ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة لأعلى مستوى منذ اندلاع حرب إيران    لبنان يندد بهجوم إسرائيلي على أفراد من الدفاع المدني بجنوب البلاد    بوتين يتهم أوكرانيا بتكثيف هجمات الطائرات المسيّرة على منشآت مدنية داخل روسيا    مصر تدخل أسواق الخليج لأول مرة بتصدير الدواجن المجمدة إلى قطر    ترامب: لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي والملك تشارلز يتفق معي أكثر مما أتفق أنا مع نفسي    تفاصيل حادث سير الإعلامية بسمة وهبة على محور 26 يوليو    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    أمريكا: اتهام مدير الFBI السابق جيمس كومي بنشر محتوى يُعد تهديدًا لترامب    خالد جاد الله: أزمة الأهلي هجومية وأتوقع فوزه على الزمالك في القمة    واقعة مثيرة للجدل في سويسرا.. أبرشية كاثوليكية ترفض حرمان مؤمنين قدموا القربان لكلابهم    تحذير عاجل من ظاهرة جوية تبدأ بعد ساعة وتستمر حتى الصباح    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    اليوم.. أولى جلسات محاكمة أحمد دومة في قضية نشر أخبار كاذبة    خروج بسمة وهبة من المستشفى بعد تعرضها لحادث سير ومصدر مقرب يكشف التفاصيل    طرح البوستر الرسمي لفيلم الكلام على إيه؟!    الخلوة الرقمية: وعي القيم وحماية الشباب في عالم الإنترنت    جامعة دمياط ترسخ القيم الدينية بوعي طلابي متجدد    ضبط 3200 عبوة شيكولاتة وحلاوة طحينية منتهية الصلاحية و4800 قطعة صابون بدون تواريخ إنتاج بالغربية    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    محافظ دمياط يتابع أعمال رصف شارع بورسعيد برأس البر وتطوير منطقة اللسان والفنار    فتح باب الانضمام إلى اتحاد العمال الوفديين    مختار جمعة: الذكاء الاصطناعي والعقل البشري وجهان للتطور المستمر    بين الأسرار والجريمة.. أحمد بهاء يفاجئ الجمهور بدور جديد في "الفرنساوي"    وزير الآثار الأسبق يكشف أسرار استرداد القطع المهربة    قافلة طب الأسنان بدمياط تخدم عشرات المواطنين وتؤكد تكامل الصحة والجامعة    ورشة تدريبية لتعزيز السلامة المهنية والإسعافات الأولية للصحفيين والإعلاميين    جراحة نادرة بطنطا لاستئصال ورم ضخم ومعقد بالوجه والرقبة لسيدة بلغ 20 سم    عادل عقل: الحكم والVAR يحرما باريس من ركلة جزاء أمام البارين    قبل 72 ساعة من انطلاق المباراة.. رسميا نفاد تذاكر مباراة القمة بين الزمالك والأهلي بالجولة الخامسة من مرحلة التتويج بلقب دوري نايل    مكتبة الإسكندرية تُطلق منهج "كتاب وشاشة" لتعليم الكبار    التعليم: الدراسة العملية لمنهج الثقافة المالية ستؤثر على قرارات الشباب الاقتصادية ونمط تفكيرهم    وفاة المحامي مختار نوح وتشييع الجنازة اليوم من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    أيمن يونس: الأهلي لا يؤتمن في القمة والزمالك لم يحسم الدوري    الحكم بإعدام شخصين قتلا جارهم لرفضه العمل معهم في البحيرة (فيديو)    جامعة العريش تستقبل وفد اتحاد الاتحادات النوعية الرياضية والشبابية لتعزيز الوعي والانتماء لدى الطلاب    جريمة منتصف الليل، الكشف عن تفصيل جديدة في سرقة محصول القمح بالشرقية    مدرب سيدات يد الأهلي: العمل الجماعي كلمة السر في التتويج بلقب الكأس    وفاة مختار