المنشاوي يشارك اجتماع المجلس الأعلى للجامعات برئاسة وزير التعليم العالي بالعاصمة الجديدة    توطين صناعة النقل في مصر.. إنتاج 100 عربة بضائع متنوعة و1300 أتوبيس وتوفير أكثر من 867 مليون يورو    الوادي الجديد تستعين بتجربة جنوب سيناء لتطوير العمل المؤسسي    وزارة الداخلية تمد مبادرة "كلنا واحد" وتوسع المنافذ استعدادًا لعيد الأضحى    وزير التموين يصدر حركة تنقلات موسعة تشمل 35 وظيفة قيادية في 13 محافظة    إدارة ترامب تدرس 3 خيارات عسكرية ضد إيران    الجمود فى لبنان سينتهى عندما يتم الحسم فى إيران    من قلب الحرب.. أربعة دروس أربكت العالم    رجال يد الأهلي| عبد العزيز إيهاب: التتويج بكأس مصر يعبر عن شخصية الفريق    وزير الشباب يلتقي رئيس الاتحاد الافريقي للجودو لبحث التعاون المشترك ونشر الرياضة    مصرع نائب رئيس بنك مصر إثر انقلاب سيارته على الطريق الإقليمى    الداخلية تضبط صانعة محتوى لنشر فيديوهات خادشة للحياء بهدف الربح بالإسكندرية    الداخلية تضبط شبكة لاستغلال الأطفال في التسول بالجيزة    المخرج محمد فاضل ينفي شائعات تعرضه لوعكة صحية    البورصة وتلاميذ ثانية ثانوى    شيخ الأزهر خلال لقائه سفير عمان: مستعدون لاستقبال وتدريب أئمة السلطنة    رجال على قلب رجل واحد.. لحماية مصر    حسن رداد: تصديق الرئيس على قانون العمل الجديد حقق العدالة بين أطراف العملية الإنتاجية    ارتفاع الصادرات وترشيد الطاقة    رئيس وزراء فلسطين يبحث مع شبكة المنظمات الأهلية الأوضاع في غزة    تأجيل محاكمة المتهم بقتل مهندس كرموز في الإسكندرية ل24 مايو لفحص تقرير اللجنة الثلاثية    المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة: أكثر من مليونى شخص حياتهم مهددة فى لبنان    تحرك فوري لدرء خطورة مئذنة مسجد جوهر المعيني بالقاهرة    وزير الأوقاف يهنئ عمال مصر: «العمران ثلث الدين»    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : عم (على) " حكاية "!?    محافظ الدقهلية ومحافظ الشرقية يفتتحان مؤتمر الشرقية لأمراض الكلى بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    عبدالرحيم علي: الاقتصاد الإيراني يخضع لحصار بحري مضاعف منذ تصعيد 2025    الإسكندرية الدولى للفيلم القصير من فعالية فنية إلى ظاهرة ثقافية    طريقة عمل كبدة الفراخ لغداء سريع التحضير واقتصادي آخر الشهر    مصطفى الشهدي يجري جراحة الرباط الصليبي الاثنين المقبل    فيلم إذما يطرح إعلانه الرسمي    الطقس غدا.. ارتفاع جديد فى الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 31 درجة    «صناع الحاضر وبناة المستقبل».. السيسي يشاهد فيلم تسجيلي في حفل عيد العمال    خالد الجندى: اختيار الأفضل فى الطاعات واجب شرعى    منافس مصر - "سلوك غير مقبول".. الاتحاد الإيراني يعلن منع وفده من دخول كندا قبل اجتماع فيفا    بتهمة التزوير.. تأجيل محاكمة موظفى الشهر العقارى بالبحيرة لجلسة 23 يونيو    محافظ الشرقية يشهد فعاليات القافلة الطبية المجانية بمركز شباب بردين    البورصة تخسر 4 مليارات جنيه في ختام جلسة نهاية الشهر    ليفربول يطلق تصويتًا لاختيار أفضل 10 أهداف في مسيرة محمد صلاح قبل وداعه المرتقب    غذاء وأدوية.. الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة مساعدات جديدة إلى غزة    ضبط 8 أطنان دقيق في حملات مكثفة لمكافحة التلاعب بأسعار الخبز    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026.. الحسابات الفلكية تكشف التفاصيل الكاملة    مسابقة جديدة بالأزهر للتعاقد مع 8 آلاف