الانتحار في مضيق هرمز نهاية عام 2024، وأثناء حملته الانتخابية، ألمح دونالد ترامب إلى استراتيجية «السيطرة على المضايق».. واليوم في مارس 2026، يبدو أن تلك التلميحات تحولت إلى واقع جيوسياسي متفجر، فبينما يرى الكثيرون أن الهدف من الحرب الجارية بالتعاون مع إسرائيل هو مجرد كسر «خطر الملالي» التوسعي وتأمين «تل أبيب»، إلا أن عين «رجل الصفقات» في البيت الأبيض لا تغفل عن مضيق هرمز في إيران؛ ذلك الممر الذي يتدفق عبره 20% من نفط العالم، ويمثل ل«ترامب» صفقة اقتصادية كبرى تفوق مجرد الحسابات العسكرية. إيران وذاكرة «شرطي المنطقة» والنفط البديل لا يمكن فهم المشهد الحالي دون العودة للوراء؛ ف«واشنطن» تدرك تمامًا «تهور» النظام الإيراني وقدرته على إغلاق مضيق هرمز - وهو النظام الذي نشأ تاريخيًا بمباركتها كشرطي للمنطقة وتلقى سلاحًا عبر إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي - ولأن الإدارة الأمريكية تحسب خطواتها، فقد أمنت جبهتها النفطية أولًا بعملية «كاركاس» التي وضعت النفط الفنزويلي في جيب الولاياتالمتحدة، ليكون صمام أمان يقلل الاعتماد على الاحتياطي الاستراتيجي في حال اشتعال الخليج. سقوط رأس إيران وبداية الانتحار في مضيق هرمز في 28 فبراير الماضي، استيقظ العالم على بيان يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، معلنًا بدء الهجوم الكاسح بمؤازرة أمريكية؛ ضربة البداية كانت «زلزالًا» سياسيًا، حيث استهدفت رأس النظام وأدت لمقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. رد الفعل الإيراني جاء «انتحاريًا» بامتياز؛ فبدلًا من التركيز على المعتدين، وجهت إيران صوارخها نحو الجيران -دول الخليج، الأردن، تركيا، وقبرص - وحتى دول الوساطة لم تسلم من النيران - عُمان - مما عزل النظام الشيعي تمامًا عن محيطه العربي والإقليمي؛ وبلغ التهور ذروته بإعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز، وهو القرار الذي خنق شريان الاقتصاد العالمي، ليرتفع الذهب والدولار، ويصبح النفط الخليجي «حبيس» القرار الإيراني. رهان الخليج ومعادلة تغيير النظام رغم الضرر الاقتصادي، ذهبت التحليلات إلى أن دول الخليج قد تتحمل كلفة الحرب في سبيل إنهاء خطر إيران للأبد، بينما كان الرئيس الأمريكي من جانبه كان واضحًا: «تغيير النظام هو الهدف»، بل وأشار لوجود أسماء جاهزة لقيادة إيران مستقبلًا. لكن بعد مرور أسبوعين، تبرز ملامح «الدولة العميقة» في أمريكا، التي توازن بين الرغبة في إنهاء الحرب بشروط «واشنطن»، وبين التخوف من الفوضى الشاملة وعمليات «الذئاب المنفردة» لنظام عقائدي؛ هذا التوازن يفسر سبب الإبقاء على رموز التيار «الإصلاحي» مثل رئيس إيران مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي، في محاولة لخلق «صوت عالي» يمكن التفاوض معه. اعتذار «بزشكيان» وصواريخ الحرس المشهد الإيراني يعيش حالة «انفصام» حادة؛ فبينما قدم «بزشكيان» اعتذارًا لدول الخليج عن استهدافها، كان الحرس الثوري يشن هجمات على نفس الدول في ذات اليوم؛ هذا التضارب يجسد الصراع بين تيار إصلاحي مهادن - أبقت عليه أمريكا - وتيار متشدد متمسك بالمواجهة. شروط «طهران» بين التعجيز والواقع الميداني وسط هذا الرماد، وضعت «طهران» شروطها - للهدنة، وهي الوقف الشامل للهجمات كشرط مسبق لأي حوار، وضمانات دولية صارمة تمنع تكرار «العدوان»، وتعويضات مالية عن الأضرار - شرط «بزشكيان» المفاجئ - وأخيرًا الاعتراف بالحقوق المشروعة وعلى رأسها الملف النووي. إلا أن هذه الشروط تصطدم بجدار الرفض الأمريكي، فإدارة «ترامب» تصر على الاستسلام أو التفكيك الكامل والإصرار الإسرائيلي على إضعاف إيران كليًا؛ ومع وصول برميل النفط ل 100 دولار بسبب إغلاق مضيق هرمز وتهديدات الحرس الثوري بحرب استنزاف طويلة، يبقى السؤال: هل تنجح مقامرة «ترامب» في إعادة صياغة خريطة المنطقة، أم أن «شريان العالم» سيظل ينزف حتى الانفجار الكبير؟.