نوح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة    ديمبيلي: باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ لا يترددان في تحقيق الفوز    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الدولة تمتلك أرصدة مطمئنة من السلع الاستراتيجية    فصل الكهرباء 3 ساعات بقرى قلين اليوم للصيانة.. اعرف المناطق المتأثرة    ثروت الخرباوي يكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة مختار نوح: نطق الشهادتين قبل وفاته    مصرع شخص إثر انهيار حفرة خلال التنقيب عن الآثار بشبين القناطر    «قرض ياباني ميسر».. رئيس الهيئة القومية للأنفاق يعرض تفاصيل مشروع الخط الرابع للمترو    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    ترامب يهاجم ميرتس ويصف موقفه من امتلاك إيران للسلاح النووي ب"الكارثة"    منتخب مصر ينعش خزينة اتحاد الكرة ب730 مليون جنيه في عهد التوأم    الملك تشارلز: النزاعات في أوروبا والشرق الأوسط تؤثر بكل أرجاء دولنا    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    استشاري تغذية: لا وجود لنظام "الطيبات" في المراجع الطبية.. ومصطلحاته بلا سند علمي    هيثم زكريا مديرا للتعليم الخاص والدولي وشعراوي لمجموعة مدارس 30 يونيو    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    اجتماع حزب الوعي لمناقشة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2026–2030    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشعراء والنقاد العرب هم القراء المخلصون للروايات
نشر في صوت البلد يوم 18 - 12 - 2016

لا تثير قراءة الروايات القارئ العادي فحسب، بل باتت على رأس قائمة قراءات المبدعين والكتاب على اختلاف مشاربهم وأنماطهم الكتابية من شعراء ونقاد ومسرحيين وغيرهم. يعود اهتمام المبدعين بالرواية الحديثة على ما باتت تكتسبه من ثراء سواء من حيث اللغة أو التقنيات السردية أو من قبيل الجماليات التي تقترحها في صياغتها أو حبكتها وبنائها لأحداثها وشخصياتها، علاوة على ما تقدمه من معلومات تشمل مختلف الحقول الإنسانية من تاريخ وعلوم وتفاصيل دقيقة، تقدمها في ثوب سردي سلس يصهر داخله كل العناصر بشكل تسهّل معه قراءتها والاستفادة منها.
تظل الذائقة الأدبية للقارئ الفاصل بين الأعمال السردية، ولهذا لا يمكن الاتفاق النهائي حول جودة العمل من عدمها، خاصة وأن الكثير من الكُتاب تنتهي علاقتهم بأعمالهم بمجرد خروجها للقارئ، رغم كل ما يقال بأن الكاتب يكتب والقارئ حاضر أثناء الكتابة.
هنا لسنا في مجال تقييم للأعمال الروائية التي تمت قراءتها عام 2016، من قبل شعراء وروائيين ونقاد وإنما وجهنا لهم سؤالنا باعتبارهم قراء، عن أهم قراءاتهم الروائية لهذا العام وأين تكمن أهميتها بالنسبة إليهم.
يقول الشاعر محمد المطرود “أميلُ في الكتابة إلى السرد، تحديداً الرواية، لديَّ قناعة رغم علاقتي مع القصيدة بأنَّ الرواية أكثر انفتاحاً وأوسع قدرة على استيعاب عوالم وحيوات الإنسانِ المهجوس بتشييد علاقة طيبة مع الكون، هذه الكونية قد تبتلع مسألة التجنيس، فأرى في الروي كلَّ ما أطمح إلى أن أراه، ثمَّ إن أحداثاً مهمة وتفاصيل أقل أهمية وأشخاصاً يتعايشون ويتصارعون ولهم بدء تاريخ ونهاية، لا يمكن تلمس حركتهم في أي جنس أدبي آخر.