معلم لغة عربية    «الأعلى للإعلام» يستدعي الممثل القانوني لموقع إخباري لنشره حوارا "مفبرك" ل ضياء رشوان    رئيس الوزراء يقرر منح الجنسية المصرية ل 48 شخصًا    أوبلاك يشيد بالحكم ولا يتخوف من مواجهة آرسنال في لندن    يسري نصر الله: أحب أن تكون شخصيات العمل الفني أذكى مني    تحت رعاية وزارة الثقافة.. ليلة رقص معاصر تنطلق ب" كتاب الموتى" | صور    رجال طائرة الأهلي يواجه الفتح الرباطي المغربي في ربع نهائي بطولة إفريقيا    الصحة: فحص 2.127 مليون طالب بالصف الأول الإعدادي للكشف المبكر عن فيروس سي    قرارات استراتيجية جديدة لمجلس إدارة هيئة الرعاية الصحية | تفاصيل    تزامنا مع عيد العمال.. الأوقاف: العمل والسعي طريق بناء الحضارات    انطلاق الجولة الثامنة من مجموعة الهبوط بالدوري الأحد.. وصراع مشتعل للهروب من القاع    وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    أميرة النشوقاتي: النساء العاديات مصدر الإلهام الحقيقي في «المقادير»    جيش الاحتلال: توقيف 21 سفينة من أصل 58 في الأسطول المتجه إلى غزة    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    يسرا ودينا الشربيني في العرض الخاص لفيلم The Devil Wears Prada 2.. صور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سعيد الوكيل ونزهات أخرى في غابة السرد
نشر في صوت البلد يوم 20 - 12 - 2016

يسعى هذا الكتاب "نزهات أخرى فى غابة السرد" للناقد د. سعيد الوكيل إلى الإفادة من مناهج علم السرد وعلم العلامات وتحليل الخطاب في كشف رؤى النصوص وطرائقها الدقيقة في التعبير والتأثير، ومن ثمّ يسعى إلى تدقيق مصطلحاته وأدواته، من غير إغراق في التعقيد والإغراب؛ ليتسنى لغير المختصين كذلك الاقتراب منه بمحبة تسمح بالتواصل والاكتشاف الممتع.
يتناول المؤلف في فصول كتابه الصادر أخيرا عن الدار المصرية اللبنانية عددا من الأعمال الروائية التي شكلت علامات مضيئة في تطور السرد الروائي المصري والعربي لعدد من الروائيين العرب من أقطار متنوعة ومن أجيال مختلفة، بدءًا من نجيب محفوظ وانتهاءً بخليل صويلح، مرورًا بإبراهيم الكوني وصنع الله إبراهيم ويحيى مختار وإبراهيم عبدالمجيد ومحمد البساطي.
وقد اختُص كل واحد منهم بفصل يتناول بعض رواياته، من خلال القراءة النقدية الفاحصة، كاشفًا عن الحبل السُرّي الواصل بين الأجيال المختلفة، مؤكدًا في الآن ذاته التنوع الخصب والتميز الإبداعي لكل منهم.
ولفت المؤلف إلى إن كل نص سردي يشمل عددًا غير قليل من الذوات التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات؛ أولها مستوى الملقي، فتكون هذه الذوات مؤلفة أو ساردة، وثانيها مستوى الرسالة فتكون هذه الذوات شخصيات، وثالثها مستوى التلقي فتقوم هذه الذوات بدور المتلقين. وهذا التصور البسيط طبيعي إذا اتفقنا مع بارت على أن العمل السردي - مثل الاتصال اللساني - يفترض "الأنا" و"الأنت" فيه كل منهما الآخر؛ إذ لا يتأتى له أن يكون من غير راوٍ ومن غير سامع أو قارئ.
والقضية ليست في استبطان دوافع السارد، ولا في استبطان الآثار التي ينتجها السرد في القارئ. إنها في وصف النظام الذي يكون فيه للراوي والقارئ معني على طول العمل السردي ذاته. فكل عمل سردي له مظهران؛ فهو قصة وخطاب في الوقت نفسه، بمعنى أنه يثير في الذهن واقعًا ما وأحداثًا قد تكون وقعت وشخصيات روائية قد تختلط بشخصيات الحياة الفعلية. وقد كان بالإمكان نقل تلك القصة ذاتها بوسائل أخرى، فتنقل بواسطة شريط سينمائي مثلًا، وكان بالإمكان التعرف عليها كمحكى شفوي لشاهد ما دون أن يتجسد في كتاب.
