ارتفاع نسب الغياب بمدارس بني سويف في رمضان والمحافظ يتخذ إجراءات صارمة    تعرف على أسعار تذاكر مباريات مصر في مهرجان قطر استعدادا للمونديال    جيش الاحتلال: مقاتلات حربية أمريكية بما فيها F22 هبطت بإسرائيل    عمر مرموش على رادار برشلونة في انتقالات الصيف المقبل    الأمن يكشف تفاصيل فيديو تعدي عامل على جاره بسلاح أبيض في مطروح    "إفراج"الحلقة 7، لقاء أول بين عباس الريس وعوف ومفاجأة مدوية تقلب الأحداث    أسباب الإمساك لدى النساء في رمضان وطرق الوقاية    حكومة لبنان تحث حزب الله على عدم التدخل في حال ضربت أمريكا إيران    جيهان زكي: استعادة الدور الريادي ل600 قصر ثقافة على مستوى الجمهورية    جريمة غامضة تهز عائلة الراعي في الحلقة السابعة من أولاد الراعي    شبورة كثيفة، الأرصاد تعلن حالة الطقس غدا الأربعاء    جمال شعبان يحذر: السهر يقلل العمر ويُصيب بالأزمات القلبية    ماجد المصري يكشف أسراره في «رامز ليفل الوحش»    مائدة الخير بالأزهر.. 10 آلاف وجبة يومية من بيت الزكاة للطلاب الوافدين    رئيس محكمة النقض يشهد توقيع بروتوكول لإطلاق منظومة إلكترونية مؤمنة لتداول الطعون بالنقض    محافظ أسيوط يستقبل مساعد وزير الداخلية لمنطقة وسط الصعيد لتقديم التهنئة    المفتي: العقيدة جوهر الدين.. والتشريع سياج لحماية الضرورات الخمس    نيوزيلندا تدعم استبعاد الأمير أندرو من ترتيب ولاية العرش البريطاني    رئيسة القومي للمرأة: دعم السيدة انتصار السيسي يعزز مسار تمكين سيدات مصر    أوربان يؤكد معارضته لتقديم مساعدات من الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا بسبب النزاع حول خط أنابيب النفط    الأقصر تشهد إطلاق فعاليات مبادرة أبواب الخير لدعم الأسر الأولى بالرعاية    محافظ بنى سويف يعقد اجتماعًا بأعضاء اللجنة التنسيقية لمنظومة التصالح    عالم أزهري: الإمام الحسن البصري نموذج الربانية والورع في زمن الفتن    وزير الشباب والرياضة يلتقي لجنة اللاعبين باللجنة الأولمبية المصرية    قصر السينما يعرض 24 فيلما مجانيا ضمن احتفالات "ليالي رمضان"    رئيس الوزراء العراقي يؤكد موقف بلاده الثابت في دعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة    تأكد غياب ديمبيلي وفابيان رويز أمام موناكو    اسماء ضحايا ومصابين حادث انقلاب ميكروباص إثر انقلاب بترعة الإبراهيمية بالمنيا    فضل الدعاء في اليوم السادس من رمضان    جمال العدل: لو كان صالح سليم موجودًا لَأعاد زيزو إلى الزمالك    يسرا تشيد بنيللي كريم في «على قد الحب»: مبدعة وقوية    "العدل" يعلن خارطة الطريق لانتخاباته الداخلية.. بدء الترشح 2 مارس والمؤتمر العام 22 مايو    طريقة عمل كفتة الأرز، لذيذة على سفرة رمضان    أحمد رستم: مبادرة "إرادة" تلعب دوراً محورياً في تنقية التشريعات الاقتصادية    فرن بلدي يتسبب في حريق منزل بأوسيم والحماية المدنية تتدخل    موعد الإفطار في اليوم السادس من شهر رمضان 2026    وزير الدفاع: القوات المسلحة والشرطة هما درعا الوطن والعيون الساهرة على أمنه| فيديو    بلدية غزة تطالب المجتمع الدولى بالضغط على إسرائيل لفتح كافة المعابر    ارتفاع حصيلة انقلاب ميكروباص بترعة الإبراهيمية في