وبهذا أكون أصبحت على مشارف أرض منبسطة في مكان ووعرة في مكان آخر، غير أنها مكشوفةٌ لي كقارئ يروم الوصول إلى فهم دقيق لجزء من حياة أناس ربما هم غرباء عني، وربّما لم أجدهم في متناول حياتي لأكونَ صورة ولو تقريبية عنهم، وهو ما تحققه لي الحياة الممكنة التي يوفرها الروي باستطرادهِ وتشعباته، ووفق هذا الكلام قد لا أبحثُ عن قضيةٍ بقدر ما أبحث عن معرفة بالشيء وعن تفاصيل هامشية ترسم لي في المحصلة صورة أقرب إلى التكامل”.
يشير المطرود إلى أنه في قراءته للرواية لا يغيّبُ القارئ ولا الناقد، بمعنى أنه ممن يبحثون عن الفنية وعن الغاية وكذلك عن الجانب المتعوي، علاوة على بحثه عن الاختلافات في الأمكنة والبيئات، وحتى إن كان لا يبحث عن صورة إثنوغرافية، مشهدية، فإنه يؤكد أنه يهمه النظر في ثقافات مختلفة.
يتابع الشاعر قائلا “قرأتُ رواية ‘انقطاعات الموت‘، لجوزيه ساراماغو، ووجدت تلك الحديةِ التصويرية لعالم محايث، يمكن أن تخلقه الرواية كاملاً، شيء أشبه بخيال علمي، لكنه خيال يقربك من الواقعي والوقائعي، وسترى فيه ما هو محلق وتهويمي أقرب إلى نفسك من حياة معيشة بلا رتوش. قرأت كذلك ‘ثلاثة جياد‘ لآري دي لوكا، وتعرفت على حقبة مفصلية في حياة شعب وحياة مفصلية في حياة عاشقين أو شبه عاشقين.
ولم تأت الرواية هنا بأحداث فاقعة، إنما بإشارات وشاعرية، غيّبت الأشخاص والحدث لصالحها، ليخرج القارئ منها بما عبأته فيها من فضاءات خالصة، تجعله على علاقة بالسماء أكثر من علاقته بالأرض موطن الروي. قرأتُ أيضا ‘منينة بلانشية‘، لمحمد ولد آمين، فتعرفت على الصحراء الموريتانية وما تبسطه القبائل من نفوذ، ورأيت المثاقفة الشفيفة بين الصحراء تلك وأواسط أوروبا، ووجدتُ اللعبة الروائية والخيط المتعوي الذي لا يأسر المتلقي بفكِّ العقد، بقدر ما يترك له الروَحان إلى المدى الأقصى في التلقي”.
نافذة مفتوحة
يواصل الشاعر حديثه عن سلسلة قراءاته حيث قرأ “أولاد الغيتو/ اسمي آدم”، لإلياس خوري، والتي يقرأ فيها خوري التشظي الهوياتي للشخصية الفلسطينية، ويستعيد من جديد المجازر وتبعاتها برضوضها النفسية والخلقية على إنسانِ اليوم. تأخذ هذه الرواية، كما يقول المطرود، أكثر من شكل وأكثر من مسار، فالبطل هنا باسمهِ الإحالي إلى بدءِ الخليقة المأهولة بأب البشر له دلالة على خلق جديد، وما البطل آدم دنون بتحولاتِ اسمه إلى دوال متعددة إلا إشارات إلى التشعب والتشظي والضياع الذي أفرزه الشتات. فحكاية آدم هي حكاية أمةٍ تتعرض للإبادة بالمجازر أو التهميش، وتأتي هذه الحكاية على لسان يقدمها بوصفها حقائق أقرب إلى التوثيق، والسارد الرئيس هنا مثقف، مقولته مفخخة رغم محاولة تبسيطها.