لكن العمل الأدبي خطاب في الوقت نفسه؛ فهناك سارد يحكي (يرسل) القصة لقارئ يدركها. وعلى هذا المستوى ليست الأحداث التي يتم نقلها هي التي تهم، إنما الكيفية التي أطلعنا السارد بها على تلك الأحداث. وهكذا تتعدد الذوات داخل العمل السردي، ولكنها تتداخل أيضًا مما يجعل خطوط التقاطع بين هذه الذوات أكبر من أن يحتويها هذا التصور الأولى البسيط.
في ضوء هذه الرؤية ومن خلال التصور النقدي الغربي أوضح المؤلف إمكانية أن نميز في عملية السرد عددًا من الذوات أولها المؤلف "المؤلف الواقعي"، ويقف في مقابله في دائرة التواصل "القارئ الواقعي"؛ فالمؤلف الواقعي أي المبدع الحقيقي للعمل الأدبي يوجه رسالة أدبية - بوصفه مرسلًا- إلى القارئ الواقعي الذي يعمل بوصفه مرسَلًا إليه/ متلقيًا. فالمؤلف الواقعي والقارئ الواقعي شخصان حقيقيان. إنهما لا ينتميان إذن إلى العمل الأدبي، بل إلى العالم الواقعي، حيث يعيشان بمعزل عن النص عيشة مستقلة.
ولكن إذا كان المؤلف الواقعي يمثل شخصًا ثابتًا ومحددًا في الفترة التاريخية لإبداعه الأدبي؛ فإن قراءه كمتلقين لعمله يتغيرون عبر التاريخ، وهذا ما قد يؤدي إلى أنماط من التلقي جدّ مختلفة، بل ومتضاربة أحيانًا لنفس العمل. وهكذا تكون العلاقة بين المؤلف والمتلقي علاقة جدلية؛ فعلى القارئ - من أجل فك رموز الرسالة الأدبية - أن يمتلك شفرة المؤلف الجمالية والأخلاقية والاجتماعية والإيديولوجية.. إلخ، لكن دون أن يفرض عليه ذلك أن يشاطره إيَّاها كليًّا؛ كما أن بإمكان المؤلف - حسب جمالية التلقي لجامعة كونسطانس - أن يُغَيِّر أفق انتظار القارئ، مثلما يمكن لهذا الأخير - بتلقيه الاستهجاني أو الاستحساني - أن يؤثر في الإنتاج الأدبي.
وأضاف: يمكننا بعد ذلك أن نميز في العمل السردي "المؤلف المجرد"، الذي يقف في مقابله في دائرة التواصل "القارئ المجرد"، فالمؤلف الواقعي - إذ يخلق عمله الأدبي - ينتج صورة أدبية مسقطة عن ذاته، أي أناه الثانية، أو أناه الروائية الثانية، أو مُؤلَّفًا ضمنيًّا، أو مؤلفًا مجردًا. وكذلك صورة قارئ ضمني أو قارئ مجرد.
وإذا كان المؤلف الواقعي والقارئ الواقعي يتمتعان بوجود مجاوز للنص؛ فإن المؤلف المجرد والقارئ المجرد ينتميان إلى العمل الأدبي، لكن دون أن يكونا مشخصين فيه مباشرة، لأنهما لا يعبران عن نفسيهما دائمًا بشكل مباشر أو صريح، لكنهما يتبديان من خلال مجمل تلقي العمل في ارتباطه بالرؤية الكلية للعالم خارج النص.
ولتجنب الالتباس مع المؤلف الواقعي ينبغي التأكيد على أن إيديولوجية العمل الأدبي هي إيديولوجية المؤلف المجرد، ثم التنبيه إلى أن الأقوال والأحكام لا يتلفظ بها المؤلف بل السارد. صحيح أن بإمكان السارد والأبطال أن يكونوا ناطقين بلسان المؤلف المجرد، لكن هذا لا ينفي أنهم هم الذين يعبرون عن الإيديولوجية.