ملوي إلى 4 وفيات و3 مصابين    أسامة علام ينشد الابتهالات النبوية فى باب الرجاء    كشف ملابسات منشور حول تجزئة الأجرة بسيارة بلوحات سليمة بالشرقية    رئيس الوزراء يتابع تطوير ورفع كفاءة الطريق الدائرى وصيانة كوبرى 6 أكتوبر    هيئة الاستثمار تتابع إجراءات تأسيس مشروع لإنتاج الفوسفات عالي التركيز باستثمارات 40 مليون دولار في المنطقة الحرة بقفط    الاحتلال الإسرائيلى يستهدف مواقع متفرقة فى غزة.. قصف مدفعى عنيف على بيت لاهيا ورفح الفلسطينية.. حماس تتهم إسرائيل بعدم الإلتزام باتفاق وقف إطلاق النار.. مصر تدفع بالقافلة ال 145 من المساعدات إلى القطاع    مستشار "الاتصالات" يكشف ملامح قانون حماية الاطفال من مخاطر التواصل الاجتماعي    تموين المنيا: ضبط 121 ألف قطعة ألعاب نارية وسلع مجهولة المصدر    المؤبد لصاحب محل نظارات زرع نبات القنب فى منزله بالإسكندرية    حازم إيهاب يشوق الجمهور ل"الست موناليزا": انتظروا المفاجآت    رئيس هيئة الرعاية الصحية: نمضي بخُطى ثابتة لتعزيز الرعاية التخصصية وثقة المواطن بخدمات الرعاية الصحية الحكومية    ما حكم الإفطار على التدخين في نهار رمضان وهل يبطل الصوم؟ الإفتاء توضح    السياحة تشارك في المعرض الدولي Ferie For Alle بالدنمارك    رئيس جامعة الدلتا التكنولوجية يهنئ وزير التعليم العالي والبحث العلمى بمكتبه بتوليه المنصب    محافظ بورسعيد يتابع رفع المخلفات من الضواحي عبر الشبكة الوطنية للطوارئ    ريال مدريد يضع مدافع توتنهام على راداره الصيفي    منتخب السعودية يستعد لمواجهة مصر بمعسكر أسباير    الزمالك في مواجهة خارج التوقعات أمام زد بحثا عن صدارة الدوري    في ذكرى الحرب.. بريطانيا تفرض عقوبات على 5 بنوك روسية    سموحة: قدمنا مباراة جيدة أمام الأهلي.. والأحمر يستطيع الفوز في أسوأ حالاته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السيد يسين يكتب : المركزيات الثقافية بين النسق المغلق والآفاق المفتوحة
نشر في الوفد يوم 22 - 02 - 2015

تقوم المركزيات الثقافية كالمركزية الأوروبية والمركزية الإسلامية على اتجاه فكري مزدوج يتمثل في النظرة إلى الذات والنظرة إلى الغير.
وعادة ما تميل أي مركزية ثقافية إلى إعلاء النظرة إلى الذات من ناحية، والنظرة الدونية الى الآخر من ناحية أخرى.
ولذلك تميل المركزية الأوروبية - كأي مركزية - إلى تضخيم الذات باعتبار الحضارة الأوروبية أسمى من الحضارات الأخرى، وإلى التقليل من قيمة الحضارات الأخرى باعتبارها – تاريخياً - بربرية أو همجية، أو في الوقت الراهن تعتبر متخلفة.
وهكذا تنظر المركزية الأوروبية إلى البلاد الإسلامية باعتبارها متخلفة، لأنها فشلت في اختبار الحداثة من ناحية، ولم تستطع أن تنجز إلا تحديثاً مشوهاً.
وعلي العكس فإن المركزية الإسلامية تتسم بتضخيم الذات باعتبار أن الإسلام هو أسمى من كل الأديان الأخرى، وفي الوقت نفسه هي تنظر بازدراء إلى الحضارة الغربية باعتبار أن قيمها متدهورة. وهذا الازدراء تحول في العقود الأخيرة إلى عداء مستحكم كما تجلى في خطاب الجماعات الجهادية التكفيرية، مثل تنظيم «القاعدة» وتنظيم «داعش» الذي يسعى إلى أسلمة العالم من خلال إعلان «الخلافة الإسلامية» في سورية والعراق.