من جانبه يوضح المترجم راضي النماصي أن أجمل ما قرأ من الروايات لهذا العام بلا منازع رواية “طعم الذئب” للكويتي عبدالله البصيص، التي يقول عنها “رواية رائعة خلط فيها بين الموروث الشعبي والصحراء والفانتازيا عبر توليفة سردية بديعة للغاية، تستثمر اللغة وتمسك بيد الحكاية بينما تسير على الخيط الرفيع بين الإثارة والتأمل حول المصير واختيارات الإنسان له”.
بدوره يطرح شاعر المحكية سالم العالم أسماء عدة روايات قرأها مؤخرا ونالت إعجابه مثل “الفردوس على الضفة الأخرى”، لفارغاس يوسا، و”كافكا على الشاطئ”، لهاروكي ماروكي، و”ظل الريح”، لكارلوس زافون، و”الخلود” لميلان كونديرا، و”اللوح الأزرق” لجيلبرت سينويه، وغيرها من الروايات العالمية المترجمة إلى العربية.
يقول العالم “لا يمكن التحدث عن أهمية رواية بعينها دوناً عن باقي الروايات، فلا أعتقد أنه يمكن لرواية واحدة أن تغنيك عن قراءة باقي الروايات. في المجمل اعتبر الرواية نافذة مفتوحة على عوالم جديدة لا تتاح لنا أحيانا معرفتها من خلال ممارسات حياتنا اليومية، خاصة وأن الروايات الحديثة أصبحت روايات معرفية ومليئة بمعلومات عن أماكن وأشخاص وأحداث كثيرة يهمني أحيانا الاطلاع عليها، كما أنها تساعد كثيرا على فهم النفس البشرية وتحليلها إضافة إلى ما تقدمه من متعة وترفيه، وتفتح المدارك اللغوية، وبالنسبة إلي كشاعر فإنها تساعدني في إثارة المخيلة الشعرية وتزيد من رصيدي اللغوي. لذلك أعتبرها شخصيا منهلا مهما ومفيدا”.
بعيدا عن الكلاسيكية
يحدثنا الناقد إبراهيم الحجري عن الرواية التي شدت انتباهه هذا العام، يقول “الرواية التي أثارتني هذه السنة وأثرت في نفسي بشكل كبير، رواية خولة حمدي ‘في قلبي أنثى عبرية‘، بأسلوبها الشيق، وكيفية تدشين سحرها على المتلقي بأسلوب سلس ولغة رقراقة ميسرة يستطيع القراء من كل المستويات التفاعل معها دون أدنى جهد، واضعة إياه في قلب تفاصيل مثيرة ومؤثرة، إذ اتخذت من موضوع تأثير المعتقد على التفاعل الإنساني، وانسجام النسق الثقافي بين الأفراد، مادة لروايتها، وقادتنا بدربة سردية إلى قلب المتاهة الإنسانية التي يجعل البشر أنفسهم وسطها ومعهم أناس آخرون باختلاقهم أفهاما معينة للدين، وجعله عائقا أمام التعايش، حتى في الأسرة الواحدة”.
ويتابع ضيفنا قائلا “تتبعت الرواية مأزق الشخصيات نفسيا، وهي تواجه مصائر مأزومة بفعل اعتناقها ديانة مختلفة، وتصور الجحيم الذي يتقاذفها بفعل ذلك… رواية حقا تدمي القلب بتفاصيلها المذيبة للحديد. وقد نجحت في رسم صورة مأساة غياب التسامح بين الناس ومحاربة بعضهم بعضا بسبب مواقفهم ومبادئهم الشخصية التي لا تمس الآخرين أبدا وتعتبر في عداد الحريات الفردية التي لا دخل فيها للآخرين، هنا تتضح أكثر درامية كون الآخرين هم الجحيم بتعبير سارتر”.
الشاعر سامي سعد قرأ روايات كثيرة متنوعة، منها رواية “أفواه الزمن”، لإدوارد جاليانو، وتكمن أهميتها من وجهة نظره في أنها لا تتبع النمط الكلاسيكي للرواية، ويضيف “الرواية مرتبطة كجديلة بضفيرة واحدة، وهي الروح الإنسانية، في مختلف تجلياتها وأحوالها، تركز على إعلاء قيم البساطة والبسطاء في شتى أصقاع الأرض، وعلى دعم الفئات المنسية التي على هامش الأحداث والمجتمعات”.