تحت عنوان "أدوار السارد المنسية عند نجيب محفوظ قراءة استكشافية أخرى ل "زقاق المدق" رأى المؤلف أن السارد في "زقاق المدق" سارد عليم بكل شيء. هذا أمر مؤكد؛ لكن المؤكد أيضًا أنه لا يقول كل شيء. ليس بخلًا على القارئ ولا ضنًّا، بل إعمالًا لدور أساسي للسارد: ألا يقول: السارد هنا عليم، وإلَّا مَنْ ذا الذي يسعه أن يتتبع الرغبات السادية الكامنة في نفس "زيطة" صانع العاهات، وفورات جسد السيد سليم علوان، وتعبيرات السخرية التي تتأرجح داخل حنجرة أم حميدة وتكتمها إذ تحاور سنية عفيفي الأرملة الباحثة عن زواج بدون أن تبوح.
إعمال دور السارد في ألَّا يقول هو إحدى براعات نجيب محفوظ الجديرة بالتقصي. وهذا دور من الأدوار المنسية التي لا نكاد نلتفت إليها غالبًا عند قراءتنا لنجيب محفوظ وغيره من الروائيين.
وقال: برع السارد - في زقاق المدق - في أن يدمج خطابه بخطاب الشخصية، من خلال دمج السرد مع الخطاب الحر غير المباشر. لنتأمل سرده حالة السيد سليم علوان وهو يفكر في ميله نحو حميدة، وتقليبه أوجه التفكير في الزواج منها: "توقف عن العمل وجعل ينقر المكتب بسبابته متفكرًا. أجل هي مسكينة وفقيرة، ولكن الرغبة لا ترحم، وا أسفاه، والنفس أمّارة بالسوء مسكينة وفقيرة، ولكن وجهها البرونزي ونظرة عينيها وقدها الممشوق؛ كل أولئك مزايا تستهين حقًّا بفوارق الطبقات. وما جدوى المكابرة؟ إنه يهوى العينين الفاتنتين والوجه المليح، والجسم الذي يقطر إغراء، وهذه العجيزة الأنيقة التي تزري بورع الشيوخ. إنها أنفس من وارد الهند جميعًا. ولقد عرفها منذ كانت صبية صغيرة تتردد على الوكالة لابتياع ما تحتاجه أمها من الحناء ومواد المفتقة والمُغات. رأى ثدييها وهما نبقتان، ثم وهما دومتان، حتى استوتا رمانتين. وعاين عجيزتها وهي أساس أملس لم ينهض عليه بناء، ثم وهي تكَوُّر رقيق يتمطى به النضج، وأخيرا وهي كرة تنضح أناقة وأنوثة.
وراح الرجل يحضن إعجابه المترعرع حتى أفرخ في النهاية رغبة عارمة. إنه يعلم ذلك ولم يحاول إنكاره. ولطالما قال لنفسه: ليتها كانت أرملة كالست سنية عفيفي لو كانت أرملة لوجد لنفسه مخرجًا. أما وهي عذراء فينبغي أن يطيل التفكير في أمره. وتساءل كما اعتاد أن يتساءل: ماذا يروم؟ وذكر وهو لا يدري زوجه وأسرته".
وأضاف المؤلف "كانت زوجه امرأة فاضلة، تتحلى بكل ما يحب الرجل من أنوثة وأمومة وإخلاص ومهارة فائقة في شئون البيت، وكانت على شبابها مليحة ولودًا. فهو لا يأخذ عليها نقيصة واحدة، وفضلًا عن ذلك كله كانت من أسرة كريمة تتفوق عليه كثيرًا في الأصل والمحتد. وهو يقر بفضلها جميعًا، ويضمر لها ودًّا صادقًا، ولا يضايقه إلا أنها استوفت شبابها وحيويتها، فقصرت عن مجاراته، وعجزت عن احتماله، فبدا بالقياس إليها – وبسبب حيويته الخارقة- شابًّا نهما لا يجد فيها ما يشتهيه من متاع. والحق أنه لا يدري إن كان ذلك ما علقه بحميدة، أم أن هواه ما جعله يستشعر هذا الفراغ الأليم! ومهما يكن الأمر فقد أحس رغبة لا تقاوم إلى دم جديد، وقال لنفسه صراحة: "مالي أحرم على نفسي ما أحل الله لها" (زقاق المدق، 70 – 69).