وإذا كانت هناك كتابات متعددة حللت مختلف أبعاد المركزية الأوروبية ووجهت لها النقد على أساس اتجاهاتها التعصبية، فإن المركزية الإسلامية لم يكتب عنها إلا القليل النادر مع أهميتها الكبرى، لأنها في الواقع هي الجذر الثقافي الذي صيغت على أساسه الأفكار الإسلامية المتطرفة، والتي ترجمت في الواقع بعد ذلك إلى حركات جهادية تكفيرية.
وأهم ما في المركزيات الثقافية على اختلاف أنماطها أنها تكون في الواقع أنساقاً مغلقة تعاني من عقدة الزعم أن أنصارها يمتلكون الحقيقة المطلقة. في حين أن الاتجاهات الثقافية المعاصرة وأبرزها حركة «ما بعد الحداثة» تؤكد على سقوط الأنساق المغلقة أو - بلغة فلاسفتها - «السرديات الكبرى» وبداية عصر «الأنساق المفتوحة» التي تنطلق من أن الحقيقة نسبية من ناحية، وأنه يمكن عن طريقها التأليف الخلاق بين متغيرات كان يظن من قبل أنها متعارضة، مثل الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، والعلمانية والدين، والثقافة العولمية والثقافات المحلية.
وإذا أردنا أن نكوّن فكرة متكاملة عن «المركزية الإسلامية» فلا مناص من الاعتماد الأساسي على كتابات المفكر العربي المعروف الدكتور عبدالله إبراهيم الذي يعتبر في نظري الرائد العلمي الذي استطاع في مشروعه الفكري الكبير «المطابقة والاختلاف: بحث في نقد المركزيات الثقافية» (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004) صوغ نظرية متكاملة تضمنت التحولات التاريخية للمركزية الإسلامية، وأبرزت تناقضاتها الراهنة.
وفي مدخل دراسته التي أعطى لها عنواناً «المركزية الإسلامية: التفاعلات المعاصرة وحدود المفهوم» أرجع نشوء المركزية الإسلامية تاريخياً إلى التفرقة التي أقامها القدماء بين «دار الإسلام» و»دار الحرب». غير أن هذه التفرقة التي استمرت قروناً أخلت سبيلها إلى مفهوم «العالم الإسلامي» الذي يثير مشكلات متعددة باعتبار أننا نعيش في عالم متداخل المصالح والعلاقات والأفكار. وهو عالم تخلص إلى حد كبير من سجالات القرون الوسطى التي يقوم نموذجها الفكري على الثنائيات الضدية، وإن كانت بقايا التفرقة التقليدية بين «دار الإسلام» و»دار الحرب» ما زالت حاضرة، وخصوصاً في الحساسيات العقائدية بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب.
ويمكن القول أن أشباح أفكار الماضي ما زالت ماثلة في خطاب الحاضر الذي يثير إشكاليات الهوية والخصوصية والأصالة. ويقرر الدكتور عبدالله إبراهيم أن المجتمعات الإسلامية تعيش حالياً ازدواجية خطيرة تختلط فيها قيم روحية وقيم مادية ولم تفلح أبداً في فك الاشتباك بينهما على أسس عقلية واضحة، فالقيم الأولى حبيسة النصوص المقدسة وحواشيها، وقد آلت إلى نموذج أخلاقي متعال يمارس نفوذا يوجه الحاضر انطلاقا من الماضي.
أما القيم الثانية فقد غزت الحياة بشتى جوانبها باعتبارها إفرازات مباشرة لنمط العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الحديث، وبالتحديد بفعل المؤثر الغربي.
هكذا صاغ الدكتور عبدالله إبراهيم بدقة بالغة الإشكالية التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم، وخصوصاً في خطاب التيارات الإسلامية، معتدلة كانت أو متطرفة، برفض الحداثة الغربية باعتبارها مشروعاً حضارياً، ويؤكد على ضرورة الاعتماد على التراث الإسلامي القديم وخصوصاً ضرورة استعادة نظام الخلافة الإسلامية.