استعادة المكان
ترى الناقدة فاطمة الحاجي أن من أجمل الروايات الليبية التي قرأتها رغم تعددها، رواية “زرايب العبيد” للروائية نجوى بن شتوان، وأضافت “تتميز الرواية بموضوعها الجديد، وهي تزيل الستار عن حياة طبقة تسميها ‘العبيد‘ تعيش في مدينة بنغازي في فترة زمنية بعيدة.
رغم أن الموضوع ليس مهما في الوقت الحالي لأن الزمن غير مفاهيمنا كليا حول موضوع الرقيق والعبيد وارتقى الإنسان في سلم إنسانيته من هذه الناحية فإن قدرة الكاتبة على تقديم آلام هذه الفئة ومعاناتها في قالب درامي مؤثر جعل منها رواية ممتعة ونحن نزيح ستار السنين لتظهر على المسرح شخصيات داستها أقدام الظلم، وهي تعيش في الأحياء النائية في زرايب وضيعة، والتفوق الطبقي الظالم. امتزجت الرواية بالخرافة والأغنية الشعبية والأمثال الشعبية مما أضفى الطابع المحلي على النص”.
وتتابع ضيفتنا قائلة “العنوان هو الكلية الدلالية أو الصورة الأساسية أو الصورة المتكاملة التي يستحضرها المتلقي أثناء التفاعل مع جمالية النص والتداخل معه، فالصورة العنوانية قد تندرج ضمن علاقات بلاغية قائمة على المشابهة أو المجاورة أو الرؤيا، فيتجاوز العنوان مجازيا دلالات الفضاء النصي في صورة رمزية؛ فهو ليس لافتة للدخول إلى النص فقط ولكنه رمز للبؤس والعبودية ‘ماتت الزرايب وعاشت فينا بشكل آخر‘.
وهي مكان متجدد من خلال حركة الشخصية التي تعود إلى مكان الزرايب الذي أزيل لتستعيده من خلال ذكرياتها. لقد استطاعت نجوى أن تختصر زمن الرواية في خلاصات كثفت المعنى وأوقفت الحكي في نقاط مهمة في سير الخطاب فخلقت إثارة لدى القارئ وتشويقا وهما سر إمتاع الرواية. لغة الرواية تتسم بالشعرية في مواطن وبالواقعية في مواطن أخرى وبجرأة على المسكوت عنه. رواية تستحق أكثر من قراءة لغرابة شخصياتها”.
لا تثير قراءة الروايات القارئ العادي فحسب، بل باتت على رأس قائمة قراءات المبدعين والكتاب على اختلاف مشاربهم وأنماطهم الكتابية من شعراء ونقاد ومسرحيين وغيرهم. يعود اهتمام المبدعين بالرواية الحديثة على ما باتت تكتسبه من ثراء سواء من حيث اللغة أو التقنيات السردية أو من قبيل الجماليات التي تقترحها في صياغتها أو حبكتها وبنائها لأحداثها وشخصياتها، علاوة على ما تقدمه من معلومات تشمل مختلف الحقول الإنسانية من تاريخ وعلوم وتفاصيل دقيقة، تقدمها في ثوب سردي سلس يصهر داخله كل العناصر بشكل تسهّل معه قراءتها والاستفادة منها.
تظل الذائقة الأدبية للقارئ الفاصل بين الأعمال السردية، ولهذا لا يمكن الاتفاق النهائي حول جودة العمل من عدمها، خاصة وأن الكثير من الكُتاب تنتهي علاقتهم بأعمالهم بمجرد خروجها للقارئ، رغم كل ما يقال بأن الكاتب يكتب والقارئ حاضر أثناء الكتابة.