إن الحوار الذي يدور في نفس السيد سليم علوان يقوم على إحساس بتقدير الذات، ومراعاة العقد الاجتماعي، ولا يرى في موقفه مخالفة حقيقية للشرع، فلا مجال للقول بأن "النفس أمارة بالسوء"، بل هذا حكم السارد. ومن ذا الذي يعرف بذلك التردد وتلك الحيرة في نفس سليم؟ إنه نفسه لا يدري الفارق بين السبب والنتيجة: هل العشق أشعره بفراغ حياته الزوجية؟ أم أن الأخير حفزه على العشق؟ هو لا يدري، لكن السارد يدري؛ هذا السارد الحريص الذي يترك قارئه معلقًا يتردد في مقام الحيرة ليقرر أيهما السبب وأيهما النتيجة. والسارد يحرص على أن يمنح القارئ مفاتيح ليستخلص خطاب الشخصية دون خطابه.
ففي المقتطف السابق مثلًا يعرف أن الحكم على مفاتن حميدة بأنها أنفس من وارد الهند جميعًا - وهو تاجر واردات الهند - لَهُو حكم لا يصدر إلا عن ذلك التاجر العارف بقدر البضائع التي تقع عليها عيناه".
يسعى هذا الكتاب "نزهات أخرى فى غابة السرد" للناقد د. سعيد الوكيل إلى الإفادة من مناهج علم السرد وعلم العلامات وتحليل الخطاب في كشف رؤى النصوص وطرائقها الدقيقة في التعبير والتأثير، ومن ثمّ يسعى إلى تدقيق مصطلحاته وأدواته، من غير إغراق في التعقيد والإغراب؛ ليتسنى لغير المختصين كذلك الاقتراب منه بمحبة تسمح بالتواصل والاكتشاف الممتع.
يتناول المؤلف في فصول كتابه الصادر أخيرا عن الدار المصرية اللبنانية عددا من الأعمال الروائية التي شكلت علامات مضيئة في تطور السرد الروائي المصري والعربي لعدد من الروائيين العرب من أقطار متنوعة ومن أجيال مختلفة، بدءًا من نجيب محفوظ وانتهاءً بخليل صويلح، مرورًا بإبراهيم الكوني وصنع الله إبراهيم ويحيى مختار وإبراهيم عبدالمجيد ومحمد البساطي.
وقد اختُص كل واحد منهم بفصل يتناول بعض رواياته، من خلال القراءة النقدية الفاحصة، كاشفًا عن الحبل السُرّي الواصل بين الأجيال المختلفة، مؤكدًا في الآن ذاته التنوع الخصب والتميز الإبداعي لكل منهم.
ولفت المؤلف إلى إن كل نص سردي يشمل عددًا غير قليل من الذوات التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات؛ أولها مستوى الملقي، فتكون هذه الذوات مؤلفة أو ساردة، وثانيها مستوى الرسالة فتكون هذه الذوات شخصيات، وثالثها مستوى التلقي فتقوم هذه الذوات بدور المتلقين. وهذا التصور البسيط طبيعي إذا اتفقنا مع بارت على أن العمل السردي - مثل الاتصال اللساني - يفترض "الأنا" و"الأنت" فيه كل منهما الآخر؛ إذ لا يتأتى له أن يكون من غير راوٍ ومن غير سامع أو قارئ.
والقضية ليست في استبطان دوافع السارد، ولا في استبطان الآثار التي ينتجها السرد في القارئ. إنها في وصف النظام الذي يكون فيه للراوي والقارئ معني على طول العمل السردي ذاته. فكل عمل سردي له مظهران؛ فهو قصة وخطاب في الوقت نفسه، بمعنى أنه يثير في الذهن واقعًا ما وأحداثًا قد تكون وقعت وشخصيات روائية قد تختلط بشخصيات الحياة الفعلية. وقد كان بالإمكان نقل تلك القصة ذاتها بوسائل أخرى، فتنقل بواسطة شريط سينمائي مثلًا، وكان بالإمكان التعرف عليها كمحكى شفوي لشاهد ما دون أن يتجسد في كتاب.
لكن العمل الأدبي خطاب في الوقت نفسه؛ فهناك سارد يحكي (يرسل) القصة لقارئ يدركها. وعلى هذا المستوى ليست الأحداث التي يتم نقلها هي التي تهم، إنما الكيفية التي أطلعنا السارد بها على تلك الأحداث. وهكذا تتعدد الذوات داخل العمل السردي، ولكنها تتداخل أيضًا مما يجعل خطوط التقاطع بين هذه الذوات أكبر من أن يحتويها هذا التصور الأولى البسيط.
