النفس ألما».
شادي أبو فخر (ثلاثية السينما والثورة والمنفى):
بين شادي وطنجور سينما وثورة ومنفى.. شادي هو سينمائي شارك في المظاهرات السلمية منذ البداية واعتقل ثلاث مرات، وانتهى به المطاف في المنفى الفرنسي دون أن يمنعه هذا من التسلل سراً إلى سورية ومواصلة عمله في السينما. ورغم رفض شادي للسلاح والمآلات الأخيرة للثورة، لكنه مازال يؤمن بأحقيتها في محاربة الشمولية والديكتاتورية، ومازال يؤمن بأن التاريخ لن يعود إلى الوراء أبداً، فزمن الخاكي ولى إلى غير رجعة. تلتقط الكاميرا شادي أمام نافذته الباريسية وكأن النافذة قدر المنفى، والحيز الذي يسمح بالتلصص على الشارع والجيران وعلى الأوطان البعيدة أيضاً. وفي مشهد آخر نراه مستلقياً على الكنبة وهو يردد بضع كلمات فرنسية أثيرة لقلبه وكأنه بها يختصر علاقته بالوطن والمنفى: شباك، مدينة، صديق، حرية، ثورة، أنا ابكي.
الطفل ذو الكنزة الحمراء:
سيرة المخرج وجيله يبوح بها طنجور بصوته في الفيلم، وترافقها غالباً مشاهد لطفل يرتدي كنزة حمراء حيناً أو بدلة خاكية حيناً آخر، فنراه مثلاً مرتدياً الأحمر وهو يركض هارباً من السترة الخاكية المعلقة على حبل الغسيل وكأنه يهرب من سطوة العسكر، وفي مشهد آخر نراه يرتدي بدلة الفتوة الإعدادية وينظر بقلق إلى صورته في المرآة، وكأنه يعي خطورة تحوله من طفل إلى عسكري يطيع الأوامر. وكبقية شخصيات الفيلم يطل الطفل أيضاً من وراء نافذة بقضبان حديدية هذه المرة، وفي يده مذياع محاولاً تغيير برنامج «حكم العدالة» إلى أغاني فيروز الرومانسية، وكأنه يحاول الهروب من سجن الخاكي إلى عالم أكثر جمالا. ثم تتعقبه الكاميرا إلى سينما الزهراء المهدمة في مدينة السلمية، وكأنه ينبش الذاكرة الشخصية للمخرج طنجور وعلاقته بالسينما، وفي الخلفية يأتي صوت طنجور متذكراً: «في السلمية كنت أهرب إلى السينما والقراءة عندما أختنق». وفي مشهد آخر نراه يكتب وظائفه المدرسية ومن خلفه يدور فيلم «نوستالجيا»، وليس صدفة أن يكون الفيلم عن علاقة الإنسان بالوطن والحنين، وأن يكون لتاركوفسكي أحد المخرجين المفضلين لطنجور، فالطفل هو وسيلة المخرج المشروعة للعودة إلى طفولته وأحلامه في مدينة السلمية. وليس صدفة أيضاً أن تكون الكلمات التي يتعلمها طنجور بالألمانية هي كلمات شادي أبو فخر نفسها بالفرنسية: شباك، مدينة، حرية، أنا أبكي… الخ. فللمنفى لغته الواحدة وإن نطقتها ألسنة ولغات مختلفة.
النهاية:
عن السينما يقول طنجور أنها رغبته في البحث عن الحقيقة، وهو في فيلمه هذا يبدو كمن يبحث عن الحقيقة في داخله وفي محيط الأصدقاء، ليصل إلى حقيقة ما جرى ويجري في سورية اليوم. ويأخذنا الفيلم في نهايته إلى البحر، حيث انتهى الكثير من السوريين العابرين في قوارب الموت، ثم إلى مقبرة في اليونان تبرع بها أحد السوريين لدفن أجساد من لم يلتهمهم البحر، قبور بأسماء وأخرى بأرقام لبشر، كان لهم يوماً أهل وأصدقاء ووطن. ثم تعود بنا الكاميرا من جديد إلى الشاطئ، وهناك نشاهد أسماكاً معلقة ومعروضة ووراءها يرفرف علم الاتحاد الأوروبي، تماماُ كالمقتلة السورية المعروضة على الملأ أمام عدم المبالاة الدولية.
ينتهي الفيلم كما بدأ بالطفل راكضاً، ثم نسمع صوت رصاصة من دون أن نرى موت الطفل أو نجاته، وكأنها طلقة تحذير لما هو آتٍ إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، تماماً كما هو الفيلم مرآة وضعها المخرج أمام أعيننا، لنرى أنفسنا، علّنا نعثر على سبيل الخلاص من الخاكي.
...
٭ كاتبة سورية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.