هنا لسنا في مجال تقييم للأعمال الروائية التي تمت قراءتها عام 2016، من قبل شعراء وروائيين ونقاد وإنما وجهنا لهم سؤالنا باعتبارهم قراء، عن أهم قراءاتهم الروائية لهذا العام وأين تكمن أهميتها بالنسبة إليهم.
يقول الشاعر محمد المطرود “أميلُ في الكتابة إلى السرد، تحديداً الرواية، لديَّ قناعة رغم علاقتي مع القصيدة بأنَّ الرواية أكثر انفتاحاً وأوسع قدرة على استيعاب عوالم وحيوات الإنسانِ المهجوس بتشييد علاقة طيبة مع الكون، هذه الكونية قد تبتلع مسألة التجنيس، فأرى في الروي كلَّ ما أطمح إلى أن أراه، ثمَّ إن أحداثاً مهمة وتفاصيل أقل أهمية وأشخاصاً يتعايشون ويتصارعون ولهم بدء تاريخ ونهاية، لا يمكن تلمس حركتهم في أي جنس أدبي آخر.
وبهذا أكون أصبحت على مشارف أرض منبسطة في مكان ووعرة في مكان آخر، غير أنها مكشوفةٌ لي كقارئ يروم الوصول إلى فهم دقيق لجزء من حياة أناس ربما هم غرباء عني، وربّما لم أجدهم في متناول حياتي لأكونَ صورة ولو تقريبية عنهم، وهو ما تحققه لي الحياة الممكنة التي يوفرها الروي باستطرادهِ وتشعباته، ووفق هذا الكلام قد لا أبحثُ عن قضيةٍ بقدر ما أبحث عن معرفة بالشيء وعن تفاصيل هامشية ترسم لي في المحصلة صورة أقرب إلى التكامل”.
يشير المطرود إلى أنه في قراءته للرواية لا يغيّبُ القارئ ولا الناقد، بمعنى أنه ممن يبحثون عن الفنية وعن الغاية وكذلك عن الجانب المتعوي، علاوة على بحثه عن الاختلافات في الأمكنة والبيئات، وحتى إن كان لا يبحث عن صورة إثنوغرافية، مشهدية، فإنه يؤكد أنه يهمه النظر في ثقافات مختلفة.
يتابع الشاعر قائلا “قرأتُ رواية ‘انقطاعات الموت‘، لجوزيه ساراماغو، ووجدت تلك الحديةِ التصويرية لعالم محايث، يمكن أن تخلقه الرواية كاملاً، شيء أشبه بخيال علمي، لكنه خيال يقربك من الواقعي والوقائعي، وسترى فيه ما هو محلق وتهويمي أقرب إلى نفسك من حياة معيشة بلا رتوش. قرأت كذلك ‘ثلاثة جياد‘ لآري دي لوكا، وتعرفت على حقبة مفصلية في حياة شعب وحياة مفصلية في حياة عاشقين أو شبه عاشقين.
ولم تأت الرواية هنا بأحداث فاقعة، إنما بإشارات وشاعرية، غيّبت الأشخاص والحدث لصالحها، ليخرج القارئ منها بما عبأته فيها من فضاءات خالصة، تجعله على علاقة بالسماء أكثر من علاقته بالأرض موطن الروي. قرأتُ أيضا ‘منينة بلانشية‘، لمحمد ولد آمين، فتعرفت على الصحراء الموريتانية وما تبسطه القبائل من نفوذ، ورأيت المثاقفة الشفيفة بين الصحراء تلك وأواسط أوروبا، ووجدتُ اللعبة الروائية والخيط المتعوي الذي لا يأسر المتلقي بفكِّ العقد، بقدر ما يترك له الروَحان إلى المدى الأقصى في التلقي”.