في ضوء هذه الرؤية ومن خلال التصور النقدي الغربي أوضح المؤلف إمكانية أن نميز في عملية السرد عددًا من الذوات أولها المؤلف "المؤلف الواقعي"، ويقف في مقابله في دائرة التواصل "القارئ الواقعي"؛ فالمؤلف الواقعي أي المبدع الحقيقي للعمل الأدبي يوجه رسالة أدبية - بوصفه مرسلًا- إلى القارئ الواقعي الذي يعمل بوصفه مرسَلًا إليه/ متلقيًا. فالمؤلف الواقعي والقارئ الواقعي شخصان حقيقيان. إنهما لا ينتميان إذن إلى العمل الأدبي، بل إلى العالم الواقعي، حيث يعيشان بمعزل عن النص عيشة مستقلة.
ولكن إذا كان المؤلف الواقعي يمثل شخصًا ثابتًا ومحددًا في الفترة التاريخية لإبداعه الأدبي؛ فإن قراءه كمتلقين لعمله يتغيرون عبر التاريخ، وهذا ما قد يؤدي إلى أنماط من التلقي جدّ مختلفة، بل ومتضاربة أحيانًا لنفس العمل. وهكذا تكون العلاقة بين المؤلف والمتلقي علاقة جدلية؛ فعلى القارئ - من أجل فك رموز الرسالة الأدبية - أن يمتلك شفرة المؤلف الجمالية والأخلاقية والاجتماعية والإيديولوجية.. إلخ، لكن دون أن يفرض عليه ذلك أن يشاطره إيَّاها كليًّا؛ كما أن بإمكان المؤلف - حسب جمالية التلقي لجامعة كونسطانس - أن يُغَيِّر أفق انتظار القارئ، مثلما يمكن لهذا الأخير - بتلقيه الاستهجاني أو الاستحساني - أن يؤثر في الإنتاج الأدبي.
وأضاف: يمكننا بعد ذلك أن نميز في العمل السردي "المؤلف المجرد"، الذي يقف في مقابله في دائرة التواصل "القارئ المجرد"، فالمؤلف الواقعي - إذ يخلق عمله الأدبي - ينتج صورة أدبية مسقطة عن ذاته، أي أناه الثانية، أو أناه الروائية الثانية، أو مُؤلَّفًا ضمنيًّا، أو مؤلفًا مجردًا. وكذلك صورة قارئ ضمني أو قارئ مجرد.
وإذا كان المؤلف الواقعي والقارئ الواقعي يتمتعان بوجود مجاوز للنص؛ فإن المؤلف المجرد والقارئ المجرد ينتميان إلى العمل الأدبي، لكن دون أن يكونا مشخصين فيه مباشرة، لأنهما لا يعبران عن نفسيهما دائمًا بشكل مباشر أو صريح، لكنهما يتبديان من خلال مجمل تلقي العمل في ارتباطه بالرؤية الكلية للعالم خارج النص.
ولتجنب الالتباس مع المؤلف الواقعي ينبغي التأكيد على أن إيديولوجية العمل الأدبي هي إيديولوجية المؤلف المجرد، ثم التنبيه إلى أن الأقوال والأحكام لا يتلفظ بها المؤلف بل السارد. صحيح أن بإمكان السارد والأبطال أن يكونوا ناطقين بلسان المؤلف المجرد، لكن هذا لا ينفي أنهم هم الذين يعبرون عن الإيديولوجية.
تحت عنوان "أدوار السارد المنسية عند نجيب محفوظ قراءة استكشافية أخرى ل "زقاق المدق" رأى المؤلف أن السارد في "زقاق المدق" سارد عليم بكل شيء. هذا أمر مؤكد؛ لكن المؤكد أيضًا أنه لا يقول كل شيء. ليس بخلًا على القارئ ولا ضنًّا، بل إعمالًا لدور أساسي للسارد: ألا يقول: السارد هنا عليم، وإلَّا مَنْ ذا الذي يسعه أن يتتبع الرغبات السادية الكامنة في نفس "زيطة" صانع العاهات، وفورات جسد السيد سليم علوان، وتعبيرات السخرية التي تتأرجح داخل حنجرة أم حميدة وتكتمها إذ تحاور سنية عفيفي الأرملة الباحثة عن زواج بدون أن تبوح.
إعمال دور السارد في ألَّا يقول هو إحدى براعات نجيب محفوظ الجديرة بالتقصي. وهذا دور من الأدوار المنسية التي لا نكاد نلتفت إليها غالبًا عند قراءتنا لنجيب محفوظ وغيره من الروائيين.
