في واقعة كاشفة، لا عن لاعب كرة فقط، بل عن منظومة كاملة، خرجت أزمة إمام عاشور من كونها تصرفا فرديا غير منضبط، إلى مرآة فاضحة لطريقة إدارة القيم في الرياضة المصرية، ولخطاب إعلامي مرتبك، انتهازي، يغير جلده أسرع من تغيير شريط الأخبار العاجلة. فلاعب يتخلف عن السفر مع بعثة ناديه إلى تنزانيا، يغلق هاتفه، ويترك جماهير ناديه في حيرة، وإدارة ناديه في ارتباك، ومؤسسة بحجم الأهلي في موقف لا يليق بتاريخها. حتى هذه اللحظة، نحن أمام خطأ مهني وانضباطي يستوجب المحاسبة.. لا أكثر ولا أقل.لكن ما حدث بعد ذلك، هو الكارثة الحقيقية. خرج الإعلام الرياضي، وبعض برامج التوك شو، لا ليحلل أو يستفسر أو ينتظر تحقيقا، بل ليشن محاكمات علنية، وتهديدات مبطنة، وخطابا أقرب للوعيد منه للنقد. إعلاميون نصبوا أنفسهم أوصياء على الأخلاق، وقضاة على النوايا، وسجانين باسم "مصلحة النادي"، وكأن اللاعب مجرم هارب لا موظف أخطأ. ثم.. فجأة..بيان من المركز الإعلامي للنادي الأهلي ..فحواه ..اعتذار اللاعب. انتهى المشهد. وهنا، وبلا خجل، وبلا اعتذار للجمهور، وبلا مراجعة للخطاب، خرج نفس الإعلام الذي لوح بالعقاب والتكسير، ليربت على كتف اللاعب، ويتحول من جلاد إلى حاضنة نفسية، وكأن شيئا لم يكن.. وكأن كلمات الأمس لم تقل، وكأن التهديد لم يبث على الهواء. هذا ليس إعلاما.. هذا تلاعب بالعقول. أما الأخطر، فهو ما يخص النادي العريق نفسه. الأهلي، الذي بنى تاريخه على الانضباط والمؤسسية، بات في مثل هذه الوقائع يتعامل بمنطق خطير..الغاية تبرر الوسيلة..فطالما اللاعب مهم فنيا؟ طالما سيفيد الفريق؟إذن تُخدر المبادئ، ويدار الملف بهدوء، وتغلق القصة ببيان "اعتذار"، دون أن يرى الشارع الرياضي عدالة واضحة أو رسالة تربوية حقيقية. وهنا نسأل؛أين الفارق بين نادي يربي، وناد يدير مواهب فقط؟وأين النموذج الذي يقدم لجيل كامل يرى أن الخطأ يغتفر إذا كنت نجما؟ أما الإعلام الرياضي، فحدث ولا حرج. إعلام خرج عن رسالته، وترك المهنية، واستبدل التحليل بالتحريض، والرسالة بالهتاف، والتنوير بإشعال المدرجات من خلف الشاشات..إعلام يخرج جيلا قائما على التعصب، لا الفهم.. على الصراخ، لا الوعي.. على الولاء الأعمى، لا النقد المسؤول. وهنا تصبح الوقفة واجبا، لا ترفا.وقفة من الهيئة الوطنية للإعلام،ووقفة حقيقية من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام،لضبط الخطاب الإعلامي الرياضي الذي انفلت، وتحول من خدمة الرياضة إلى تشويهها. فالرياضة رسالة قبل أن تكون نتيجة. والإعلام مسؤولية قبل أن يكون "تريند". والمبادئ إن لم تطبق وقت الأزمات، فهي شعارات معلقة على الجدران.. لا أكثر. #يا_سادة؛أزمة إمام عاشور لن تكون الأخيرة،لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة لمراجعة أنفسنا،قبل أن نكتشف أننا نربي أبطال ملاعب بلا ضمير.. وجمهورا يهتف كثيرا، ويفهم قليلا..!!