نافذة مفتوحة
يواصل الشاعر حديثه عن سلسلة قراءاته حيث قرأ “أولاد الغيتو/ اسمي آدم”، لإلياس خوري، والتي يقرأ فيها خوري التشظي الهوياتي للشخصية الفلسطينية، ويستعيد من جديد المجازر وتبعاتها برضوضها النفسية والخلقية على إنسانِ اليوم. تأخذ هذه الرواية، كما يقول المطرود، أكثر من شكل وأكثر من مسار، فالبطل هنا باسمهِ الإحالي إلى بدءِ الخليقة المأهولة بأب البشر له دلالة على خلق جديد، وما البطل آدم دنون بتحولاتِ اسمه إلى دوال متعددة إلا إشارات إلى التشعب والتشظي والضياع الذي أفرزه الشتات. فحكاية آدم هي حكاية أمةٍ تتعرض للإبادة بالمجازر أو التهميش، وتأتي هذه الحكاية على لسان يقدمها بوصفها حقائق أقرب إلى التوثيق، والسارد الرئيس هنا مثقف، مقولته مفخخة رغم محاولة تبسيطها.
من جانبه يوضح المترجم راضي النماصي أن أجمل ما قرأ من الروايات لهذا العام بلا منازع رواية “طعم الذئب” للكويتي عبدالله البصيص، التي يقول عنها “رواية رائعة خلط فيها بين الموروث الشعبي والصحراء والفانتازيا عبر توليفة سردية بديعة للغاية، تستثمر اللغة وتمسك بيد الحكاية بينما تسير على الخيط الرفيع بين الإثارة والتأمل حول المصير واختيارات الإنسان له”.
بدوره يطرح شاعر المحكية سالم العالم أسماء عدة روايات قرأها مؤخرا ونالت إعجابه مثل “الفردوس على الضفة الأخرى”، لفارغاس يوسا، و”كافكا على الشاطئ”، لهاروكي ماروكي، و”ظل الريح”، لكارلوس زافون، و”الخلود” لميلان كونديرا، و”اللوح الأزرق” لجيلبرت سينويه، وغيرها من الروايات العالمية المترجمة إلى العربية.
يقول العالم “لا يمكن التحدث عن أهمية رواية بعينها دوناً عن باقي الروايات، فلا أعتقد أنه يمكن لرواية واحدة أن تغنيك عن قراءة باقي الروايات. في المجمل اعتبر الرواية نافذة مفتوحة على عوالم جديدة لا تتاح لنا أحيانا معرفتها من خلال ممارسات حياتنا اليومية، خاصة وأن الروايات الحديثة أصبحت روايات معرفية ومليئة بمعلومات عن أماكن وأشخاص وأحداث كثيرة يهمني أحيانا الاطلاع عليها، كما أنها تساعد كثيرا على فهم النفس البشرية وتحليلها إضافة إلى ما تقدمه من متعة وترفيه، وتفتح المدارك اللغوية، وبالنسبة إلي كشاعر فإنها تساعدني في إثارة المخيلة الشعرية وتزيد من رصيدي اللغوي. لذلك أعتبرها شخصيا منهلا مهما ومفيدا”.
بعيدا عن الكلاسيكية
يحدثنا الناقد إبراهيم الحجري عن الرواية التي شدت انتباهه هذا العام، يقول “الرواية التي أثارتني هذه السنة وأثرت في نفسي بشكل كبير، رواية خولة حمدي ‘في قلبي أنثى عبرية‘، بأسلوبها الشيق، وكيفية تدشين سحرها على المتلقي بأسلوب سلس ولغة رقراقة ميسرة يستطيع القراء من كل المستويات التفاعل معها دون أدنى جهد، واضعة إياه في قلب تفاصيل مثيرة ومؤثرة، إذ اتخذت من موضوع تأثير المعتقد على التفاعل الإنساني، وانسجام النسق الثقافي بين الأفراد، مادة لروايتها، وقادتنا بدربة سردية إلى قلب المتاهة الإنسانية التي يجعل البشر أنفسهم وسطها ومعهم أناس آخرون باختلاقهم أفهاما معينة للدين، وجعله عائقا أمام التعايش، حتى في الأسرة الواحدة”.