وقال: برع السارد - في زقاق المدق - في أن يدمج خطابه بخطاب الشخصية، من خلال دمج السرد مع الخطاب الحر غير المباشر. لنتأمل سرده حالة السيد سليم علوان وهو يفكر في ميله نحو حميدة، وتقليبه أوجه التفكير في الزواج منها: "توقف عن العمل وجعل ينقر المكتب بسبابته متفكرًا. أجل هي مسكينة وفقيرة، ولكن الرغبة لا ترحم، وا أسفاه، والنفس أمّارة بالسوء مسكينة وفقيرة، ولكن وجهها البرونزي ونظرة عينيها وقدها الممشوق؛ كل أولئك مزايا تستهين حقًّا بفوارق الطبقات. وما جدوى المكابرة؟ إنه يهوى العينين الفاتنتين والوجه المليح، والجسم الذي يقطر إغراء، وهذه العجيزة الأنيقة التي تزري بورع الشيوخ. إنها أنفس من وارد الهند جميعًا. ولقد عرفها منذ كانت صبية صغيرة تتردد على الوكالة لابتياع ما تحتاجه أمها من الحناء ومواد المفتقة والمُغات. رأى ثدييها وهما نبقتان، ثم وهما دومتان، حتى استوتا رمانتين. وعاين عجيزتها وهي أساس أملس لم ينهض عليه بناء، ثم وهي تكَوُّر رقيق يتمطى به النضج، وأخيرا وهي كرة تنضح أناقة وأنوثة.
وراح الرجل يحضن إعجابه المترعرع حتى أفرخ في النهاية رغبة عارمة. إنه يعلم ذلك ولم يحاول إنكاره. ولطالما قال لنفسه: ليتها كانت أرملة كالست سنية عفيفي لو كانت أرملة لوجد لنفسه مخرجًا. أما وهي عذراء فينبغي أن يطيل التفكير في أمره. وتساءل كما اعتاد أن يتساءل: ماذا يروم؟ وذكر وهو لا يدري زوجه وأسرته".
وأضاف المؤلف "كانت زوجه امرأة فاضلة، تتحلى بكل ما يحب الرجل من أنوثة وأمومة وإخلاص ومهارة فائقة في شئون البيت، وكانت على شبابها مليحة ولودًا. فهو لا يأخذ عليها نقيصة واحدة، وفضلًا عن ذلك كله كانت من أسرة كريمة تتفوق عليه كثيرًا في الأصل والمحتد. وهو يقر بفضلها جميعًا، ويضمر لها ودًّا صادقًا، ولا يضايقه إلا أنها استوفت شبابها وحيويتها، فقصرت عن مجاراته، وعجزت عن احتماله، فبدا بالقياس إليها – وبسبب حيويته الخارقة- شابًّا نهما لا يجد فيها ما يشتهيه من متاع. والحق أنه لا يدري إن كان ذلك ما علقه بحميدة، أم أن هواه ما جعله يستشعر هذا الفراغ الأليم! ومهما يكن الأمر فقد أحس رغبة لا تقاوم إلى دم جديد، وقال لنفسه صراحة: "مالي أحرم على نفسي ما أحل الله لها" (زقاق المدق، 70 – 69).
إن الحوار الذي يدور في نفس السيد سليم علوان يقوم على إحساس بتقدير الذات، ومراعاة العقد الاجتماعي، ولا يرى في موقفه مخالفة حقيقية للشرع، فلا مجال للقول بأن "النفس أمارة بالسوء"، بل هذا حكم السارد. ومن ذا الذي يعرف بذلك التردد وتلك الحيرة في نفس سليم؟ إنه نفسه لا يدري الفارق بين السبب والنتيجة: هل العشق أشعره بفراغ حياته الزوجية؟ أم أن الأخير حفزه على العشق؟ هو لا يدري، لكن السارد يدري؛ هذا السارد الحريص الذي يترك قارئه معلقًا يتردد في مقام الحيرة ليقرر أيهما السبب وأيهما النتيجة. والسارد يحرص على أن يمنح القارئ مفاتيح ليستخلص خطاب الشخصية دون خطابه.
ففي المقتطف السابق مثلًا يعرف أن الحكم على مفاتن حميدة بأنها أنفس من وارد الهند جميعًا - وهو تاجر واردات الهند - لَهُو حكم لا يصدر إلا عن ذلك التاجر العارف بقدر البضائع التي تقع عليها عيناه".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.