في زمن تتكلم فيه البوارج أكثر مما تتكلم الدبلوماسية، ويرسم فيه المصير على فوهات الصواريخ لا على طاولات التفاوض، تعود المنطقة إلى حافة الهاوية، حيث تتقاطع المصالح الكبرى فوق جسد أنهكته الحروب. فالتصعيد "الصهيو-أمريكي" ضد إيران ليس حادثا عابرا، بل فصل جديد من رواية قديمة عنوانها؛من يملك الشرق الأوسط؟ هنا، لا يمكن فصل المشهد عن عقلية رجل مثل دونالد ترامب، الذي لا يرى في الأزمات سوى أوراق تفاوض، ولا في الحروب سوى صفقات مؤجلة. فالرجل الذي صعد إلى السلطة بشعار "أمريكا أولا"، لم يتردد في جعل العالم كله ساحة اختبار لهذه الأولوية، حتى لو كان الثمن إشعال بؤر التوتر في أكثر مناطق الأرض هشاشة. فمضيق هرمز.. حين يصبح الماء نارا عند مضيق هرمز، لا تمر السفن فقط، بل تمر أعصاب العالم بأسره. هناك، حيث تعبر خمس تجارة النفط العالمية، يتحول الممر البحري إلى شريان حياة، أو إلى خنجر إذا ما أغلق. أمريكا تدرك أن السيطرة على هذا الشريان تعني امتلاك القدرة على خنق الاقتصاد العالمي أو إنعاشه، بينما تدرك إيران أن مجرد التلويح بإغلاقه يكفي لرفع كلفة أي مواجهة إلى مستويات لا تحتمل. وهنا، يصبح هرمز ليس مجرد جغرافيا، بل معادلة ردع معقدة، عنوانها؛ "إذا اشتعلنا.. احترق العالم معنا". في المشهد الآخر، تقف أوروبا-صوت العقل الغائب- دول الاتحاد الأوروبي- كمن يرى العاصفة تقترب ولا يملك إلا الدعاء. تعارض التصعيد، تخشى نتائجه، لكنها في النهاية تسير خلف واشنطن بخطى مترددة. فأوروبا التي أنهكتها أزمات الطاقة، وتخشى موجات لجوء جديدة، تدرك أن أي حرب في الخليج لن تكون بعيدة عنها، لكنها في الوقت ذاته لا تملك رفاهية التمرد الكامل على القرار الأمريكي. وهكذا، يصبح موقفها أقرب إلى "الاعتراض الصامت" منه إلى الفعل الحقيقي. وفى المشهد الثالث؛ توجد المنطقة العربية.. ساحة مفتوحة لكل الاحتمالات أما العالم العربي، فيقف في قلب العاصفة، لا على هامشها. فكل شرارة بين الولاياتالمتحدةوإيران تتحول هنا إلى لهب؛أسعار طاقة ترتفع فتضغط على اقتصاديات هشة..صراعات بالوكالة تتمدد في الجغرافيا المنهكة..استقطابات طائفية تبعث من جديد كأنها لم تمت إنها ليست حربا تقليدية، بل حرب استنزاف طويلة، تدار بأدوات متعددة، من الاقتصاد إلى الإعلام، ومن الميليشيات إلى العقوبات. ومن خلال مقالى هذا وما يعنينى وطنى الحبيب ..مصر.. وأمام تلك المشاهد ؛ اجد الحذر واجب والوعي ضرورة..ففي قلب هذه المعادلة تقف مصر، تدرك بحكم موقعها وتاريخها أن الانخراط في مثل هذه الصراعات ليس خيارا، بل فخا. لكن الحياد لا يعني الأمان الكامل؛ أي اضطراب في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على الداخل أي تهديد للملاحة قد يطال قناة السويس، شريان الاقتصاد المصري أي فوضى إقليمية قد تعيد إنتاج دوائر عدم الاستقرار ومن هنا، يصبح الدور المصري مرهونا بميزان دقيق؛ التمسك بالاستقرار، والسعي للتهدئة، دون التفريط في المصالح الوطنية. وهنا نطرح السؤال؛إلى أين تمضي المنطقة؟ المشهد لا يسير نحو حرب شاملة بقدر ما ينزلق نحو حافة حرب دائمة؛ تصعيد محسوب لا يصل إلى الانفجار رسائل نارية دون مواجهة مباشرة استنزاف طويل يرهق الجميع دون حسم..لكن التاريخ يخبرنا أن الحروب الكبرى لم تبدأ غالبا بقرار، بل بخطأ في الحسابات. #فى_النهاية_بقى_أن_اقول ؛ في الشرق الأوسط، لا تشعل الحروب فقط لتخاض، بل لتستخدم.وما بين طموح الولاياتالمتحدة، وتحدي إيران، وقلق الاتحاد الأوروبي، تقف المنطقة على مفترق طرق خطير. والسؤال لم يعد؛ هل تندلع الحرب؟ بل؛ كم ستستمر لعبة النار قبل أن تحرق أصابع الجميع؟!!