ويتابع ضيفنا قائلا “تتبعت الرواية مأزق الشخصيات نفسيا، وهي تواجه مصائر مأزومة بفعل اعتناقها ديانة مختلفة، وتصور الجحيم الذي يتقاذفها بفعل ذلك… رواية حقا تدمي القلب بتفاصيلها المذيبة للحديد. وقد نجحت في رسم صورة مأساة غياب التسامح بين الناس ومحاربة بعضهم بعضا بسبب مواقفهم ومبادئهم الشخصية التي لا تمس الآخرين أبدا وتعتبر في عداد الحريات الفردية التي لا دخل فيها للآخرين، هنا تتضح أكثر درامية كون الآخرين هم الجحيم بتعبير سارتر”.
الشاعر سامي سعد قرأ روايات كثيرة متنوعة، منها رواية “أفواه الزمن”، لإدوارد جاليانو، وتكمن أهميتها من وجهة نظره في أنها لا تتبع النمط الكلاسيكي للرواية، ويضيف “الرواية مرتبطة كجديلة بضفيرة واحدة، وهي الروح الإنسانية، في مختلف تجلياتها وأحوالها، تركز على إعلاء قيم البساطة والبسطاء في شتى أصقاع الأرض، وعلى دعم الفئات المنسية التي على هامش الأحداث والمجتمعات”.
استعادة المكان
ترى الناقدة فاطمة الحاجي أن من أجمل الروايات الليبية التي قرأتها رغم تعددها، رواية “زرايب العبيد” للروائية نجوى بن شتوان، وأضافت “تتميز الرواية بموضوعها الجديد، وهي تزيل الستار عن حياة طبقة تسميها ‘العبيد‘ تعيش في مدينة بنغازي في فترة زمنية بعيدة.
رغم أن الموضوع ليس مهما في الوقت الحالي لأن الزمن غير مفاهيمنا كليا حول موضوع الرقيق والعبيد وارتقى الإنسان في سلم إنسانيته من هذه الناحية فإن قدرة الكاتبة على تقديم آلام هذه الفئة ومعاناتها في قالب درامي مؤثر جعل منها رواية ممتعة ونحن نزيح ستار السنين لتظهر على المسرح شخصيات داستها أقدام الظلم، وهي تعيش في الأحياء النائية في زرايب وضيعة، والتفوق الطبقي الظالم. امتزجت الرواية بالخرافة والأغنية الشعبية والأمثال الشعبية مما أضفى الطابع المحلي على النص”.
وتتابع ضيفتنا قائلة “العنوان هو الكلية الدلالية أو الصورة الأساسية أو الصورة المتكاملة التي يستحضرها المتلقي أثناء التفاعل مع جمالية النص والتداخل معه، فالصورة العنوانية قد تندرج ضمن علاقات بلاغية قائمة على المشابهة أو المجاورة أو الرؤيا، فيتجاوز العنوان مجازيا دلالات الفضاء النصي في صورة رمزية؛ فهو ليس لافتة للدخول إلى النص فقط ولكنه رمز للبؤس والعبودية ‘ماتت الزرايب وعاشت فينا بشكل آخر‘.
وهي مكان متجدد من خلال حركة الشخصية التي تعود إلى مكان الزرايب الذي أزيل لتستعيده من خلال ذكرياتها. لقد استطاعت نجوى أن تختصر زمن الرواية في خلاصات كثفت المعنى وأوقفت الحكي في نقاط مهمة في سير الخطاب فخلقت إثارة لدى القارئ وتشويقا وهما سر إمتاع الرواية. لغة الرواية تتسم بالشعرية في مواطن وبالواقعية في مواطن أخرى وبجرأة على المسكوت عنه. رواية تستحق أكثر من قراءة لغرابة شخصياتها”.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.