ويدل على ذلك أن المشروع السياسي لجماعة «الإخوان المسلمين»، التي انطلقت من رؤيتها للعالم كافة الحركات الإسلامية المتطرفة - والتي تحولت من بعد إلى حركات إرهابية - تتمثل مفرداته في الانقلاب ولو بالعنف على الدول المدنية العربية والإسلامية الراهنة، وإقامة دولة إسلامية بديلة، تكون هي المقدمة الضرورية لاستعادة نظام الخلافة الإسلامية، ومن ثم يصبح المسلمون هم أساتذة العالم.
لا نبالغ لو قلنا أن هذه الفكرة المحورية هي الموجهة للمشاريع السياسية أو الانقلابية للحركات الإسلامية المتطرفة المعاصرة. ومما يؤكد ذلك أن المرشد العام لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر الدكتور محمد بديع قال في تصريح شهير له بعد حصول حزب «الحرية والعدالة» (الإخواني) على الأكثرية في انتخابات مجلسي الشعب والشورى التي أُجريت في مصر: «يبدو أن حلم حسن البنا في استعادة نظام الخلافة الإسلامية قد قارب على التحقق وسنصبح من بعد - كما خطط لذلك - أساتذة العالم».
وإذا كان حكم «الإخوان المسلمين» الديكتاتوري قد أسقطه الانقلاب الشعبي الذي وقع في مصر في 30 حزيران (يونيو) ودعمته القوات المسلحة المصرية، فإن تنظيم «داعش» الإرهابي - مستغلاً في ذلك الأوضاع المضطربة في سورية - أراد أن يختصر الطريق فأعلن قيام دولة «الخلافة الإسلامية» في سورية والعراق، وتمت البيعة لأبي بكر البغدادي باعتباره «خليفة المسلمين»، والذي أخذت جماعات تكفيرية متعددة في بلاد عربية أخرى مثل ليبيا تبايعه وتمشي على خطاه، وأبرزها ارتكاب الجرائم الوحشية والتي تتمثل في قطع رقاب المسلمين والأجانب على السواء.
وحتى تكتمل الصورة فلا بد أن نذكر أن القرن العشرين شاهد نماذج من «المركزيات الثقافية السياسية» - إن صح التعبير- أهمها الماركسية التي ادعت في تطبيقها الواقعي أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، انطلاقاً من الشعور بتضخم الذات والعداء مع الآخر متمثلاً في العالم الرأسمالي.
وشهدنا أيضاً «المركزية الثقافية السياسية الغربية» ممثلة في الرأسمالية التي ادعت بدورها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، باعتبارها الإيديولوجية السياسية النموذجية التي ستحقق السعادة للبشر من ناحية، والتي بادل أنصارها السوفيات ومن لف لفهم العداء.
ويمكن القول إن الحرب الباردة التي اشتعلت عقب انتصار الحلفاء على دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) في العام 1945 كانت هي المسرح الذي دار على أرضه الصراع العنيف بين الماركسية والرأسمالية.
وقد أدت تطورات الأحداث إلى انهيار الإمبراطورية السوفياتية وسقطت بالتالي دعاوى الماركسية في أفضليتها على الرأسمالية، وظهرت كتب شهيرة أبرزها كتاب فوكوياما عن «نهاية التاريخ» احتفالاً بالانتصار الحاسم على الماركسية. ولكن يشاء دهاء التاريخ أن تقوم أزمة اقتصادية كبرى في الولايات المتحدة الأميركية في العام 2008 مثلت انهياراً كاملاً للنموذج الرأسمالي الكلاسيكي الذي أجبر إدارة الرئيس أوباما على ضخ تريليونات الدولارات لإنقاذ الدولة الأميركية من إعلان إفلاسها.
وقد أكد انهيار النظام الرأسمالي الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي في كتابه الذي حظي بشهرة عالمية وعنوانه «رأس المال»، والذي تنبأ فيه بسقوط الرأسمالية كنظام اقتصادي، ونهاية الديموقراطية كنظام سياسي.
وفي تقديري فإننا سنشهد في السنوات القادمة سقوطاً مدوياً للمركزية الإسلامية بعد أن وصل الإرهاب المعولم إلى منتهاه.
نقلا عن صحيفة الحياة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.